من #هانوي إلى عمّان… كيف تتحوّل الزيارة إلى #بوابة_استثمار وتعليم وابتكار؟

الأستاذ #الدكتور_أمجد_الفاهوم


يشكّل الدور الملكي حجر الأساس في صياغة استراتيجية علاقات دولية تمنح الاقتصاد الأردني ما يحتاجه من أفق جديد وزخم متجدد. فبرؤية هادئة وحنكة تُقرأ بها المتغيرات الإقليمية والدولية، يقود جلالة الملك مساراً دبلوماسياً يهدف إلى تحويل الشراكات الخارجية إلى رافعة اقتصادية حقيقية، لا مجرد بروتوكولات سياسية.

هذه الرؤية تنطلق من إدراك عميق بأن الاقتصاد الحديث يقوم على شبكات ترابط دولية، وأن البحث عن أسواق جديدة، واستثمارات نوعية، وتعاون تعليمي وتكنولوجي، هو الطريق الأسرع لتقوية الاقتصاد الوطني وضخ دم جديد في شرايينه. ومن خلال التحرك الملكي النشط تجاه الشرق والغرب، تُفتح أمام الأردن فرص إنتاجية وتجارية ومعرفية تُسهم في تعزيز قدرته على النمو، ورفع تنافسيته، وتوفير مساحات أرحب لمشاريع الشباب والصناعة والابتكار، بما يحوّل السياسة الخارجية إلى محرك اقتصادي وواجهة لفرص مستقبلية واعدة.
ولا يسعنا التذكير بأن قيمة الزيارات الرسمية لا تكمن في البروتوكول ولا في الصور التذكارية، بل في قدرتها على فتح نوافذ جديدة لاقتصادٍ يبحث عن فرص، ولمجتمعٍ يتطلع إلى تحوّل حقيقي يشعر به الناس في حياتهم اليومية. وهنا تبرز فيتنام كنموذجٍ ملهم؛ دولة انتقلت خلال ثلاثة عقود من حدود الفقر إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نموّاً في آسيا، مستندة إلى التصنيع، والتعليم المهني، والتصدير، وجذب الاستثمارات النوعية. ومن هذا الباب يمكن للأردن أن يبني على الزيارة وأن يحوّلها إلى منصة عملية تعود بالنفع المباشر على الاقتصاد والمجتمع.

إنّ التجربة الفيتنامية تقوم على ركيزتين واضحتين: بناء قاعدة صناعية تعتمد على التكنولوجيا والكفاءات، وخلق بيئة تعليمية تربط الطالب بسوق العمل منذ اليوم الأول. هذا النموذج تحديداً ينسجم مع احتياجات الأردن الذي يسعى لرفع قدرته الإنتاجية وتعزيز تنافسيته الإقليمية. فالاستفادة من العلاقة مع فيتنام تبدأ بفتح قنوات تعاون في الصناعات التحويلية، خصوصاً مجالات الإلكترونيات، الأغذية، النسيج، الصناعات الخفيفة، وتكنولوجيا التصنيع، وهي قطاعات تمتلك فيتنام فيها خبرة تراكمية يمكن ترجمتها إلى مصانع مشتركة أو خطوط إنتاج في المناطق التنموية والصناعية الأردنية، ما يعني فرص عمل مباشرة، وزيادة في الصادرات، وبناء سلسلة قيمة محلية كاملة.

مقالات ذات صلة الاستثمار… والمناصير… والعصافير..! 2025/11/17

ويمكن للأردن كذلك أن يستفيد من التجربة الفيتنامية في جذب الشركات العالمية التي تتخذ من هانوي وهوشي منه منصات إنتاج بديلة في سلاسل التوريد العالمية. فالأردن يملك موقعاً جغرافياً حيوياً، واتفاقيات تجارة حرة، وطاقة بشرية عالية التعليم، وهذه عوامل كافية لتشكيل “منطقة تصنيع مشترك” بين البلدين، خصوصاً في الصناعات التي تبحث عن بيئات مستقرة وآمنة وقريبة من الأسواق. الاستثمار الفيتنامي في الأردن قد لا يأتي بحجمه الكامل فوراً، لكنه يبدأ بشركات صغيرة ومتوسطة يمكن أن تنمو مع الوقت، خاصة إذا توفرت حوافز مدروسة وبنية تنظيمية واضحة.

وفي التعليم، يمكن للزيارة أن تتحول إلى مدخل لتأسيس شراكات في التعليم التقني والمهني، مستلهمة التجربة الفيتنامية في المدارس التقنية والمعاهد الصناعية التي صنعت طبقة من الفنيين والمهندسين الشباب القادرين على قيادة اقتصاد صناعي حديث. التعاون في هذا المجال يمكن أن يتخذ شكل برامج مشتركة، ودبلومات مهنية، وتبادل خبرات في التعليم التطبيقي، وصولاً إلى فتح تخصصات جديدة في الجامعات والكليات التقنية الأردنية، تركز على المهن المطلوبة في السوق العالمي وليس المحلي فقط. وهنا تتلاقى التجربتان: الأردن الذي يحتاج مهارات جديدة، وفيتنام التي تمتلك نماذج ناجحة يمكن تكييفها محلياً.

أما الابتكار، فهو محور لا يمكن تجاوزه. فقد استطاعت فيتنام إنشاء بيئة حاضنات ومسرّعات أعمال تستقطب آلاف الشركات الناشئة في مجالات التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والزراعة الذكية. هذا النموذج يمكن نقله إلى الأردن عبر برامج مشتركة للريادة، وتبادل الشركات الناشئة، وإطلاق صناديق صغيرة للابتكار، وتسهيل انتقال الخبرات بين حاضنات الأعمال في البلدين. فالتعاون في الابتكار لا يتطلب حجماً كبيراً، بل منظومة عمل مرنة تشجع التجربة والتطبيق السريع، وتربط الشباب الأردنيين بنظرائهم في شرق آسيا، بما يفتح آفاقاً جديدة للمشاريع التقنية ذات القيمة العالية.

والأهم أن البناء على الزيارة يجب ألا يبقى في إطار الأمنيات. المطلوب أن تتحول كل فكرة إلى برنامج، وكل فرصة إلى اتفاق، وكل لقاء إلى مسار متابعة. فالأردن قادر على تحويل العلاقة مع فيتنام إلى نموذج جديد من التعاون الدولي القائم على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى التعليم التطبيقي لا التلقين، وعلى الابتكار لا التقليد، وعلى استثمارات تتوجه للقطاعات التي تُحدث فرقاً في حياة الناس.

بهذه الروح، يمكن للزيارة أن تفتح باباً نحو مرحلة جديدة يتحول فيها الأردن إلى وجهة صناعية، وشريك تكنولوجي، وبيئة تعليمية متقدمة، ومحرك إقليمي للابتكار. وفي عالم سريع التغيير، لا يكسب إلا من يبني على الفرص فور ظهورها، ويحوّل الزيارات إلى نتائج، والرؤى إلى مشاريع، والأحلام إلى واقع اقتصادي واجتماعي يلمسه الجميع.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: هانوي بوابة استثمار التی ت

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رابط نتيجة الأول والثاني الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • رابط نتيجة الشهادة الابتدائية الأزهرية 2026 برقم الجلوس عبر بوابة الأزهر
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • وزارة الاقتصاد تطلق حزمة تنظيمية جديدة لاستيراد الحبوب والأعلاف
  • رابط نتيجة الصف الأول الإعدادي الترم الثاني 2026 بالمحافظات عبر بوابة التعليم الأساسي
  • الاقتصاد تطلق خطة جديدة لتعزيز «الأمن الغذائي» وضبط السوق
  • الحج: حجز موعد زيارة الروضة يسهِم بتنظيم الزيارة وأدائها بطمأنينة  
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • المناهج في مدارس مكة والمدينة: استثمارٌ تعليميٌّ مكانيٌّ