بعد أن شهدت أعمال عنف.. سوريا.. تعزيزات أمنية مكثفة في حمص
تاريخ النشر: 24th, November 2025 GMT
البلاد (دمشق)
تشهد سوريا منذ مطلع الأسبوع توتراً أمنياً متصاعداً بعد تسجيل سلسلة من الحوادث العنيفة في محافظتي حمص والسويداء، دفعت السلطات إلى تعزيز انتشارها العسكري والأمني في عدد من المناطق الحساسة، في محاولة لاحتواء موجة من الهجمات والاضطرابات ذات الطابع العشائري والطائفي.
وفرضت القوات الحكومية السورية، أمس (الأحد)، طوقاً أمنياً واسعاً في ضاحية الباسل وحي المهاجرين في مدينة حمص، بعد ليلة شهدت اعتداءات مسلحة وأعمال تخريب نُفذت على يد مسلحين من قبيلة بني خالد، وفق شهادات محلية.
جاءت هذه الهجمات عقب جريمة قتل هزّت بلدة زيدل جنوب حمص، عُثر فيها على رجل وزوجته من قبيلة بني خالد مقتولين داخل منزلهما، بينما كانت جثة الزوجة محترقة ومصحوبة بعبارات ذات طابع طائفي، بحسب”المرصد السوري لحقوق الإنسان”. الحادثة أججت غضباً واسعاً داخل العشيرة، وانعكست بوضوح في هجمات انتقامية استهدفت أحياء ذات غالبية علوية.
ووفقاً للمصادر، عمّت حالة من الذعر بين الأهالي، خاصة مع تزامن أعمال العنف مع خروج الطلاب من المدارس، ما دفع القوات الأمنية إلى تعطيل الحركة في بعض الشوارع ومنع الطلاب من المغادرة حفاظاً على سلامتهم.
وسجّلت وسائل إعلام سورية ارتفاع حصيلة ضحايا عمليات الانتقام والقتل خارج القانون في عموم البلاد منذ بداية عام 2025 إلى أكثر من 1150 قتيلاً، في مؤشر على اتساع دائرة العنف وانفلات السلاح في عدد من المناطق.
وفي تطور منفصل جنوب البلاد، أعلن حسام الطحان، قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء، نجاح وحدات الأمن في تحرير اثنين من أبناء المحافظة، بعد نحو ستة أسابيع على اختطافهما. وأكد الطحان أن العملية جاءت بعد “رصد ومتابعة دقيقة”، مشيراً إلى أن الجهود مستمرة لتحرير بقية المختطفين، في ظل تزايد حالات الخطف المتبادلة في الجنوب السوري خلال الأشهر الأخيرة.
وجاءت عملية التحرير الجديدة بعد يومين فقط من إطلاق سراح خمسة مواطنين آخرين من أبناء السويداء في بلدة المسيفرة بريف درعا الشرقي، ما يعكس تصاعد نشاط المجموعات المسلحة المسؤولة عن الاختطاف، وتنامي الضغوط الأمنية للحد من هذه الظاهرة.
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
سوريا واحدة رغم الرايات التي جرّبوا رفعها فوقها..
لم يكن ما شهدته سوريا قبل يومين وما قبله ذلك مجرّد هبّات عابرة، أو مظاهرات ذات مطالب اجتماعية كما اعتدنا في سنوات مضت، بل كان أشبه بصفحة جديدة من كتاب الفوضى تُقلب بيدٍ خفية أو ظاهرة، صفحة امتلأت بالشعارات الطائفية، والنداءات الانفصالية التي لا تشبه روح هذا الوطن ولا ذاكرة أهله..
بدأ المشهد من الساحل السوري، حيث خرجت مجموعات صغيرة ترفع رايات لا تمتّ لوجدان أهل المنطقة بصلة، وتنادي بشعارات تُشبه أبوابا تُفتح على تقسيم البلاد لا على إصلاحها، وتستحضر أسماء وشعارات طائفية لا هدف لها إلا إعادة النفخ في رماد الفتنة وغبار الفوضى.
وفي نفس الوقت اشتعل في الجنوب السوري فتيل فتنة بصورة أشد غرابة، حين خرجت جماعات في السويداء تحمل صورا لشخصيات إسرائيلية، وترفع أعلاما لا يعرف السوريون لها مكانا إلا خلف الأسلاك المحتلة، بل وتجرأت على تغيير اسم الجبل (جبل حوران أو جبل العرب) الذي احتضن تاريخهم، محاولة سلخ الهوية عن الأرض كما تُسلخ صفحة من كتاب..
ظهرت صورة أخرى مختلفة تماما في حمص وبانياس واللاذقية وجبلة، صورة لرجال الأمن العام يقفون بين المتظاهرين المعارضين لهم وتحت زخات المطر وقرصات البرد، كأخٍ يحفظ أخاه
وفي الشمال الشرقي، لا تزال تلك الفئة "قسد" تُصرّ على إدخال البلاد في فصول جديدة من التوتر، فتوجه رصاصها نحو مواقع الجيش السوري والأمن العام الذي حرر البلاد من إجرام العائلة الأسدية الباغية، وكأن البلاد تحتاج مزيدا من الجراح والدماء والمآسي.
وعلى مواقع التواصل كانت هناك جبهة أخرى تُدار بخبث، حملات مشبوهة، تجييش طائفي، شتائم جماعية، وتحريض تلتقطه بعض الوجوه الفنية السورية التي ما تزال أسيرة مرحلة إعلامية سوداء، فتزيد الطين سوادا بتعليقات ومنشورات غير مسؤولة.
وقد خرجت كل تلك العبثيات بعد ألم كبير عاشته مدينة حمص العدية، حيث شهدت المدينة جريمة قتل مروّعة لرجل وزوجته، حاولت بعض الأصوات استغلالها كوقود إضافي لآلة الفتنة، قبل أن تتّضح تفاصيلها شيئا فشيئا في مسار التحقيق.
ورغم هذا الضجيج، ظهرت صورة أخرى مختلفة تماما في حمص وبانياس واللاذقية وجبلة، صورة لرجال الأمن العام يقفون بين المتظاهرين المعارضين لهم وتحت زخات المطر وقرصات البرد، كأخٍ يحفظ أخاه، لا كسُلطة تمسك عصاها. لم يشتبكوا، لم يرفعوا صوتا، بل قدّموا درسا في حماية الرأي المخالف، حتى بدا المشهد أشبه برسالة مفتوحة للعالم بأن سوريا رغم كل جراحها ومصابها ما زالت قادرة على ممارسة الإنسانية في لحظات الغضب، وأنها مختلفة تماما عن الصورة الهمجية الوحشية التي مارسها النظام المجرم البائد ضد مخالفيه. وما إن حلّ الليل حتى انفضّت تلك الحشود كما بدأت، بلا كسر ولا دم ولا اعتقال أو تشبيح، وكأن البلاد ترفض بنفسها أن تُستدرَج إلى الفخ أو تستفز..
وإذا حاولنا أن نقرأ هذا المشهد بتأنٍ، سنجد أن تزامنه ليس بريئا أبدا، فالأحداث تتقاطع مع نقاش أمريكي متسارع حول مصير قانون قيصر الذي بات قرار إلغائه في لمساته الأخيرة، ومع اقتراب ذكرى التحرير في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، كل ما يحتاجه السوريون اليوم هو أن يتذكروا أن ما يجري حولهم ليس صراعا بين أبناء بلد واحد، بل صراع بين من يريد لسوريا أن تبقى واحدة وإن تعبت، ومن يريد لها أن تتشظّى وتتفتتكأن هناك من أراد أن يُغطي على الضوء بضباب، وعلى الأفراح بويلات الحزن، وأن يشوش على أي بارقة انفراج سياسي أو اقتصادي بصوت الفوضى والدماء..
وفي خضم ذلك كله، يظهر السوري البسيط كما في كل مرة واقفا بين نارين: نار من يريد تقسيم بلده، ونار من يريد جرّه إلى ردود فعل تفقده صبره. ويظهر الوطن نفسه كأبٍ متعب، يعرف أبناءه جيدا، ويعرف أن الفتنة لا تُشعلها الجموع، بل يشعلها الصدى حين يبتعد الناس عن أنفسهم..
ولا نحتاج إلى خطب كبيرة وكلمات كثيرة لنقول ما يجب قوله، فالوطن لا يُكتب له وصفة ولا تُعلّق على بابه توصيات واحترازات. كل ما يحتاجه السوريون اليوم هو أن يتذكروا أن ما يجري حولهم ليس صراعا بين أبناء بلد واحد، بل صراع بين من يريد لسوريا أن تبقى واحدة وإن تعبت، ومن يريد لها أن تتشظّى وتتفتت ولو من أجل ذرة تراب واحدة. وليتذكر أولئك الذين أغرتهم شعارات الانفصال، أن الهواء الذي يتنفسونه يصعد من رئة واحدة، وأن تاريخ هذه الأرض لا يقبل أن يُكتب على خرائط صغيرة مقتطعة ومنفصلة عن أمها.
وأما العالم، فكل ما يراه اليوم هو أن سوريا رغم كل شيء ما تزال قادرة على الوقوف، وأن الفوضى التي تُغذّيها بعض العواصم لا تصنع وطنا، وأن من يريد إعادة بناء سوريا عليه أن يبدأ من صوتها الداخلي، لا من صدى الخارج الحاسد والحاقد..
ختاما.. يبقى الوطن أكبر من كل راية طارئة، وأعمق من كل صرخة عابرة، وأصدق من كل محاولات الطمس والتمزيق، فهو وحده الذي يعرف أبناءه ويجمعهم مهما حاولت الفتنة أن تفرّقهم..