نيويورك تايمز: رسائل إبستين تكشف ألاعيب النخبة الأميركية عندما لا ينتبه إليها أحد
تاريخ النشر: 25th, November 2025 GMT
تكشف رسائل البريد الإلكتروني التي نُشرت مؤخرا من ملفات الملياردير الراحل جيفري إبستين -الجاني المدان بجرائم جنسية الذي ظل متشابكا بعمق مع دوائر النفوذ الأميركي- ملامح عالم خفي تتقاطع فيه مصالح النخبة السياسية والمالية والفكرية والثقافية في الولايات المتحدة.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، يرى الكاتب أناند غريداراداس آلاف الرسائل المفرج عنها ترسم صورة أوسع وأشد إزعاجا لمنظومة نخبوية عابرة للمؤسسات أتاحت له العودة إلى مركز النفوذ بعد إدانته عام 2008، وساعدت في ترسيخ ثقافة تتغاضى عن الضرر واللامساواة حين يخدم ذلك مصالحها.
وتضمنت تلك الرسائل -حسب المقال- أسماء شخصيات تبادلت رسائل مع إبستين، تراوحت بين أكاديميين ضليعين ودبلوماسيين مخضرمين ومليارديرات ومسؤولين حكوميين سابقين وإعلاميين معروفين وفلاسفة وكتاب وعلماء ورموز بارزة في عالم الأعمال والتكنولوجيا.
غير أن غريداراداس يحذر من أن الذهول من اتساع هذه القائمة مضلل. فالقسم الأكبر من هذه الشخصيات -برأيه- سبق لها أن غضت الطرف لعقود من الزمن عن أضرار جسيمة أخرى حدثت مثل الأزمات المالية المتلاحقة إلى الحروب الفاشلة، ومن تفكك العقد الاجتماعي إلى الكوارث التكنولوجية، وصولا إلى اتساع الهوة بين الطبقات.
التغاضي عن جرائم إبستين يصبح مجرد حلقة ضمن سلسلة أطول من "العمى الانتقائي" الذي ميز أداء هذه النخبة
وفي هذا السياق، يرى غريداراداس -وهو صحفي أميركي- أن التغاضي عن جرائم إبستين يصبح مجرد حلقة ضمن سلسلة أطول من "العمى الانتقائي" الذي ميز أداء هذه النخبة.
وفي نظره، أن عبارة "طبقة إبستين" -التي أطلقها عضو مجلس النواب رو خانا- ليست توصيفا تبسيطيا أو إثارة للصراع الطبقي كما يدعي البعض، بل إنها تشخيص دقيق لطبقة حاكمة تعمل داخل شبكة متداخلة تجمع رجال الأعمال بالسياسيين والعلماء والإعلاميين والدبلوماسيين والممولين.
تشترك هذه الطبقة -حسب الرسائل- في حوافز وسلوكيات تقوم على تبادل النفوذ وحماية السمعة الذاتية ومنح فرص متكررة لأفرادها، في مقابل حرمان فئات واسعة من المجتمع من فرص أولى للارتقاء.
إعلانووفق المقال، فإن الرسائل تكشف تنوعا أيديولوجيا واسعا بين المتراسلين. لكن الكاتب يزعم أن هذا التنوع يخفي في ثناياه وحدة جوهرية أعمق، إذ ينتمي الجميع إلى نخبة عابرة للحدود، مولعة بالتنقل والسفر، وتجد في الحركة المستمرة مسرحا لتبادل النفوذ والمصالح.
تنوع هذه المجموعة يخفي في ثناياه وحدة جوهرية أعمق، إذ ينتمي الجميع إلى نخبة عابرة للحدود، مولعة بالتنقل والسفر، وتجد في الحركة المستمرة مسرحا لتبادل النفوذ والمصالح.
ويصف الكاتب هؤلاء بأنهم طبقة تتقن تحويل رأس المال الفكري إلى رأس مال مالي، وتحويل العلاقات إلى صفقات، وتحويل المكانة إلى فرص جديدة.
ويعتقد أن إبستين نجح في هذه البيئة، لأنه فهم لغتها الاجتماعية جيدا، والتي تبدأ بطقس غريب لكنه أساسي من شاكلة رسائل "تحديث مواقع السفر".
فالنخبة التي كانت تتواصل معه تتبادل باستمرار رسائل من نوع: "وصلت للتو إلى نيويورك"، "سأكون في دبي"، "هل ستكون في توكسون يوم 7؟". وهذه التفاصيل -في نظر الكاتب- ليست مجرد مجاملات، بل مفاتيح لإطلاق سلسلة من اللقاءات والصفقات والمجاملات، ذلك أن معرفة أماكن وجود الآخرين هي شكل من أشكال القوة الناعمة، وتتيح تبادلا للفرص والمعلومات.
لكن الحركة ليست إلا الخطوة الأولى، فالعملة الحقيقية لهذه الطبقة هي "الميزة" أو "المعلومة الخاصة". فكلما أصبحت المعلومات العامة أكثر وفرة، ازدادت قيمة المعرفة غير المنشورة أو الداخلية، وفقا لمقال نيويورك تايمز.
وتكشف الرسائل عددا من الشخصيات -من مصرفيين إلى علماء ومقربين من السياسة- يقدمون مقتطفات صغيرة من المعلومات لإبستين كعروض رمزية للانضمام إلى الشبكة أو الحفاظ على صلتهم بها. في المقابل، يبادلهم إبستين بما يمتلكه من علاقات وترتيبات وفرص، وأحيانا مجرد شعور بالقرب من النفوذ.
ويصف غريداراداس هذه العملية بأنها "سوق تبادل رأسمالي متعدد الاتجاهات"، فالأذكياء يبحثون عن المال، والأثرياء يريدون أن يبدوا أذكياء، والسياسيون يسعون إلى فرص وصول جديدة، في حين يبحث من لُوثت سمعتهم -مثل إبستين- عن إعادة تلميع صورتهم من خلال القرب من أشخاص ذوي مكانة أكاديمية أو حكومية.
ويتجلى هذا النمط بوضوح في العلاقة الثلاثية بين إبستين ولورنس سامرز وزوجته إليسا نيو، إذ يتبادل الطرفان الدعوات والصلات الأكاديمية مقابل ما يمنحه وجودهما في شبكته من شرعية وقرب من مؤسسات مؤثرة.
كما تكشف الرسائل عن ألعاب خفية تحكم هذا العالم. فكلما ارتفع موقع الشخص في السلم الاجتماعي انخفض اهتمامه بالدقة اللغوية، وارتفع ميله إلى التظاهر بالانشغال الدائم أو التهوين من قيمة المعلومات التي يتلقاها.
ويجري استعراض النفوذ عبر تفاصيل صغيرة، من بينها صيغ البريد الإلكتروني التي تحمل توقيعات من قبيل "أرسلت من جهاز الرئيس".
ويشير غريداراداس إلى أن النخبة التي تراسل إبستين لا تجمعها قيم سياسية أو أخلاقية مشتركة بقدر ما يجمعها ولاء طبقي متين. فشخصيات بارزة درجت على إعلان معارضتها للفساد واللامساواة، تطلب منه في السر خدمات أو نصائح.
ومن بين الأمثلة اللافتة الصحفي مايكل وولف الذي قدم لإبستين مشورة في تحسين صورته العامة، وكينيث ستار الذي طارد الرئيس بيل كلينتون بتهم سوء السلوك الجنسي قبل أن يصبح أحد المدافعين عن إبستين.
إعلانحتى الخصومات السياسية الظاهرة لم تمنع تلاقي المصالح، كما يظهر في محاولات إبستين بناء علاقة مع ستيف بانون لدعم خططه في تنظيم العملات الرقمية.
ومن أكثر الأمثلة دلالة على التواءات هذه الثقافة، تتمثل -كما يقول الكاتب- في تواصل إبستين مع كاثرين روملر، المستشارة السابقة للبيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما التي أصبحت لاحقا كبيرة المحامين في مؤسسة غولدمان ساكس.
ففي حين كانت روملر تفكر في احتمال ترشيحها لمنصب المدعي العام عام 2014، كانت تلتمس المشورة من إبستين بشأن خطواتها، رغم إدانته.
وتكشف رسائلها الجمع بين نقاشات عن مكافأة توقيع بملايين الدولارات وأسئلة قانونية حول سلطات ترامب في إعلان حالة الطوارئ، فضلا عن تعليقات ساخرة بشأن أشخاص بدناء، في مفارقة تجسد كيف تتحول النظرة النخبوية المتعالية إلى فرصة استثمارية حين وصفت مؤسسة غولدمان ساكس لاحقا أدوية السمنة بأنها سوق بقيمة 100 مليار دولار.
ويخلص الكاتب إلى أن لهذه الرسائل أهمية تتجاوز الفضول العام، لأنها تكشف بوضوح غير معتاد آليات تفكير طبقة حاكمة لطالما عملت خلف الكواليس على حفظ امتيازاتها، وأسهمت عبر ممارساتها في تعزيز الشعور الشعبي بأن المؤسسات تخدم مصالح ضيقة.
ورغم أن السياسيين الشعبويين يستغلون هذا الغضب لتغذية الانقسام، فإن الناجين من اعتداءات إبستين قدموا -بشجاعتهم وتمسكهم بالحقيقة- نموذجا معاكسا لنمط اللامبالاة السائد، وشكلت ضربة موجعة لمنظومة امتيازات ساعدت إبستين وغيره على الإفلات من المساءلة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.