الممدانية وتجديد السياسة في العالم
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
شيء ما في زهران ممداني يؤهله لقيادة العالم؛ سننتظر نهاية الانبهار بنجاحه السياسي الأول كعمدة لمدينة عظيمة ومخيفة ونتابعه ينفذ برنامجه الاجتماعي، ونرجح بشيء من الأمل أن يكون مقدمة لجيل سياسي عالمي جديد يجدد السياسة، بعد أن هرمت الديمقراطية الغربية وفقد الناس في كل مكان الأمل في التغيير بواسطة الصندوق الانتخابي.
باللسان الفصيح وبالشباب الغض وبالكثير من الوسامة وبالضحكة التي تملأ الوجه مبشرة بالقرب والحميمية مع الجمهور المغبون بوجوه الرؤساء العواجير الكالحة؛ عناصر كثيرة تخدم كاريزما الرجل لكن الشكل سيبقى معلقا بالإنجاز على الأرض، فإما فلاح ومراكمة أرصدة لما هو أكثر من إدارة مدينة بحجم دولة، أو فشل وانتكاسة ونسيان وعودة إلى مربع الرؤساء العواجيز الكالحين. لا نستبعد في الأثناء خطة الرصاصة الطائشة التي عصفت بجون كيندي، فالسيستم المستقر في مسلّماته، أي نظام المصالح الراسخة، يرتعب دوما من التغيير السريع.
خطاب الفوز وميلاد زعيم
خطاب الفوز كان مبهرا؛ قدرة تواصلية فائقة وحضور ركحي مما يدرس في الأكاديميات. لقد صنع الفتى شخصيته وفرض لونه على من ناصره وعلى من عاداه. من العسير زحزحته عن عرش الخطابة السياسية بعد الآن، فقد كانت تمر أمامنا ونحن نستمع إليه بلغته ونقرأ الترجمة بهدوء؛ صورُ "زعماء" أقل من رؤساء يعجزون عن تأليف جملة مفيدة بأية لغة. الخطابة نفسها صارت موضة قديمة، لكنه أعاد الألق للتواصل المباشر مع الناس في زمن الديجتال والتواصل الصامت أو بالصور المصطنعة بالذكاء الصناعي. زعيم حديث لزمن قادم لكن بالأسلوب الكلاسيكي، لقد توفق إلى إعادة بناء الصورة المحببة للسياسي الذي قتلته "فرق الكوم" المحترفة. لكن كل الرصيد الذي قد توفره الخطابة والحضور الكاريزمي قد يتلاشى بسرعة وينقلب أثره على صاحبه إذا لم يترافق ذلك مع نجاحات على الأرض.
هناك ضعف يحيط بممداني قد لا يحوّل النجاح إلى ممدانية (أعني تيارا سياسيا مجددا) وهو أن القاعدة الناخبة التي تحمّست للرجل هشة اجتماعيا وثقافيا وصبرها سريع النفاد، فالخيبات تذكر ببعضها وتدفع إلى الإحباط بنسق أسرع، وهذا درس متاح من جمهور الربيع العربي القصير. فجمهور الربيع طلب تحقيق طموحاته بأسرع مما تحتمل المرحلة ومن تصدى لها، فتحول الجمهور سريعا وإعادة إنتاج مآسيه (وقد علمنا لاحقا أن ممداني شهد محرقة رابعة).
تحول النجاح الفردي إلى تيار سياسي مجدِّد ممكن بشروط؛ أهمها الخروج من لحظة السعادة بالانتصار إلى البدء في تحويل الشعارات إلى برامج تنفيذية يجد الناخبون ثمرتها في جيوبهم. الوقت هنا لا يخدم لصالح ممداني، وكل تعثر أو فشل سينعكس بالضرورة على كل المواقف المعلنة والشعارات المرفوعة بما فيها الموقف من فلسطين ومن غزة. ويتذكر الفلسطيني والعربي المناصر له أن كل سياسي عربي رفع اسم فلسطين وفشل في إدارة بلده واحتقر شعبه قد حوّل القضية إلى عبء على شعبه، وليست سوريا ببعيدة.
لم يطرح ممداني تحرير فلسطين فهي ليست قضيته الأم، لكن الجمهور ربط بين تحرر في الداخل وتحرر في قضية إنسانية، وأي تراجع في هذا الربط سيجعل جمهورا كثيرا ينفض من حوله. إن صبر ممداني وإخلاصه لهذا الربط سيكلفه الكثير من العنَت، لكنه سيحوله زعيما أمميا.
هل نبالغ كعادتنا العربية في تحميل ممداني مسؤولية تحريرنا ونحن قعود؟ في إعجابنا بنجاح الرجل بعض من أمانينا بنجدة تأتي من قبله، لكن رغم نذكر أن قد صار لنا عليه حق الإخلاص لشعاراته. لقد استعمل قضيتنا في دعايته فجلبت له أنصارا منا لهم حق التصويت، وصار لزاما عليه أن يكون في مستوى شعاراته.
الممدانية وجيل زاي
في جانب آخر، تزامنت حملة ممداني الانتخابية مع أحداث نوعية في العالم؛ حركة جيل زاي في بلدين بعيدين (نيبال ومدغشقر) وفي المملكة المغربية. وقد أدت الحركتان في بلدين إلى إسقاط نظامين متكلسين وهزت الثالثة أركان الحكومة المغربية، وربما أشعرت الملك نفسه بالخطر فقد سمع كلمة جمهورية في مملكته.
لقد تبين أن حملة ممداني حملت نفسا من جيل زاي الذي يتحول إلى حركة عالمية أو نمط عالمي من الاحتجاج السياسي والفعل المدني والاجتماعي؛ يتميز بالسرعة والنجاعة والتماسك حول هدف دقيق وقابل للتحقق. وضوح الهدف خارج الأطروحات الأيديولوجية والأفكار الكبرى التي اعتاد الناس أن يصوغوا ضمنها مشاريعهم ويؤطرون فعلهم؛ بما يجعل النظريات عندهم أهم من الفعل الذي يحققها، لكن يبدو لنا أن جيل زاي قد قلب المعادلة؛ تحديد الهدف بدقة والذهاب إليه مباشرة بواسطة حركة تفاعل وتشبيك افتراضي تخفف مشقة اللقاءات والنقاشات النظرية، والتي يبدو أن جيل زاي لا يؤمن بها وربما يحتقرها ويحتقر من يتمسك بها.
حملة ممداني كانت فيها بصمة هذا التشبيك الشبابي السريع والفعال، والذي رسم هدفا واضحا وسعى إليه بلا منعرجات جانبية في الطريق فبلغه بالصورة التي أراد، بما يسمح لنا الآن بالتفكير في أساليب العمل السياسي والتساؤل بجدية عن جدوى الأحزاب والاجتماعات الحزبية واللوائح المتقنة الصياغة وكل تلك اللغة الخشبية التي نشأ عليها الجيل العربي الذي أفشل الربيع العربي لأنه كان ثورة مخالفة لكل النظريات الثورية، فقام الجيل بلي عنق التاريخ ليتوافق الربيع مع نظرياتهم فلم يفلحوا في النظرية فأسقطوا الحرية.
شعور عام ينتشر بين جهات نقرأ لها بأن الممدانية هي نقد لمسار الربيع العربي وإن لم يرد على لسانها، إنها الفكر العملي ضد التنظير أو الأصولوية النظرية. إنها احتمال ثبت بأنه يمكن إنجاز تغيير ثوري بدون نظرية ثورية، وإن كان الثائر يساريا. وهذا أطرف ما في ممداني، اليساري الذي يطيح بالنظرية الثورية ويتقدم بلا حزب ثوري ولا يبني دكتاتورية البروليتاريا ولا يرفع الدين أفيون الشعوب، بل يشتغل ضمن نظام رأسمالي متوحش على التعديل الاجتماعي المتأني، فيثور معه المهمشون والفقراء، ويؤلف بهم تغييرا من الداخل ولا يحدثهم عن ثورة البروليتاريا.
الممدانية أو يسارية القرن الواحد والعشرين بأسلوب جيل زاي فيها من لاهوت التحرر والتسامح الديني صورة مطروحة للتأمل والنظر أمام شوارع الشباب العربي الذي غدرت به النظريات الكبرى وفشلت ثورته؛ لأنها جاءت مخالفة للكراسات القديمة اليسارية منها بالخصوص. لدينا وقت كاف لرؤية منجزات ممداني على الأرض، فلا يعلم المرء الراغب في التعلم من أين ياتيه الدرس المفيد.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه ممداني التغيير اليساري يسار تغيير ممداني قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .