بالخرائط والشهادات.. هكذا يسرق الاستيطان الضفة الغربية قطعة بعد أخرى
تاريخ النشر: 11th, November 2025 GMT
فمن قرى نابلس إلى تلال رام الله تتكرر الحكاية ذاتها.. اعتداءات ليلية، وأراض تُصادر، ومستعمرات تنمو في وضح النهار، وما بدأت كبؤر صغيرة تحت حماية الجيش الإسرائيلي صارت اليوم شبكة متكاملة من المستوطنات تبتلع الجغرافيا الفلسطينية بلا توقف.
ووثق التقرير -الذي عرضته الحلقة- شهادات مؤلمة لفلاحين خسروا أراضيهم ومواشيهم في هجمات منظمة، وأوضح عبر حديث معنيين بالاستيطان كيف يعتمد الاحتلال سياسة فرض الأمر الواقع ويحوله إلى مشروع استيطاني منظم، تُموّله الدولة وتُشرعنه القوانين والقرارات الحكومية.
وبين صوت المزارع الفلسطيني الذي يصرخ: "يأتون ليلا.. يسرقون الغنم ويقطعون الأشجار"، وصمت الأرض التي تشهد على الخراب، تنكشف سياسة ممنهجة لا يبدو فيها العنف طارئا، بل جزءا من هندسة الاستيطان.
فالتقرير يوثق كيف يُمهَّد الطريق أولا لجرافة، ثم تُقام خيمة، لتتحول الخيمة إلى بؤرة استيطانية جديدة، تليها حماية عسكرية وشبكة مياه وكهرباء، فتُصبح "الواقعة" أمرا قانونيا بقرار من سلطات الاحتلال.
تتبدى المفارقة حين تُقارن الخرائط بين ما كانت عليه الضفة الغربية عام 1967 وما أصبحت عليه اليوم، حيث تُظهر الخرائط الحديثة انتشار المستوطنات كأورام في الجسد الفلسطيني، وبينما تنكمش المساحات الفلسطينية يوما بعد يوم، تتسع المستوطنات كأنها تنمو من رحم الخطة ذاتها.
ويصف أحد الشهود كيف دهم المستوطنون أرضه عند الفجر وسرقوا قطيعه المؤلف من مئات المواشي تحت حماية جنود الاحتلال، وفي حين تُظهر الكاميرا آثار الجريمة، من أغنام مذبوحة وأشجار مثقوبة الجذوع، يروي الرجل بمرارة: "ما تركوا لنا سوى التراب.. حتى الهواء صار يخاف من وجودهم".
دور رسميولم يكتف التقرير بتوثيق الانتهاكات الميدانية، بل أظهر الدور الرسمي الإسرائيلي في رعاية هذا التمدد، فالخرائط التي عُرضت خلال الحلقة كشفت عن مخططات جديدة لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية أقرّتها حكومة نتنياهو، في إطار ما تسمى "شرعنة البؤر" التي بدأت كنقاط غير قانونية ثم تحولت إلى مستوطنات قائمة.
وفي الجزء التحليلي من الحلقة، أكد الدكتور عبد اللطيف خضر، أستاذ القانون الدولي ومدير المرصد الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن ما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد تعدٍ فردي من مستوطنين متطرفين، بل سياسة رسمية تتبناها مؤسسات الدولة الإسرائيلية على نحو ممنهج ومدروس.
وأوضح أن الاستيطان يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، لأنه يقوم على نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة قسرا، وهو ما تحظره اتفاقية جنيف الرابعة.
وأشار خضر إلى أن التوسع الاستيطاني يشكل تحديا مباشرا لفكرة قيام دولة فلسطينية، فشبكة الطرق الالتفافية والجدران العازلة والمناطق العسكرية المغلقة تُقسم الضفة إلى جزر معزولة، وتجعل من المستحيل بناء كيان سياسي متصل.
وأضاف أن حكومة الاحتلال لا تكتفي بحماية المستوطنين، بل تمنحهم ميزانيات ضخمة وتغض الطرف عن اعتداءاتهم اليومية.
وحذر خضر من أن التصعيد الأخير في هجمات المستوطنين يتزامن مع قرار إسرائيلي بضم فعلي لمناطق "ج"، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، مؤكدا أن هذا المسار يقود نحو إنهاء أي احتمال لتسوية سياسية عادلة.
وقال إن المجتمع الدولي "يكتفي ببيانات القلق"، بينما تتسارع الوقائع على الأرض لصالح مشروع استيطاني لا يخفي نياته التوسعية.
استعمار عنصريمن جانبها، شددت المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، على أن ما يجري في الضفة الغربية "هو استعمار استيطاني عنصري مكتمل المعالم".
وأوضحت أن حكومة الاحتلال تستخدم المستوطنين كأداة لتغيير التركيبة السكانية وفرض واقع جديد بالقوة، مضيفة أن الاعتداءات المتكررة تهدف إلى "دفع الفلسطينيين إلى الرحيل الصامت عن أرضهم".
ورأت ألبانيزي أن الدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به إسرائيل من بعض القوى الغربية يفاقم الانتهاكات، إذ يُفلت المستوطنون من العقاب حتى في حالات القتل العمد، بينما يُحاكم الفلسطينيون على مقاومة الاحتلال، واعتبرت أن هذه المفارقة "تكشف عمق ازدواجية المعايير في النظام الدولي".
وأشارت إلى أن الأمم المتحدة وثّقت مئات الهجمات على القرى الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة، تخللتها جرائم حرق ونهب وتدمير للممتلكات، مؤكدة أن "السكوت الدولي يرقى إلى تواطؤ فعلي"، وطالبت بفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في الجرائم ومساءلة القادة الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية.
Published On 11/11/202511/11/2025|آخر تحديث: 00:57 (توقيت مكة)آخر تحديث: 00:57 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2شارِكْ
facebooktwitterwhatsappcopylinkحفظ
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات الضفة الغربیة
إقرأ أيضاً:
حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة
تستعد كرة القدم الفلسطينية للعودة إلى الملاعب مطلع سبتمبر/أيلول المقبل بعد توقف قسري دام قرابة 3 سنوات جراء الحرب الإسرائيلية. ورغم الدمار الواسع الذي طال المنشآت واستشهاد المئات من الأسرة الرياضية، تكافح الأندية في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستعادة إيقاعها وسط أزمات مالية خانقة وقيود لوجستية، في خطوة يعتبرها الرياضيون بارقة أمل لإنعاش حلم الاحتراف وإعادة بناء المنظومة الكروية.
يركض نحو 25 لاعباً بين الأقماع البرتقالية على أرضية ملعب نادي "ثقافي البيرة" وسط الضفة الغربية المحتلة، بينما تراقب العيون الفنية تحركاتهم بشغف وحذر، بعد انقطاع طويل استمر قرابة 3 سنوات عن المنافسات الرسمية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2تشلسي والهلال يقودان سباق الإنفاق القياسي في سوق الانتقالاتlist 2 of 2قبل شهر من انطلاق الدوري التونسي.. الكنزاري يخلف البنزرتي في النادي الأفريقيend of listوبين تمريرة وأخرى، يحاول اللاعبون استعادة الإيقاع المفقود، تأهباً لعودة الروح إلى ملاعب كرة القدم الفلسطينية مطلع سبتمبر/أيلول المقبل، وذلك إثر إعلان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم استئناف الأنشطة الكروية في الضفة الغربية – بما فيها القدس الشرقية – وقطاع غزة والشتات.
وتمثل هذه التدريبات أول استعداد فعلي لعودة المنافسات منذ توقف النشاط بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد في الضفة الغربية في أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أن هذه العودة المنتظرة لا تعني تعافي الكرة الفلسطينية تماماً؛ فبينما تكافح أندية الضفة للتغلب على القيود الإسرائيلية والأزمات المالية، تواجه أندية غزة تحدياً وجودياً يتمثل في إعادة بناء فرقها بعد دمار هائل طال الملاعب والمنشآت، وفقدان عدد كبير من نجوم اللعبة.
عودة محفوفة بالتحديات والفجوات العمريةويؤكد مدرب نادي ثقافي البيرة، عمر البرغوثي، أن توقف النشاط الرياضي منذ أواخر عام 2023 أحدث فجوة فنية وبدنية عميقة في مستوى اللاعبين نتيجة الغياب التام للبطولات الرسمية.
إعلانويوضح البرغوثي أن سياسة تقطيع أوصال الضفة الغربية ونشر الحواجز العسكرية الإسرائيلية جعلت من تنقل الفرق مهمة شاقة، مشيراً إلى أزمة أخرى تتعلق بالأجيال الكروية: "اللاعب الذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً عند توقف النشاط أصبح اليوم في 31 دون خوض أي منافسة رسمية، بينما فقدت المواهب الناشئة أهم سنوات تكوينها الرياضي، وهي خسارة لا يمكن تعويضها بسهولة".
ويلفت المدرب إلى أن الاتحاد الفلسطيني ينظم حالياً بطولات تجريبية للمناطق تمهيداً للاستئناف الرسمي، معرباً عن أمله في أن تمهد هذه الخطوة لعودة الموسم الرياضي بشكله الطبيعي العام المقبل، شريطة توفر الدعم اللوجستي والاقتصادي اللازم للأندية.
أزمة مالية تثقل كاهل الأنديةولا تقتصر تداعيات التوقف على الجانب الفني، بل تمتد لتخنق الأندية مالياً بعد نضوب مواردها. وفي هذا السياق، يشير المشرف الرياضي في نادي ثقافي البيرة، محمد سدر، إلى أن قرار عودة النشاط أعاد الأمل للرياضيين، لكنه اصطدم بواقع اقتصادي مرير.
ويضيف سدر: "نواجه صعوبات جمة، أبرزها الارتفاع الباهظ في تكاليف إقامة المباريات الودية وصعوبة التنقل. لقد اضطر العديد من اللاعبين خلال فترة التوقف للبحث عن أعمال بديلة لتأمين لقمة العيش، وتركيزنا ينصب حالياً على إعادة تأهيلهم بدنياً بالاعتماد على أبناء النادي حصراً لصعوبة إبرام تعاقدات جديدة".
أحلام الاحتراف معلقة بانتظار الصافرةوعلى الصعيد الفردي، تبددت طموحات العديد من المواهب الشابة، وهو ما يؤكده باسل حرباوي، لاعب المنتخب الفلسطيني للناشئين ونادي ثقافي البيرة، مبيناً أن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل أصابت الأحلام الرياضية في مقتل.
ويقول حرباوي إن غياب المنافسات الرسمية والبطولات التنافسية أجبر اللاعبين على اللجوء للبطولات الأهلية البسيطة للحفاظ على لياقتهم، مضيفاً: "حلمي بالاحتراف الخارجي تأثر بشدة، فالسنوات التي كان يُفترض أن نصقل فيها خبراتنا ضاعت في ظل التوقف". ورغم ذلك، يتمسك اللاعب الشاب بالأمل في أن تكون العودة المرتقبة خطوة نحو تمثيل المنتخب الوطني الأول وتحقيق حلم الاحتراف.
ثمن باهظ وخطوات تدريجيةوكان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد رسم ملامح المرحلة القادمة، حيث أكدت الناطقة باسم الاتحاد ديما يوسف أن المرحلة الأولى من العودة في سبتمبر/أيلول ستكون "تنشيطية فقط"، ولن يُعتمد فيها نظام الصعود والهبوط، ريثما يتم ترتيب المشهد الرياضي وتأهيل المنشآت لإطلاق الموسم الثامن من دوري المحترفين العام المقبل.
وكشفت يوسف عن حجم الفاتورة الباهظة التي دفعتها الرياضة الفلسطينية قائلة: "لقد دفعنا ثمناً غالياً خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتقاء أكثر من ألف شهيد من الأسرة الرياضية، وإصابة وفقدان الآلاف، فضلاً عن تدمير شبه كامل للبنية التحتية الرياضية".
وتأتي هذه التحركات الكروية وسط واقع سياسي وميداني معقد؛ فبعد اندلاع الحرب في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تاركاً خلفه حصيلة ثقيلة تجاوزت 73 ألفاً شهيد و173 ألفاً جريح، في وقت تواصل فيه إسرائيل خروقاتها اليومية وتشديد حصارها الخانق، لتظل كرة القدم الفلسطينية تبحث عن مساحتها الخاصة للتنفس وسط هذا الركام.
إعلان