جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@00:39:54 GMT

حتميَّة المراجعة الشاملة

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

حتميَّة المراجعة الشاملة

 

 

 

د. صالح الفهدي

تستقرُّ في نفسي قناعةٌ راسخة بالحاجة الماسَّة للدول لإجراء مراجعات شاملة كلَّما مضى ردحٌ من الزمن، وتغيَّرت الظروف، ومرجعُ هذه القناعة أنَّ الدول في مسيرها تعتورها شوائبَ دخيلة على هويتها الأصيلة، وبنيتها الثقافية، فتحتاجُ إلى شَخْلها كما تُشخلُ الحبوب من قمحٍ وشعير وأُرز مما خالطها من قشٍّ، وتربةٍ، وحصى، وقشور.

كما إنَّ المقصد الأسمى من هذه المراجعة هو إعادة تصويب البوصلة الحضارية للأمة إلى وجهتها الصحيحة التي تعاضدت في توجيهها جهودُ السَّلفِ عبر أزمنةٍ وحقبٍ متلاحقة، وأفنت أعمارها من أجلِ أن لا تنحرفَ البوصلة عن اتجاهها الصحيح الذي توافق عليه حكماءُ ورشداءُ وعلماءُ الأُمة.

وإذا كان من ثمة متسائلٍ يسأل: لماذا تحتاج الدول إلى مراجعات شاملة؟ فالإجابة عن تساؤله أنَّ الزمن يتغير أسرع من الأنظمة، وأن "ما لا يتجدَّد يتبدَّد" كما يُشاعُ قوله، والقوانين التي صلُحت في التسعينيات من القرن الماضي لا تصلح اليوم، كما إن المناهج التي صلحت قبل 10 سنوات لا تخدم أبناء الثورة الرقمية، ولا أجيال الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن أنَّ الهوية الثقافية تتعرض بشكلِّ مستمر للضغط الخارجي الناتجِ عن الفضاء الإلكتروني، والعولمة، والإعلام الجديد، وهي وسائل تؤثر على ثقافة المجتمع وقيمه ورؤيته لنفسه، وبهذا فإنَّ المراجعات تعني إعادة مواءمة الدولة مع العصر.

وإذا تفحَّصنا النظم الإدارية فإنَّه سيتبيَّنُ لنا تراكم البيروقراطية، وتكلُّس الأفكار التقليدية في الإجراءات وما ينتج عنها من أخطاء إدارية، وقرارات تُبنى على نظرات قديمة. أما الجانب الديني فإنني سنشهد بعض المعتقدات والشعائر والعادات قد نُسبت للدين وهي مستوردةٌ من أديان أو ثقافات أو عادات لا تعبِّرُ عن جوهره، ورسالته السمحاء، كما نجدُ في بعض الفتاوي ما يناقضُ الوحي الإلهي، والرسالة السماوية، وقد اختلقها البعضُ لأجل مآربَ معيَّنة!، كما نجدُ في التعليم ما لا يتوافق مع روح العصر وتغيُّر أنظمته ووسائله، وفي ثقافة المجتمع نجد من الأفكار ما يحقِّر الكيان الشَّخصي الذي قامَ على الإباءِ والأنفةِ والكرامةِ تاريخيَّا، وبهذا فإنَّ المراجعات الشاملة تعمل كـ(مصفِّي) وطني ينظّف المسار ويعيد التوازن، ويحقق المنافع السامية.

المراجعةُ ليست إلَّا دليلًا على الوعي والنضج الحضاريين، فهي تنمُّ عن الإرادة المكينة لاستدامة الهوية الوطنية، وتعزيز المقاصد العُليا التي يسيرُ نحوها الوطن، فالدول التي حافظت على مسيرها ونهوضها هي التي امتلكت الشجاعة للمراجعةِ والتقييم، أم الدول التي هزلت وضعفت فتلك التي تغافلت عن المراجعة والتقييم، مخافة مواجهة الأسئلة الصعبة، وإجراء التغييرات الكبيرة!

ولا شكَّ بأن العصر الحالي بما يتَّسمُ به من سرعةٍ في التغيرات، وتساوقٍ في المؤثرات، ليُحتِّمُ على الدول أن تُجري مراجعات في مختلف القطاعات الدينية والتعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وكل ما يتصل بأنساق الهوية الوطنية التي تشكِّل قلبَ الأمة.

ولا يسلم أي قطاعٍ من شوائب دخيلة عليه، إمَّا أنها من صُنع المجتمعِ أو من هبَّات الرياح التي جاءت من الخارج، لا تنسجم مع الهوية الثقافية للمجتمع، ولا مع بنيته الحضارية، بيدَ أن هناك ما يتوافق مع سيرورة العصر ومع المسير الحضاري للوطن في الوقت ذاته، وهذا يعدُّ إضافةً قيِّمة كالأفكار العلمية القيمة، والأساليب الإدارية الكفوءة، والرؤى الاستراتيجية الثاقبة، والطرق العملية المعاصرة.

إنَّ اليابان بعد أن تلقِّت ضربات قاصمة بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من دمارٍ اقتصادي، وخرابٍ عمراني، وشتات بشري، أجرت مراجعةً شاملةً لكل شيء ابتداءً من العقيدة (حاكم شبه إله، وجيش لا يقهر)، إلى التعليم، فالاقتصاد، فصناعة القرار، فنظام الوظائف، فالثقافة المؤسسية إلى غير ذلك من مكونات الثقافة اليابانية، وقد نتج عن هذه المراجعة تغييرًا في البوصلة الحضارية التي أدَّت إلى صعود اليابان كقوة صناعية عالمية بوأها المركز الثاني على مستوى العالم في أقل من 30 عامًا، وبناء منظومة تعليمية تُعدُّ من أفضل المنظومات عالميًا، وتعزيز الهوية اليابانية بروح الانضباط والعمل الجماعي. لم تكن هذه النهضة إعادة بناء وإنما هي نتيجة لمراجعة شاملة ابتداءً من مواجهة الأسئلة الصعبة مثل: لماذا انهزمنا؟ ما هي الإشكالية في توجهنا؟ هل نظمنا صائبة؟ هل لدينا إشكالية ثقافية؟

هناك أيضًا على المستوى الخليجي المملكة العربية السعودية التي تُجري مراجعات لا أعلم حقيقةً عن مدى شموليتها، لكنها بالتأكيدِ تشمل جوانبًا من مراجعة التراث الفقهي، والاقتصاد، والسياسة، والتعليم.

من جانبٍ آخر، فإنه لا يمكن للأمم أن تظل رهينة الماضي بحسب الظروف التي عاشها الأسلاف؛ فهذا الارتهان هو قيدٌ على حِراكها؛ إذ إنَّ لكل زمانٍ- كما يقال- دولة ورجالًا، ولكل جيلٍ ظروفه، ومصالحه، ونظرته، فلماذا يقيَّدُ بما يراهُ السلف إن كان في الاجتهادِ سَعة، وفي التغيير مَندُوحةٍ؟!

دولةُ فنلندا هي الأُخرى لا تنتظر وقوعَ أزمة؛ فلديها ثقافة مؤسسية قائمة على المراجعات الوقائية؛ على سبيل المثال تراجع نظام التعليم كل 10- 15 سنة، ويشمل ذلك: فلسفة التعليم، ومناهج المدارس، ودور المعلم، والعلاقة بين الطالب والمجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى تميِّزِ نظامٍ تعليميٍّ يصنَّف ضمن أرقى الأنظمة العالمية.

الشاهدُ أن المراجعات المستمرة تُبقي الهوية واضحةً ومتماسكةً ومُحصَّنةً، علاوةً على أن المراجعات تُكسب الدول مرونةً وقدرةً على المنافسة، وسرعة على التكيُّف مع التغيرات الاقتصادية، كما إن المراجعات تعيد للدولة علاقتها الطبيعية مع المواطن إذ أنه عند غياب المراجعة، تتوسع الفجوة بين توقعات الناس وبين أداء المؤسسات في حين أن المراجعة الشاملة فتعني الشفافية، والمصارحة، وتصحيح مسار، وإعادة بناء الثقة.

وختام القول.. إنَّ المراجعات الشاملة لكل القطاعات والأنساق ليست مجرَّد عمل إداري صرف؛ بل هي في الحقيقة عملية حضارية تاريخية تحتاج لها الدول، وتؤكد بها أنها واعية بذاتها، وبقدرتها على تقييم تجربتها بصراحةٍ، وشجاعة؛ فالدول لا تحفظ هويتها وقوتها إلّا حين تملك الجرأة على التقييم من خلال المراجعة الجوهرية الشاملة، والتواضع لتصحيح الأخطاء، والإرادة لاستئناف المسار نحو مستقبل أكثر رسوخًا وازدهارًا.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

أحمد موسى: العلمين نموذج للتنمية الشاملة واستضافة المؤتمرات الدولية

أكد الإعلامي أحمد موسى، أن جهود القوات المسلحة في تنمية وتطوير العلمين، مضيفًا: «مؤتمرات عالمية تقام في العلمين، وأهم المؤتمرات الاقتصادية في القرن مثل مؤتمر البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير الذي يضم ممثلين لـ 60 دولة».

وأضاف خلال تقديم برنامج «على مسئوليتي» المذاع على قناة «صدى البلد»، أن المدينة مخطط لها استيعاب 3 ملايين نسمة، مع تنفيذ مشروعات «سكن لكل المصريين» و«حياة كريمة» للمواطنين، وإقبال كبير من المصريين والأجانب والعرب للحصول على وحدات سكنية.

وتابع: «خدمات متميزة، الاستثمار في العلمين مهم، المدينة بتشتغل طوال العالم، بكافة الخدمات وكل ما يبحث الناس عنه، وكل التحية لجيشنا العظيم في كل وقت».

وأردف موسى: «كل التحية لـ المشير طنطاوي شال كتير.. والقوات المسلحة شالت كتير.. الرئيس ديما في أي احتفالية يدعو المشير طنطاوي، وكلنا الإعلاميين كنا نجري نسلم عليه، يستحق الكثير وسلام لروحه، والدعاء له بالرحمة.. هذا الرجل عمل لمصر اللي ما اتعملش له دور كبير في وقت البلد كان العالم كله واخد موقف منها».

مقالات مشابهة

  • «متحدث الأوقاف»: إحياء القاهرة التاريخية يجسد تكامل مؤسسات الدولة للحفاظ على الهوية المصرية
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الأوقاف: الحفاظ على الهوية الخاصة بالقاهرة الإسلامية والخديوية أثناء التطوير.. ولا صحة للشائعات حول هدم مناطق أثرية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • هيئة السوق المالية: قبول طلب تقييد دعوى جماعية مقامة من أحد المستثمرين ضد بعض أعضاء مجلس الإدارة وأعضاء لجنة المراجعة في إحدى الشركات الغذائية
  • أحمد موسى: العلمين نموذج للتنمية الشاملة واستضافة المؤتمرات الدولية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • أزمة تصريح السفر تحرم إمبولو من مرافقة بعثة سويسرا لمونديال 2026
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • ماكرون: نقدر جهود السيسي لتحقيق التنمية الشاملة في مصر ونحرص على تعزيز العلاقات