* من يملك أن ينزل ضيفا على التاريخ ولا يطلب منه رؤيتك والتحدث إليك أيها الإغريقي العظيم سقراط؟ لفلسفة الحوار معك مذاق عبقري خاص يسمو بالعقل والروح، ويعيد عقل العالم إلى موضعه الحضاري اللائق به على الرغم من جهامة هذا البون الزمني الشاسع بين تفانيك في خدمة الحقيقة الكونية وبين ضلال هذا العالم المتفاني في تكريس غطرسته الإمبريالية، وتصعيد غلوائه التكنولوجية المعززة بغرور إلكتروني قد يدفع بعقلائه قبل جهلائه إلى الهاوية النووية.
– على رسلك أيها العربي القادم من أدغال القرن 21.. أيها المتجمل بغابتك العصرية الملونة، سمعت أن حكماء الفكر المعاصر في عالمكم المبهرج يلونون لكم كل شيء لتكونوا قادرين على الابتلاع والهضم، وسمعت أن سماسرة الثقافة الغازية في عالمكم الثالث يلونون لكم الموت الإمبريالي كما يلونون لكم قبح الحياة المعاصرة، يلونون لكم الظلم والإرهاب والاستلاب والقهر والمصادرة.. حتى لم يبق على مهندسي الإضاءة على مسرحهم الاستهلاكي المستورد سوى أن يلونوا لكم الكفن وشاهد القبر!
* ما جئت إليك لتسألني عن زمني المتداعي، وإنما لأسألك عن زمانك المتوهج في العتمة الدهرية…
– وهل نسيت أنني من أطلق رياح الأسئلة العاتية لتخلع أبواب الجهل والثقافة الزائفة؟
حين هبت رياح الأسئلة العاتية كأسراب خيول جامحة تخلّعت أبواب المعرفة الوهمية ونوافذها، وتعرّت بيوت أدعيائها، فكانت طريقي ممهدة إلى المحاكمة، ثم إلى السجن الذي قدم لي حارسه بعينين دامعتين ويدين مرتجفتين جرعة السم لأتناولها عن طيب خاطر.
أذكر في ذلك الصباح الرمادي الكئيب تحوّلت زوجتي سليطة اللسان إلى امرأة وديعة راحت تدنو مني كزرافة باكية وهي تحمل بين ذراعيها أصغر أطفالي وتلتمس مني الموافقة على الفرار.
* وهل كان لديك متسع للفرار؟
– نعم أيها العربي الغارق في استهجانك حتى قمة رأسك؟ لقد أبقى القضاة باب السجن مفتوحا وباتوا لياليهم يؤملون فراري علهم يتخلصون من حرج راح يتعاظم في مرايا نفوسهم. فقد أحسوا أنهم وقعوا في ورطة الحكم عليَّ بالإعدام. كيف لي أن أفر والفرار في حد ذاته فيه بعض التراجع عن خدمة الحقيقة، كما فيه خروج على قوانين بلادي التي أحترمها؟!
إعلان* قرأت سيرتك الذاتية بشغف كبير، فبهرني هذا القرار الديمقراطي المستند إلى قانون متحضر للغاية لم تصل إليه البشرية وهي تعيش شيخوخة القرن العشرين.. بهرني أن يطلب القضاة منك (بعد أن رفضت التماس الرحمة منهم) أن تختار العقوبة التي ترضاها لنفسك، ولكن وبصدق المتعاطف أقول: قهرني رفضك لهذا العرض الديمقراطي، وقهرني أكثر رفضك رجاء تلاميذك، وفي مقدمتهم أفلاطون، بأن تقبل تأدية الغرامة نظير العقوبة.
– ولكن أيها العربي المستنير ألا ترى معي أن انفعالك قد عمل على تعمية وعيك، وشلّ قدرتك على التفكير؟ إذ لم تتدبر الواقعة إلا من وجه واحد، وجهها الانفعالي أعني، أراك لم تفطن إلى أن اختيار العقوبة التي أرضاها يعني اعترافي بالذنب، وكيف أكون مذنبا لمجرد إثارة الأسئلة الشائكة على أبواب الجهالة الناعمة؟ كيف يتجرع مرارة الاتهام ويقيد نفسه وروحه بوصمة الذنب من طلع على الأثينيين ليقول: "إن الله وحده هو الذي تفرد بالعلم والحكمة، وأما نحن البشر فخير ما نعلمه هو أن نعرف أننا لا نعرف شيئا؟!".
أما رفضي لرجاء تأدية الغرامة نظير العقوبة فهو نابع أصلا من إيماني الراسخ بأن عاشق الحقيقة لا بد له أن يشعر بخزي عارم وبرعشة خجل تاريخية حين يعرض عليه شراء بقاء روحه في سجنها الجسدي بمال يجمعه التلاميذ والأتباع والأصدقاء من قوت أطفالهم وزوجاتهم.. فيشتري زنزانته اللحمية التي يدبّ بها على الأرض.. وممن؟ من المرعوبين والخائفين على تعرية جهلهم جراء أسئلتي المتجاوزة لستائر تعميتهم عن الحقيقة!
* ولكن قضاتك كانوا منتخبين من عامة الشعب الأثيني عن طريق الاقتراع، وهذه هي معالم الصورة الديمقراطية المتعارف عليها في عالمنا الأرضي حتى الآن.. فأن يجتمع في قاعة المحكمة 500 عضو منتخب من البحارة والتجار والصناع اختيروا لمحاكمتك؛ لأمر يشكل في حد ذاته تكريما لسيد الحكمة وسادنها المبجل.. لو كنت مكانك أيها الإغريقي المتعطش للحقيقة المطلقة لشعرت بزهو عقلاني عارم جعلني أتورع عن مهاجمة القضاة في معرض الدفاع عن النفس، لو كنت مكانك لما آثرت غضب القضاة ونقمتهم إلى الحد الذي زاد من عدد المطالبين بإعدامك.
– واضح أنك تتساءل وتفترض من منطلق الخوف من الموت الراقد في بركتك الداخلية لدرجة أرهقتني وأنا أعمل على تعشيب تساؤلاتك الفجة بهدوء وروية انطلاقا من كوني معتنقا للموت.. مغتبطا بسواده الأليف.. ولكن دعني أسألك الآن: أين ذهب حكم أولئك القضاة الديمقراطيين.. بل أين ذهبوا هم؟ هل بقي على وجه الأرض غير أسئلتي الشائكة التي أحسبها لا تزال مغروزة أو منتشرة في حقول عالمكم المملوءة بأشجار الفانتازيا الإلكترونية الملوثة والموبوءة؟!
* يقال إن زوجتك كانت قاسية في تعاملها معك، وسليطة اللسان فما قولك؟
– آه من زوجتي "زنتيب"، كانت صعبة المراس وسليطة اللسان بالفعل.. وكانت تجري بيننا مشاجرات وفي إحدى جلساتي الفلسفية مع تلاميذي تحت نافذة البيت في الساحة المجاورة ضاقت من طول وقت الجلسة فصاحت عليَّ غاضبة، ثم جاءت بسطل ماء وسكبته على رأسي، فضحك التلاميذ على الوضع الذي رأوني فيه، فتساءلت بطرفة أضحكتهم أيضا: لماذا تستغربون وتضحكون، لقد أرعدت من النافذة ثم أمطرت؟!
إعلان* ولماذا احتملتها إلى هذا الحد؟
– كنت رغم كل ذلك أشفق عليها لجهلها، إذ هي تعلم في جهلها أنها لا تعلم شيئا مثل باقي اليونانيين الأثينيين.
* ولعل اعتقادك الفلسفي هذا هو الذي قادك إلى المحكمة والسجن بعد الحكم عليك بالإعدام.. إذ كان معنى كلامك يشمل إمبراطور أثينا ومن حوله من حاشيته.. أليس كذلك؟
– أنا بدأت بنفسي فاتهمتها بالجهل، وقلت إنني لا أعلم ووحده الذي يعلم في هذا الكون، هو الإله خالق هذا الكوكب ومن عليه، أما نحن البشر فلا نعلم شيئا من حقيقة الوجود.
* ولعل مجاهرتك بهذه الحقيقة أمام تلاميذك وكل من عرفك اعتبرت خروجا على الأعراف والتقاليد، وتعريضا بالآلهة ومدعاة لإفساد الشباب وتحريضهم على الأوضاع القائمة على تكريس الجهل وإخفاء الحقيقة، وهذا ما أزعج سلطة أثينا منك وخوفها من فلسفتك الرافضة، فعمدت إلى مقاضاتك وشكلت من الشعب لجنة كبيرة ومختارة من القضاة لمحاكمتك والحكم عليك بالإعدام.. ما قولك؟
– أنت شرحت الحالة، ولا حاجة للإجابة.
* يكفيك فخرا يا فيلسوف عصرك وكل العصور التي تلت عصرك بأنك خير باحث عن الحقيقة التي وجدتها وأنت تقف على باب الإيمان بموجد هذا الكون الأعظم، وتقول إنه وحده الذي يعلم، لقد دفعت الثمن ولم تشعر بخسارة حياتك وربحت خدمة الحقيقة الكونية التي ما جهلها أحد أو تجاهلها إلا وقد كفر.
ثم يكفيك أن تلميذك وفيلسوف عصره أفلاطون كان من أشد المعجبين بك، وقد كتب العديد من الرسائل والحوارات التي أيدت عقيدتك الفلسفية مما أسهم في الحفاظ على تعاليمك السقراطية ونشرها على أوسع نطاق.
– أنت محق في ما قلت. لقد حافظ أفلاطون الذي أعتبره أنبه تلاميذي وأذكاهم وأحرصهم على معتقداتي وتعاليمي فدوَّنها وأبقى عليها متوهجة تنير درب الأجيال القادمة، فسلام عليه.
* وسلام عليك يا سقراط، يا خادم الحقيقة بكل صدق وعمق وأمانة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.