الزهايمر لم يعد مجرد فقدان ذاكرة .. العلماء يصفونه بـ«السكري من النوع الثالث»
تاريخ النشر: 13th, November 2025 GMT
لم يعد مرض الزهايمر مجرد اضطراب في الذاكرة أو مرحلة طبيعية من الشيخوخة، بل يراه العلماء اليوم مرضًا أيضيًا معقدًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا باضطراب سكر الدم.
الدماغ وسكر الدم.. علاقة معقدة بين الطاقة والوظيفةولهذا السبب بدأ الأطباء مؤخرًا في إطلاق مصطلح جديد عليه هو: «السكري من النوع الثالث» (Type 3 Diabetes)، في إشارة إلى العلاقة القوية بين ارتفاع الجلوكوز ومشكلات الدماغ.
وكشف موقع Amen Clinics عن ما توصلت إليه دراسات حديثة في مجال علوم الأعصاب عن الرابط بين سكر الدم والدماغ، وكيف يمكن أن يؤدي ارتفاع السكر المزمن إلى تلف الذاكرة وتسريع الشيخوخة العصبية؟
ويعتبر الدماغ هو أكثر الأعضاء استهلاكًا للطاقة في جسم الإنسان، ويعتمد بشكل أساسي على الجلوكوز كمصدر للوقود، وعندما تكون مستويات السكر طبيعية، تعمل الخلايا العصبية بكفاءة، لكن في حالة ارتفاع السكر لفترات طويلة تبدأ المشاكل بالظهور.
وتشير الدراسات، إلى أن ارتفاع سكر الدم المزمن يؤدي إلى:
ـ ضعف تدفق الدم إلى أنسجة المخ.
ـ زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي.
ـ تلف الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة والانتباه.
ومع الوقت، يتعرض الدماغ لما يُعرف بـ انكماش الدماغ، وهي من العلامات المبكرة لمرض الزهايمر.
ويُعد الأنسولين هرمونًا أساسيًا ليس فقط في تنظيم السكر، بل أيضًا في حماية الخلايا العصبية وتحفيز التواصل بين خلايا الدماغ.
وعندما تُصاب الخلايا بـ مقاومة الأنسولين، يتأثر الدماغ مباشرة، ما يؤدي إلى ضعف استخدام الجلوكوز.
وأكدت دراسة نُشرت في مجلة الجمعية الفسيولوجية الأمريكية (2022) أن كبار السن الذين يعانون من مقاومة الأنسولين يُظهرون انخفاضًا في نشاط مناطق الذاكرة والتعلم، وهو ما يفسر إطلاق مصطلح «السكري من النوع الثالث» على الزهايمر.
ويعمل الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier) كدرع واقٍ يمنع السموم من الوصول إلى الدماغ، ولكن عند ارتفاع الجلوكوز لفترات طويلة، تتلف خلايا هذا الحاجز، مما يسمح للبروتينات السامة مثل لويحات الأميلويد (Amyloid Plaques) بالمرور والتراكم داخل الدماغ وهي من العلامات المميزة لمرض الزهايمر.
وأثبتت دراسة أجريت في جامعة كاليفورنيا عام 2023 أن مرضى ارتفاع السكر أظهروا تسربًا أكبر في الحاجز الدماغي وارتفاعًا في مؤشرات الالتهاب العصبي مقارنة بالأشخاص الأصحاء.
ويؤدي ارتفاع السكر إلى إنتاج كميات كبيرة من الجذور الحرة التي تسبب الإجهاد التأكسدي، ما يسرّع تلف خلايا المخ ويضعف الذاكرة.
كما أن السكريات المكررة والأطعمة المصنعة ترفع مستوى السيتوكينات الالتهابية، وهي مواد تضر بالإشارات العصبية وتسرّع من تدهور القدرات الإدراكية.
وتُظهر الدراسات أن الأشخاص المصابين بـ السكري من النوع الثاني أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 60%.
وعندما يرتبط السكر بالبروتينات أو الدهون داخل الجسم، تتكوّن مركبات تُعرف بـ منتجات التحلل السكري المتقدمة (AGEs).
تتراكم هذه المواد في الدماغ مسببة تصلب الأنسجة العصبية وتلفها بمرور الوقت.
ووفقًا لدراسة نُشرت عام 2021 في مجلة Neuroscience Research، فإن ارتفاع مستوى هذه المركبات يزيد من الالتهاب العصبي ويُضعف الذاكرة، ما يدعم فكرة أن السكر يصدّأ الدماغ تدريجيًا من الداخل.
والخبر الجيد أن هذا التدهور ليس حتميًا، ويمكن الوقاية منه عبر نمط حياة صحي وتحكم جيد في مستوى السكر بالدم.
وينصح الخبراء بـ:
ـ اتباع نظام غذائي متوازن منخفض السكر.
ـ ممارسة الرياضة بانتظام لتحسين حساسية الأنسولين.
ـ الحفاظ على وزن صحي.
ـ تقليل التوتر والنوم الجيد.
ـ إجراء فحوصات دورية لمستويات السكر ووظائف الدماغ بعد سن الأربعين.
ويرى الباحثون أن الزهايمر ليس مرضًا دماغيًا بحتًا، بل نتيجة لتفاعل معقد بين اضطراب سكر الدم، مقاومة الأنسولين، والالتهاب العصبي.
والتحكم في مستوى الجلوكوز لا يحافظ فقط على صحة الجسم، بل قد يكون المفتاح لحماية الدماغ من الشيخوخة المبكرة والخرف.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الزهايمر مقاومة الأنسولين انكماش الدماغ الجلوكوز أمراض الذاكرة الخرف الشيخوخة العصبية الوقاية من الزهايمر صحة الدماغ التغذية الصحية نمط الحياة الصحي مقاومة الأنسولین ارتفاع السکر سکر الدم
إقرأ أيضاً:
لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
تأتي الصدمات الكبرى في الوعي الجماعي حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء العربي خريفا متسارعا تهاوت فيه نخب فكرية وفنية ومؤثرون بنوا أمجادهم على أكتاف قضايا الشعوب، لينتهي بهم المطاف كتروس ناعمة في ماكينات الترويج السياسي. لكن وسط هذا الزحام، تبرز حالة الدكتور عدنان إبراهيم كلوحة تراجيدية شديدة الخصوصية؛ حالة منزوعة الأعذار، سقطت عنها كل تبريرات الانكسار التقليدية.
يبدأ المشهد من فيينا، حيث الضباب الشتوي العريق والأمان المطلق. لكنه ليس مجرد شتاء عابر؛ إنه يتداخل مع ذلك الشتاء السياسي الصقيعي الذي ضرب المنطقة العربية عقب وأد ربيعها الأخضر، ذلك الربيع الذي علّقت عليه الشعوب آمالا عريضة ومستقبلا يرجى منه الخير الكثير، قبل أن تتكالب عليه قوى الثورة المضادة والأنظمة المستبدة لتدفنه في مهده، وعلى رأس تلك الأنظمة الجهة التي يتوجه إليها عدنان إبراهيم اليوم بارتياح ومباركة.
نحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض
وسط هذا الصقيع العربي، وخلف النوافذ النمساوية الدافئة، يعيش هذا المفكر محصنا بالقوانين الأوروبية، بعيدا عن أيدي البطش وسياط الجلادين، لا خوف يهدد حياته، ولا جوع يهدد عائلته. وهنا تحديدا يكمن البُعد الفلسفي المرير لتحوله: فالرجل لم يتحرك تحت وطأة "الرَّهبة"، بل سار طوعا خلف "الرَّغبة". لم تكن خطوته زلة لسان في لحظة اندفاع، بل مسار تشكّل بهدوء وصيغ بدم بارد، مع سبق الإصرار والترصد؛ مسار بدأ بتنقية طروحاته الفكرية لتلائم هوى الأنظمة، وانتهى بتوقيع العقود الرسمية وتولي منصب المستشار في أبوظبي. حتى ذلك الحادث المروري الرهيب عام 2019 الذي هشم جسده وعزله سنتين، بدا في القراءة الأخلاقية كأنه كسر العظام لكنه لم يبرر بيع الروح في سوق النفوذ.
وهذا العود الأكاديمي والسياسي الملتوي، يعيد إلى الأذهان فورا تراجيديا دينية وتاريخية غائرة في عمق الوعي الإنساني؛ قصة "بلعام بن باعوراء". فالمقارنة هنا لا تنبع من مجرد رغبة في استدعاء التاريخ، بل لأن الشخصيتين تلتقيان في ذات المنحدر النفسي: كلتاهما حظيت بعلم غزير، وفصاحة تخلب الألباب، وبصيرة فكرية كانت كفيلة بهداية أمة، لكن كليهما اختار في لحظة فارقة أن ينسلخ من آياته ومبادئه ليضع علمه في خدمة الطغيان طمعا في عَرَض الدنيا. إنها ذات المعضلة الفلسفية القديمة المتجددة: كيف يتحول "التنوير" إلى أداة للتبرير؟ وتتجلى هذه الأزمة في أبهى صورها التعبيرية، حيث يقول الله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).
وإذا تفكك الاسم الديني والتاريخي "بلعام بن باعوراء" في سياق لغوي وفلسفي، سنرى أمامنا تشريحا مشهديا صارخا لسقوط المثقف. فالاسم يلتحم لغويا بـ"البلعوم"؛ ذلك المجرى البيولوجي الشره للبلع والطعام. وكأن كل تلك الفصاحة، والخطب الرنانة التي سحرت الملايين، تم ترويضها واختزالها لتخدم "البلعوم" والمصالح المادية والمناصب الرفيعة. هنا يتجسد المعنى الفلسفي للمشهد، حيث يقول الله تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف: 176)؛ لهاث وجودي دائم خلف المادة لا ينقطع.
ثم تكتمل الصورة في "باعوراء"؛ التي تبدأ بـ"باعَ"، وهي لقطة المقايضة العظمى حيث يستبدل المفكر رصيده الشعبي وعلمه بعقود عمل ووظيفة سلطوية زائلة، وتتوسطها "عوراء"، لتجسد ذلك "العور الفكري" والانتقائية الأخلاقية؛ حيث تنفتح العين بـانبهار على شعارات "التسامح والحوكمة" في أروقة المؤتمرات، بينما تُصاب بالعمى التام أمام دماء المستضعفين والفتن والحروب الإقليمية. وينتهي اللفظ بـ"وراء"، ليرسم حركة الارتداد التراجيدي لمفكر أمضى عقودا يزعم أنه يقود الطليعة التنويرية في المقدمة، فإذ به يرتد إلى الوراء ليصبح مجرد تابع يبرر سياسات الحكام.
وهنا تتجلى المفارقة في اسم الرجل نفسه وصيغته المركبة؛ "عدنان إبراهيم". ففي فقه اللغة، يشتق "عدنان" من لزوم الحق والثبات والاستقرار عليه، لكن عدنان قصتنا خان اشتقاق اسمه؛ فاستبدل الثبات بالارتحال إلى مواطن الزيف، ليلتحم هذا السقوط اللغوي بعبث سياسي أشد مرارة في اسم أبيه "إبراهيم"؛ فالاسم الذي حمل يوما طهر الرمزية الإنسانية، أُفرغ اليوم من محتواه ليتماهى مع "الاتفاقيات الإبراهيمية الخرقاء" التي هندسها ترامب لتركيع المنطقة وفرض التطبيع على بلدانها. وكأن المفكر بارتمائه في أحضان عاصمة هذه الاتفاقيات، بات يحمل غطاء سياسيا باردا يبرر الانبطاح، في وقت تذبح فيه غزة من الوريد إلى الوريد.
هذه المشهدية الفكرية الباذخة لـ"بلعم الجديد" تصطدم بالميكانيكية البنيوية الخشنة التي تدار بها عواصم المنطقة اليوم. فنحن لسنا أمام مجرد خيارات فردية للأشخاص، بل أمام ماكينة سلطوية صماء، هندست مشهدها على معادلة فرز حاسمة: تكافئ وتغدق على كل مَن يمنحها صكوك الشرعية ويبرر سياساتها، وتحبس وتغيب خلف القضبان كل مَن يملك شجاعة الرفض.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد
في ذات اللحظة التي يبتلع فيها نظام المكافآت عدنان إبراهيم في قاعاته المكيفة محاطا بحفاوة المؤسسات الرسمية، تفتح ذات الماكينة زنازينها المظلمة لتبتلع المشايخ والعلماء والمثقفين الحقيقيين؛ لأنهم رفضوا أن يكونوا ترسا في هذه البنية. نرى الشاعر عبد الرحمن يوسف وغيره مغيبين في سجون الإمارات، وعلماء أحرارا في سجون السعودية ومصر وتونس، لا لشيء إلا لأنهم كسروا شروط اللعبة الرسمية، ورفضوا أن يكونوا شهود زور على خذلان قضايا الأمة، وعلى رأسها مأساة غزة التي تواجه الإبادة. المفارقة هنا حارقة وفلسفية بامتياز: الأحرار يُسجنون لثباتهم وهم داخل الأوطان، والمحصن في منافيه الأوروبية ينزل من شرفته الآمنة ليدخل طواعية أروقة الماكينة، ويقتات على موائد دُفعت أثمانها من دماء الأبرياء وحرية الشرفاء.
ينتهي المشهد في الفضاء الرقمي الباهت، والمنصات التي غدت مقفرة بعد أن انفضت عنها الجموع التي صدمها سقوط المفكر الأخلاقي بعد أن شككها في دينها وثوابتها. لكن خارج تلك الشاشات الباردة، وفي قلب الواقع، تدور الأرض من جديد. واليوم، ونحن على أعتاب صيف لاهب وحار، تبدو الأجواء مشحونة بأنفاس جديدة قد تعيد الحياة إلى ذلك الربيع العربي؛ الربيع الذي استعجل عدنان دفنه وظن -واهما- أنه قد مات وانتهى، أو ربما أقنع نفسه تحت بريق العطايا الرسمية بأنه لم يكن سوى "مؤامرة".
إن الصيف القادم يحمل في طياته حرارة الحقائق لا حرارة الطقس فحسب؛ حقيقة أن الشعوب قد تنام لكنها لا تموت، وأن الجمر الكامن تحت رماد الاستبداد ينتظر ليفاجئ كل مَن باعوا أقلامهم وظنوا أن عجلة التاريخ قد توقفت عند عتبات قصور حكامهم. النتيجة الفلسفية الأخيرة هي أن الأمة وقضاياها العادلة لا تخسر بانسلاخ الأشخاص؛ فالحق لا يُعرف بالرجال، بل يُعرف الرجال بالحق. تذوب الوجوه الفصيحة وتبقى المبادئ، ويبقى الصوت التاريخي يتردد بمرارة فوق لقطة النهاية: "لكل زمان بلعمه"، والتاريخ لا يرحم مَن اشترى بآيات الله ومبادئه ثمنا قليلا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.