الثورة نت:
2026-06-03@04:40:44 GMT

السعودية تلعب بالنار

تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT

 

 

تبدو الساحة اليوم أمام مفترق طرق جديد بين خيارين متناقضين: السلام الذي تدعو إليه صنعاء بإصرار، والمغامرة التي تمضي فيها الرياض على نحوٍ يخرق “اتفاق خفض التصعيد” ويعيد خلط الأوراق لخدمة واشنطن وتل أبيب في توقيتٍ بالغ الحساسية، إقليميًا ودوليًا.
فبعد كشف الأجهزة الأمنية اليمنية عن شبكة تجسس واسعة مرتبطة بغرفة عمليات مشتركة سعودية–أميركية–إسرائيلية في العاصمة السعودية الرياض، فإن أسئلة كثيرة وكبيرة تطرح نفسها من جديد: هل انتقلت السعودية إلى مرحلة جديدة من الحروب بأدوات مختلفة؟ وما مصير مرحلة “خفض التصعيد” بين صنعاء والرياض؟ وهل من مصلحة السعودية تفجير التهدئة مع اقتراب استحقاقات خطة 2030 م التي تتطلب بيئة ومحيطاً آمنين ومستقرين؟
الملف الذي كشفته وزارة الداخلية في صنعاء لم يكن مجرد قضية أمنية، بل كان مؤشراً على طبيعة العدوان الجديد الذي تديره الدول المعادية والمعتدية على اليمن وسيادته وفي مقدمتها السعودية.

فبعد عقدٍ من المواجهات العسكرية، يبدو أن النظام السعودي، وفق ما كشفت التحقيقات، تحول إلى إدارة حرب “ناعمة” قوامها الحرب الاستخبارية والحصار الاقتصادي، وهي أدوات لا تقل خطورة عن المدافع والطائرات.
وتشير اعترافات عناصر الشبكة إلى أن الجانب السعودي لعب دور “ضابط الارتباط” بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، متولّياً التمويل والتجنيد وتوفير الغطاء اللوجستي والتواصل واستضافة الغرفة المشتركة، فيما تولّى ضباط أميركيون وصهاينة مهمة التوجيه والتدريب. ومع أن هذا الدور يبرَّر في الرياض بأنه جزء من “التعاون الأمني”، إلا أنه يعد خرقاً خطيراً لاتفاق خفض التصعيد مع صنعاء، كما أن توقيته في ظل العدوان الإسرائيلي على غزة واليمن جعله رهانًا محفوفًا بالمخاطر والسقوط الأخلاقي، ولن تسلم السعودية من نيرانه المرتدة على أمنها واقتصادها.
من العدوان العسكري إلى الحرب الاقتصادية والإنسانية
منذ إعلان التهدئة في العام 2022 م ودخول مرحلة خفض التصعيد حيز التنفيذ بتوقف العمليات العسكرية المباشرة، اتجه النظام السعودي إلى أشكال متعددة من الحروب أبرزها الحرب الاقتصادية باعتبارها ورقة ضغط من وجهة نظره، فيما عُرف إعلاميًا بـ”حرب البنوك”. إلا أن التحذير الصارم الذي أطلقه السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في غمرة طوفان الأقصى آنذاك، دفع الأمور نحو تهدئة مؤقتة أسفرت عن اتفاق أممي حول الترتيبات الإنسانية والاقتصادية، شمل تعدد وجهات الرحلات وتكثيفها من وإلى مطار صنعاء وتحديداً إلى الأردن ومصر والهند، وبدلاً من ترجمة ذلك عملياً جرى قصف المطار وتعطيله نهائياً في عدوان إسرائيلي بشراكة سعودية كما كشفت خلية الجواسيس.
وانسحب الأمر على الموانئ حيث كانت الخلايا المشتركة ترصد والعدو الإسرائيلي يقصف بما يظهر أن “الحرب الاقتصادية” أصبحت أداة استراتيجية مشتركة أميركية سعودية إسرائيلية في معادلة الضغط على صنعاء.
وفي خطوة مستغربة، أبدت السعودية مؤخراً دعمها المالي لتحالف بحري غربي بقيادة بريطانيا بحجة “حماية الملاحة في البحر الأحمر” ، وهو تحالف في الحقيقة لحماية السفن الإسرائيلية، ما أثار موجة استنكار واسعة في اليمن وربما الإقليم، وعدّته صنعاء انحيازًا صريحًا لمعسكر العدو الإسرائيلي في لحظةٍ تشهد فيها غزة أبشع صور جرائم الإبادة الجماعية قبيل اتفاق وقف إطلاق النار الهش.
التحالفات تتهاوى
الوقائع الميدانية خلال السنوات الماضية أثبتت أن التحالفات العسكرية الغربية والعربية فشلت في تركيع اليمن وتحقيق أهدافها فيه، سواء عبر القصف الجوي أو الحصار البحري. واليوم، ومع فشل عمليات التحالف الأميركي البريطاني _ تحت مسمى “تحالف الازدهار” وما تلاه من جولات عدوانية أميركية وإسرائيلية تخللها قرابة 3 آلاف غارة وقصف بحري على اليمن_ فشلت في حماية الملاحة الإسرائيلية. بعد ذلك الفشل تبدو صنعاء اليوم أكثر قوة وقدرة على قلب الموازين على أكثر من صعيد براً وبحراً، بعد أن تراجعت هيبة حاملات الطائرات الأميركية وتحولت من “رمز للقوة” إلى “عبء استراتيجي” وفق ما جاء في أحد خطابات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي الأخيرة.
هذا التحول، الذي ترافق مع النجاحات العسكرية اليمنية في البحر وعمق كيان العدو الإسرائيلي، غيّر قواعد اللعبة وأثبت أن اليمن ليس “هامشًا جغرافيًا” أو “حديقة خلفية” لأحد، بل هو رقم صعب في معادلة الأمن الإقليمي.
رسائل صنعاء إلى الرياض: فرصة السلام لا تزال قائمة
ورغم التصعيد الاستخباري والاقتصادي، ما تزال صنعاء–بحسب خطابات قيادتها– متمسكة بخيار السلام المشرف، داعيةً الرياض إلى استكمال خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة وفي مقدمتها الاستحقاقات الإنسانية من دون مماطلة.
في خطابه لمناسبة ثورة 14 أكتوبر، دعا الرئيس مهدي المشاط السعودية إلى “الانتقال من مرحلة خفض التصعيد إلى مرحلة إنهاء العدوان والحصار”، مؤكداً أن السلام الحقيقي هو السبيل الوحيد لحماية المنطقة من الانزلاق في حروب تخدم أجندات إسرائيلية وأميركية، لا مصالح العرب.
وفي السياق ذاته، شدد القائم بأعمال رئيس الوزراء العلامة محمد مفتاح على أن معادلة الردع الاقتصادي لا تزال قائمة: “المطار بالمطار، والميناء بالميناء، والبنك بالبنك”، في إشارة واضحة إلى أن صنعاء لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام أي محاولات لخنقها اقتصادياً ومعيشياً وإنسانياً.
زيارة ابن سلمان لواشنطن: هل تنعش خيارات الحرب أم تدعم فرص السلام؟
تزامن التحرك الأممي الأخير الذي نفذه المبعوث هانس غروندبرغ إلى مسقط للقاء الوفد الوطني برئاسة محمد عبد السلام، مع أنباء عن زيارة مرتقبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان لواشنطن في الثامن عشر من الشهر الجاري، وهي زيارة يُنظر إليها بارتياب شديد ويبدو أنها غير منفصلة عن ملفات اليمن وغزة ولبنان والعراق وإيران والتحالفات.
ويرى مراقبون أن مستقبل الهدوء يتوقف على موقف وسلوك الرياض، وما ستسفر عنه زيارة محمد بن سلمان لواشنطن، فإن عادت الرياض إلى طاولة السلام بجدية من دون مراوغة ومماطلة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تسوية عادلة وشاملة تحفظ مصالح الجميع. أما إذا اختارت الرهان على المحاور الأميركية والإسرائيلية، فإن اليمن جاهز لأي خيارات تقتضيها المرحلة.
المشهد الحالي يوحي بمرحلة جديدة من إعادة تموضع استراتيجية، فصنعاء اليوم ليست صنعاء 2015، والسعودية ليست في موقع يسمح لها بخوض مغامرات مفتوحة تعرّض مصالحها للخطر وهي على أعتاب استحقاقات “رؤية 2030” التي تتطلب بيئة إقليمية مستقرة.
الرهان على الحروب الاستخبارية والاقتصادية رهان خاسر أمام واقع جديد تتغير فيه موازين القوة، ويتحول فيه اليمن من “ساحة صراع” إلى فاعل مؤثر في معادلات الأمن والطاقة والملاحة. إن الرسالة الأوضح التي تبعث بها صنعاء اليوم هي أن السلام ممكن، لكن ليس من موقع الضعف، وأن الاستقرار الإقليمي لن يتحقق إلا عبر العدالة والسيادة والتوازن في المصالح، لا عبر غرف العمليات المشتركة ولا التحالفات المريبة.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • صنعاء .. مهرجانات احتفالية واسعة بعزل ومديريات المحافظة بذكرى الولاية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لبنان: 3468 قتيلاً و10577 جريحاً منذ التصعيد الإسرائيلي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟