يبدو أنّ الضمير العالمي قد وُوري الثرى دون جنازة، ودون شاهد قبر. رحل بهدوءٍ تام، كما يرحل اللصّ حين يسرق من جيب الإنسانية آخر فلسٍ من الرحمة. في غزة، الدم يسيل كأنّ الأرض تعرّقت ألماً، والسماء تنزف قنابل بدل المطر، والبحر – ذاك البحر القديم – صار مقبرةً زرقاءَ تطفو عليها ألعاب الأطفال الذين لم يكبروا بعد.
أما السودان، فقصيدةٌ طويلة من الرماد، تتنازعها البنادق كما تتنازع الغربانُ جثثَ الحقول. هناك، الجوعُ يبتلع الأطفال قبل أن يلفظ أسماءهم، والعالم يشاهد المشهد ذاته مراراً كأنه يشاهد فيلماً مكرراً على قناةٍ بلا ضمير.
الضمير الذي كان يوماً نبضَ الأرض صار الآن رمادَ ورقٍ في مكاتب الأمم، يُترجم إلى بيانات باردة لا دفءَ فيها. حتى الإنسانية نفسها بدت كهَرِمةٍ تعكّز على عكاز النفاق، وتبتسم بأسنانٍ من كذبٍ أبيض.
في زمنٍ كهذا، لم تَعُد القنابل تقتل الأجساد فقط، بل تقتل المعنى. لم تَعُد النكبات تُقاس بالدموع، بل بعدد التصريحات التي لا تعني شيئاً. العالم اليوم يسير بخُطى ثابتة نحو الهاوية، يحمل في يده شمعة الأخلاق المنطفئة، ويهمس: «نحن بخير».
يا صاحبي، لو كان للضمير قبرٌ، لزرعنا عليه شجرة زيتون، علّها تذكّر الأحياءَ أنّ الإنسانية لا تموت، بل تُغتال في وضح النهار.
الدستور الأردنية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الإنسانية غزة السودان السودان غزة المجتمع الدولي الإنسانية مقالات مقالات مقالات سياسة اقتصاد سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
وزيرة الثقافة في احتفال دخول العائلة المقدسة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شاركت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، مساء أمس الاثنين، في الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، الذي نظمه دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المُحرق)، بمسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشهد الاحتفال عرض الفيلم الوثائقي «القدس الثانية»، وذلك بحضور المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، ومحافظي القاهرة والدقهلية وأسيوط وبني سويف، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وسفراء عدد من الدول، وبعض الوزراء السابقين، والإعلاميين والصحفيين والفنانين والشخصيات العامة.
وأكدت وزيرة الثقافة أن هذه المناسبة تمثل محطة استثنائية في الوجدان المصري، تتجلى فيها الهوية الوطنية بأسمى معانيها الإنسانية، مشيرة إلى أن مشاركتها تنطلق من إيمان راسخ بأهمية صون التراث الوطني والحفاظ على الهوية المصرية.
وأضافت أن أهداف هذا الحدث تتقاطع مع استراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى حماية الذاكرة الوطنية، وترسيخ الهوية عبر الفنون والثقافة، وتحصين وعي الشباب ضد محاولات طمس الهوية أو تشويهها، إلى جانب إبراز عبقرية المكان المصري وتقديم تراثه الحضاري باعتباره رسالة سلام ومحبة وإرثًا إنسانيًا عالميًا تفخر به مصر. وأوضحت أن هذا الحدث تجاوز كونه مجرد واقعة تاريخية، ليصبح شاهدًا على الدور الحضاري والإنساني لمصر، التي فتحت أبوابها عبر العصور لتكون ملاذًا للأمان وموطنًا للتعايش والسلام.
وفي حديثها عن فيلم «القدس الثانية»، الذي عُرض خلال الاحتفال، أكدت وزيرة الثقافة أن العمل يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر، مشيرة إلى أن دير السيدة العذراء بجبل المُحرق ليس مجرد موقع أثري أو ديني، بل يمثل حارسًا للذاكرة الحية لرحلة العائلة المقدسة. وأضافت أن الفيلم يُعد وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد أرض تعبرها الأحداث، بل كانت دائمًا حاضنة للحضارة، وحافظة للرسالات، وصاحبة دور ممتد في صون ذاكرة الإنسانية.
وفي ختام كلمتها، وجهت الدكتورة جيهان زكي الشكر لقداسة البابا تواضروس الثاني وللكاتدرائية المرقسية على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، كما حيّت جميع القائمين على إنتاج الفيلم الوثائقي، الذي يوثق تاريخ دير المُحرق باعتباره أحد أهم صفحات التاريخ المصري، داعية الله أن يديم على مصر نعمة الأمن والاستقرار والترابط والمحبة.
وفي ختام الاحتفالية، كرّم قداسة البابا تواضروس الثاني الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، التي أعربت لقداسته عن فخرها واعتزازها بهذا التكريم.