تعتبر التحركات الجارية في أروقة الكونغرس الأميركي بشأن قانون قيصر نقطة تحول محتملة في العلاقات مع سوريا، حيث تشهد واشنطن جدلا تشريعيا مكثفا بين مؤيدين ومعارضين لإلغاء القانون، الذي فرض عقوبات اقتصادية قاسية طوال السنوات الماضية.

وترك القانون آثارا مدمرة على الاقتصاد السوري، إذ منع تدفق الاستثمارات الدولية والعربية، وحظر تقديم المساعدات الإنسانية، وأعاق عمليات إعادة الإعمار.

و"قيصر" هو الاسم المستعار للمصور السابق في الشرطة العسكرية السورية فريد المذهان، الذي انشق عن نظام بشار الأسد عام 2013، حاملا معه 55 ألف صورة تظهر التعذيب والانتهاكات في السجون السورية.

وحصر برنامج "سيناريوهات" مستقبل هذا القانون في 3 سيناريوهات تتراوح بين:

الإلغاء الكامل غير المشروط بحلول نهاية العام الجاري. الاستمرار في تمديد المهلة كل 6 أشهر (تمديد مؤقت). اعتماد صيغة تعديلية تفرض شروطا مرتبطة بآليات عودة فورية للعقوبات (تعديل مشروط).

وفي هذا السياق، كشف رئيس الشؤون السياسية في المجلس السوري الأميركي محمد علاء غانم استمرار المفاوضات المكثفة مع أعضاء الكونغرس لضمان إلغاء القانون غير المشروط.

ووفق غانم، هناك تحالف داعم للإلغاء بين أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكنه أبرز عقبة رئيسية تمثلت برئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس بريان ماست الذي "يعارض إلغاء القانون"، مشيرا إلى أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ساهمت في كسر بعض الحواجز.

ويصر المعارضون على تضمين 12 شرطا و"آلية عودة فورية" للعقوبات في حال عدم الالتزام، بينما يرفض الفريق السوري الأميركي هذه الصيغة بشكل قاطع، مؤكدا أنها لن تسمح بتدفق الاستثمارات المطلوبة.

من جهته، رجّح الباحث بمركز الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز ستيفن هايدمان استمرار سياسة التمديد المؤقت للعقوبات، لافتا إلى أن التعليق الجزئي للعقوبات لمدة 180 يوما إضافية يبدو الخيار الأكثر احتمالا في المدى المنظور.

إعلان

ويستند هايدمان في ذلك إلى العوامل الإقليمية المؤثرة، ودور الدول المجاورة في الضغط على واشنطن، وكذلك تأثير المواقف العربية والإسلامية على القرار الأميركي النهائي بشأن مصير العقوبات.

جدوى التمديدات المؤقتة

أما الكاتب والباحث السياسي كمال عبده فأظهر التشاؤم من جدوى سياسة التمديدات المؤقتة، مؤكدا أنها لم تحقق أي تحسن ملموس في الواقع المعيشي للسوريين، وشدد على أن الإلغاء الكامل غير المشروط هو الذي سيسمح ببدء التعافي الاقتصادي الحقيقي.

وأشار عبده إلى الجوانب الاجتماعية للأزمة، لافتا إلى تأثير العقوبات على النظام التعليمي والخدمي، وكذلك على الطبقة المتوسطة والشرائح الاجتماعية الأكثر فقرا في المجتمع السوري.

وبشأن الدور الإسرائيلي في تحديد مصير العقوبات، رأى عبده أن الملف أصبح أداة ضغط لتحقيق مطالب تل أبيب، بينما نفى هايدمان أن تكون إسرائيل هي المحرك الوحيد للسياسة الأميركية.

وحسب هايدمان، فإن هناك بعض الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية، مثل معالجة ملف أحداث السويداء ومحاسبة المتورطين، معتبرا أنها مؤشرات قد تساعد في بناء قناعة لدى الكونغرس بجدوى رفع العقوبات.

وكان نواب أميركيون قد قدموا مشروع قانون باسم قيصر عام 2016، بهدف "وقف قتل الشعب السوري بالجملة، وتشجيع التوصل إلى تسوية سلمية عبر التفاوض، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان السوري على جرائمهم".

وبعد مناقشات، أقر الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ القانون في ديسمبر/كانون الأول 2019، ووقع عليه الرئيس الأميركي كجزء من قانون ميزانية الدفاع لعام 2020.

كان الرئيس ترامب قد وقّع في يونيو/حزيران الماضي أمرا تنفيذيا ينهي البرنامج الأميركي للعقوبات على سوريا لمنحها "فرصة للازدهار".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • عن استهداف بيروت... إليكم ما قاله وزير الخارجية الأميركيّة
  • أمريكا: لا تخفيف للعقوبات مقابل إعادة فتح مضيق هرمز
  • مشروع قانون لاستبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بدمغة نسبية | تفاصيل
  • “اقتصادية الشيوخ” توافق على مشروع قانون خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سباق الكونغرس الأمريكي يبدأ.. تصويت حاسم لمعركة السيطرة على مجلسي «الشيوخ والنواب»
  • الكنيست الإسرائيلي يصادق بالقراءة الأولى على حل نفسه
  • قوات الاحتلال تتوغل في ريف القنيطرة السوري وتعتقل شابًا من قرية عين زيوان
  • بينهم مساعد رجل أعمال.. إحالة أباطرة الكبتاجون بين مصر والسعودية للجنايات - خاص
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟