محمد بن أحمد الشيزاوي -

على مقاعد الدراسة تزدهر الكثير من الأفكار لمشروعات شتى؛ حيث يسعى الطلبة والطالبات للتغلب على الواقع بابتكارات جديدة تلبي طموحاتهم، وتتحدى العصر الذي يعيشون فيه. قد تكبر هذه الأفكار لتصبح مشروعا بعد عدة سنوات، وقد تتوارى عندما يجد الطلبة أن الواقع أقوى من طموحاتهم، وأن هذه الأفكار تحتاج إلى من يؤمن بها من المستثمرين والبنوك وشركات التمويل.

قد تكون هذه -أي معضلة التمويل- أولى المشكلات أو التحديات التي تواجه «الأفكار» قبل تأسيس أي شركة، ولكن بعد ذلك تظهر تحديات أخرى لا تتعلق بالتمويل فقط، وإنما تشمل أيضا بيئة التمويل بشكل عام وأسلوب الإدارة، ومدى إيمان العاملين بفكرة المشروع وطموح الشركة ورؤيتها للمستقبل.

يعد التمويل واحدا من أبرز التحديات التي تواجه الشركات منذ الفكرة الأولى للمشروع. بل إن التمويل قد يحدّ من نمو الأفكار وازدهارها حتى وإن بدا في أحيان كثيرة صامتا وخفيا، وبدلا من أن يفكر الشباب في تحقيق كل أهدافهم يقتصرون على مرحلة أولى قد تقودهم بعد ذلك إلى مراحل أخرى أو يتراجعون عن ذلك بعد حين.

وعلى الرغم من أننا قد نتمكن من تنفيذ الكثير من الأفكار بتمويل ذاتي محدود؛ إلا أن الواقع يؤكد أنه لا يمكن للمشروعات أن تحقق أهدافها إن لم تجد التمويل الكافي. وكثير من الشركات ظلت تعمل في الحيّ الذي نشأت فيه لعدة عقود؛ لأنها لم تطرق باب التمويل لتنمية أعمالها في الفرع الأول وافتتاح فروع جديدة في الأحياء المجاورة أو خارج حدودها المحلية، وهناك مشاريع كثيرة ظلت حبيسة الأدراج لعدة سنوات حتى وجدت التمويل الذي يخرجها إلى الواقع.

وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا تتباطأ الجهات التمويلية في تمويل الشركات الناشئة والأفكار الطلابية؟ ولماذا تجد الشركات الجديدة حول العالم صعوبة في الحصول على التمويل؟ قد يبدو الأمر معقدا جدا؛ فالجهات التمويلية كالبنوك تعتبر تمويل الشركات التي لا تمتلك سجلا للإيرادات والأرباح، وليست لديها ضمانات كافية فيه مخاطرة بأموال المساهمين والمودعين، وهو ما يستدعي جهودا أكبر من قبل الشركات الناشئة لإقناع الممولين بأهمية المشروع وجدواه الاقتصادية. الجهات التمويلية كثيرا ما تحتاج إلى دراسات جدوى اقتصادية أكثر عمقا، وخطة زمنية مفصلة لتسديد الالتزامات المالية، وتصورا واضحا لحجم الإيرادات وقدرة المشروع على النجاح. وكلما كانت الفكرة واضحة لدى المستثمرين استطاعت الشركة إقناع الجهات التمويلية بجدوى التمويل وأهميته للطرفين. ورغم ذلك نجد كثيرا من الجهات التمويلية تتجه إلى «التشدد» في سياساتها لتمويل مشروعات الشركات الناشئة والأفكار المبتكرة، وهو ما يجعل الكثير من الشركات تتراجع عن أفكارها وتتخلى عن طموحاتها.

إذن ما هو الحل؟  في الحقيقة هناك الكثير من الحلول، وعلى سبيل المثال؛ فإن تنوع البرامج التمويلية لدى البنوك وشركات التمويل في سلطنة عُمان يتيح آفاقا عديدة لنمو الشركات وازدهار الأعمال. فمثلا، يقدم بنك التنمية العُماني قروضا متنوعة لتمويل المشروعات بدءا من المشاريع متناهية الصغر إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتمويل الموسمي للمشروعات الزراعية وانتهاء بتمويل الشركات، وتقدم البنوك التجارية والبنوك والنوافذ الإسلامية حلولا تمويلية متنوعة بما في ذلك تمويل المشروعات الكبرى. وقد شهدت شركات التمويل والتأجير التمويلي تحولا مهما في حلول التمويل بعد أن أتاح البنك المركزي العماني في عام 2023 لهذه الشركات توسعة أنشطتها لتشمل «تمويل المشاريع التجارية ومشاريع التطوير العقاري؛ من أجل بناء الوحدات السكنية، ومنح تسهيلات رأس المال العامل؛ لتشجيع هذه الشركات على زيادة تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وغيرها من القطاعات بالإضافة إلى قبول الودائع من المؤسسات، ومنح قروض شخصية للأفراد وفق ضوابط محددة».

وعلى هذا فإنه لا توجد لدينا مشكلة في البرامج التمويلية أو جهات التمويل، كما أنه لا توجد أي إشكالية في السياسات العامة للتمويل. ورغم كل هذا تظل مشكلة التمويل قائمة، ويرجع السبب في ذلك إلى ضعف ثقافة التمويل المبتكر لدى العديد من البنوك وشركات التمويل التي تميل إلى تمويل الأنشطة التقليدية التي تتميز بمخاطر منخفضة في حين لا تحظى المشروعات الجديدة أو القطاعات الناشئة والأفكار المبتكرة باهتمام الجهات التمويلية، وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين السياسات والبرامج التمويلية وجهات التمويل من جهة، والواقع الذي تعيشه الكثير من الشركات الناشئة من جهة أخرى. فهذه الشركات لديها العديد من الأفكار المبتكرة غير أن هذه الأفكار لا تحظى باهتمام البنوك وشركات التمويل؛ ولهذا فإن كثيرا من الشركات الطلابية لم تتمكن من الخروج من «الورق» إلى الواقع ليس لضعفها، بل لعجزها عن النفاذ إلى منظومة التمويل وقدرتها على إقناع الجهات التمويلية بجدوى مشروعها وقدرة أفكارها على تحقيق النجاح.

وبناء على هذا فإن معالجة هذا التباين في وجهات النظر بين الجهات التمويلية من جهة والمبتكرين والشركات الناشئة من جهة ثانية تتطلب تحولا في التفكير لدى البنوك وشركات التمويل والجهات المنظمة للقطاع، فعلى البنوك والجهات التمويلية الأخرى أن تنظر إلى التمويل على أنه استثمار ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني والمجتمع وليس مجرد عملية إقراض تخضع لضمانات ملموسة، وعلى الجهات التنظيمية توفير أُطُر تشريعية تمنح الجهات التمويلية مرونة أكبر لتمويل مثل هذه المشروعات وتشجيع التمويل المبتكر، وعلى الشركات الناشئة والمبتكرين كسب ثقة الجهات التمويلية وبذل جهود أكبر في إعداد دراسات الجدوى التي تُسلط الضوء على أهمية الأفكار وقدرة الشباب على تحويل هذه الأفكار إلى واقع حقيقي.

إن المراكز المتقدمة التي حققتها سلطنة عُمان في مؤشرات الابتكار العالمي وتنمية المواهب تعكس قدرات الشباب العُماني والإمكانيات التي يتمتعون بها، وفي المقابل فإن تشدد الجهات التمويلية من شأنه أن ينعكس سلبا على قدرات الشباب على تحويل الأفكار إلى مشاريع وقد يؤدي إلى تباطؤ نمو الشركات الناشئة، ورغم كل هذا لدينا تفاؤل بأن تتغلب أفكار الشباب ومشروعاتهم على تحديات التمويل وعقباته، ولعل تخصيص صندوق عُمان المستقبل (برأسمال عند ملياري ريال عماني) 10 بالمائة من رأسماله للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة من شأنه تقليص فجوات التمويل، وحتى نتجاوز الكثير من عقبات التمويل التي تواجه أفكار الشباب وطموحاتهم علينا بناء منظومة تمويلية تدعم المخاطرة المدروسة وتشجع الابتكار؛ فالتمويل محفّز للتنمية وشريك فيها، وعلى الجهات التمويلية ألا تنظر إلى نفسها على أنها مجرد جهة مُقرضة وإنما جهة مشاركة في التنمية، وفي نفس الوقت على الشباب والمبتكرين أن يبذلوا مزيدا من الجهود لإقناع الممولين بجدوى المشروع وتفرده وأنه ليس مشروعا عاديا وإنما ابتكار يستحق الاستثمارَ والعناءَ والمخاطرة.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الشرکات الناشئة هذه الأفکار من الشرکات الکثیر من من جهة

إقرأ أيضاً:

هوس البروتين يرفع الأسعار ويضع الشركات أمام تحديات جديدة

تحولت المنتجات الغنية بالبروتين من فئة مخصصة للرياضيين ومحبي كمال الأجسام إلى جزء أساسي من الأنظمة الغذائية اليومية لملايين الأشخاص حول العالم، ومع تزايد الاهتمام بالصحة واللياقة البدنية، انتشرت موجة غذائية جديدة تُعرف باسم “تعظيم البروتين”، ما أدى إلى ارتفاع الطلب بشكل غير مسبوق على مصادر البروتين المختلفة، وفي مقدمتها بروتين مصل اللبن.

وأصبح المستهلكون يبحثون عن البروتين في مختلف المنتجات الغذائية، ليس فقط في المكملات الرياضية، بل أيضًا في الأطعمة والمشروبات اليومية، فبعد أن كان بروتين مصل اللبن عنصرًا أساسيًا في مساحيق البروتين الخاصة بالصالات الرياضية، بات يُضاف إلى منتجات متنوعة مثل خلطات الوافل والفطائر والمشروبات الباردة وعجائن الكوكيز وغيرها من الأطعمة التي تستهدف الباحثين عن قيمة غذائية أعلى.

هذا الإقبال المتزايد يعود إلى قناعة واسعة بأن البروتين يساعد على بناء العضلات، ويمنح الشعور بالشبع لفترات أطول، كما يساهم في دعم برامج إنقاص الوزن، إلا أن هذا الطلب الهائل بدأ يفرض تحديات حقيقية على سلاسل التوريد العالمية، التي تجد صعوبة متزايدة في تلبية احتياجات الأسواق.

ووفقًا لتقارير حديثة، فقد استنفد بعض موردي بروتين مصل اللبن كمياتهم المتاحة حتى نهاية عام 2026، بينما شهدت أسعار بعض الأنواع عالية التركيز ارتفاعات تجاوزت 40% خلال فترة قصيرة، نتيجة زيادة الطلب العالمي مقارنة بحجم الإنتاج المتاح.

ودفع هذا الواقع العديد من الشركات المصنعة إلى البحث عن حلول بديلة للحفاظ على استمرارية الإنتاج، ففي الوقت الذي أوقفت فيه بعض الشركات تصنيع منتجات تعتمد بشكل أساسي على بروتين مصل اللبن، لجأت شركات أخرى إلى إعادة تطوير وصفاتها باستخدام بروتين الحليب أو بروتين البازلاء أو مزيج من البروتينات النباتية المستخرجة من الأرز وبذور اليقطين.

ورغم أن هذه البدائل توفر كميات جيدة من البروتين، فإنها لا تحقق دائمًا النتائج نفسها من حيث الطعم أو القوام، وواجهت بعض الشركات تحديات واضحة بعد استبدال المكونات الأصلية، حيث انعكس ذلك على جودة المنتج النهائي وتجربة المستهلك.

وتكمن المشكلة الرئيسية في طبيعة إنتاج بروتين مصل اللبن نفسه، فهو ليس محصولًا زراعيًا يمكن التوسع في إنتاجه بسهولة، بل يعد ناتجًا ثانويًا لصناعة الجبن، فعند تصنيع الجبن ينفصل الحليب إلى جزء صلب يُستخدم في صناعة الجبن، وجزء سائل يعرف بمصل اللبن، والذي يُجفف لاحقًا للحصول على مسحوق البروتين.

ولهذا السبب، فإن زيادة إنتاج بروتين مصل اللبن تتطلب زيادة إنتاج الجبن أيضًا، وهي عملية تحتاج إلى استثمارات كبيرة ووقت طويل، ما يجعل الاستجابة السريعة للطلب المتزايد أمرًا صعبًا.

ويؤكد مسؤولون في قطاع الألبان أن حجم الطلب الحالي دفع العديد من الشركات إلى تغيير استراتيجياتها، حيث أصبحت تنظر إلى البروتين باعتباره المنتج الأكثر قيمة وربحية، كما أصبحت المنافسة على شراء الكميات المتاحة أكثر شدة، بعدما كان الحصول على هذه المادة أسهل بكثير خلال السنوات الماضية.

وبدأت بعض الشركات الصغيرة بالتخلي عن استخدام بروتين مصل اللبن بشكل كامل بسبب ارتفاع تكاليفه، بينما حذرت شركات أخرى من احتمالية ارتفاع أسعار منتجاتها أو تقليص الكميات المطروحة في الأسواق خلال الفترة المقبلة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن البدائل النباتية تمتلك فوائد عديدة، لكنها تختلف في تركيبها الغذائي ومعدل امتصاصها داخل الجسم، كما أن بعض الأشخاص قد يعانون من اضطرابات هضمية عند تناول أنواع معينة منها، أما بروتين الحليب، فرغم قيمته الغذائية المرتفعة، فإنه يُهضم بشكل أبطأ مقارنة ببروتين مصل اللبن، ما يجعله أقل فاعلية في مرحلة التعافي السريع بعد التمارين الرياضية.

ويتميز بروتين مصل اللبن بكونه بروتينًا كاملًا يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية التي يحتاجها الجسم، إضافة إلى سرعة امتصاصه، وهو ما جعله الخيار الأول للعديد من الرياضيين وممارسي الأنشطة البدنية.

وتتوقع مؤسسات متخصصة في دراسة الأسواق استمرار ارتفاع أسعار المنتجات المدعمة بالبروتين خلال الأشهر المقبلة، بما في ذلك ألواح البروتين والمشروبات الجاهزة والوجبات الخفيفة، كما يُرجح أن يشهد المستهلكون تغييرات في مكونات بعض المنتجات نتيجة اعتماد الشركات على بدائل مختلفة لمواجهة نقص الإمدادات.

وينصح الخبراء المستهلكين بقراءة الملصقات الغذائية بعناية للتأكد من نوع البروتين المستخدم في المنتجات التي يشترونها، كما يمكن الاعتماد على مصادر البروتين الطبيعية مثل البيض والدجاج والأسماك واللحوم قليلة الدهون والفاصوليا والعدس والزبادي اليوناني، باعتبارها خيارات غذائية متوازنة توفر احتياجات الجسم من البروتين دون الاعتماد الكامل على المنتجات المصنعة.

 

بعد رحيل سهام جلال.. عبير صبري: إلى متى يدفع الفنانون ثمن التهميش؟ "حفرة جهنم".. دراما مشوقة تكشف الوجه الخفي للعشوائيات الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال في موقع إكس بعد بث الختمة الجديدة بعد العيد.. خطة الديتوكس لاستعادة النشاط والتخلص من آثار الأطعمة الدسمة كوب سموذي يوميًا.. فوائد عديدة للصحة النفسية والوقاية من الإكتئاب دراسة تحذر من الإفراط في المكملات الغذائية للأطفال سرقة موزة بـ6.2 مليون دولار من متحف فرنسي واستبدالها بآخرى جديدة خطأ شائع يُتلف المقلاة غير اللاصقة دون أن تلاحظ 55 عامًا من العطاء العلمي.. د. علية عبد الهادي ضيفة «حدوتة مصرية» أنس الفقي وأسامة هيكل وإعلاميون يشيدون بانطلاق توك شو "من ماسبيرو"

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • تعزيز التعاون التقني بين «الشارقة للبحوث» و«ميونيخ تك إكسبو»
  • هوس البروتين يرفع الأسعار ويضع الشركات أمام تحديات جديدة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • رحاب طه مشرفًا على قطاع التمويل غيرالمصرفي بـ الرقابة المالية
  • اجتماع موسع بالقليوبية لتعزيز مشاركة المبتكرين في المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش