جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@03:18:19 GMT

حتميَّة المراجعة الشاملة

تاريخ النشر: 29th, November 2025 GMT

حتميَّة المراجعة الشاملة

 

 

 

د. صالح الفهدي

تستقرُّ في نفسي قناعةٌ راسخة بالحاجة الماسَّة للدول لإجراء مراجعات شاملة كلَّما مضى ردحٌ من الزمن، وتغيَّرت الظروف، ومرجعُ هذه القناعة أنَّ الدول في مسيرها تعتورها شوائبَ دخيلة على هويتها الأصيلة، وبنيتها الثقافية، فتحتاجُ إلى شَخْلها كما تُشخلُ الحبوب من قمحٍ وشعير وأُرز مما خالطها من قشٍّ، وتربةٍ، وحصى، وقشور.

كما إنَّ المقصد الأسمى من هذه المراجعة هو إعادة تصويب البوصلة الحضارية للأمة إلى وجهتها الصحيحة التي تعاضدت في توجيهها جهودُ السَّلفِ عبر أزمنةٍ وحقبٍ متلاحقة، وأفنت أعمارها من أجلِ أن لا تنحرفَ البوصلة عن اتجاهها الصحيح الذي توافق عليه حكماءُ ورشداءُ وعلماءُ الأُمة.

وإذا كان من ثمة متسائلٍ يسأل: لماذا تحتاج الدول إلى مراجعات شاملة؟ فالإجابة عن تساؤله أنَّ الزمن يتغير أسرع من الأنظمة، وأن "ما لا يتجدَّد يتبدَّد" كما يُشاعُ قوله، والقوانين التي صلُحت في التسعينيات من القرن الماضي لا تصلح اليوم، كما إن المناهج التي صلحت قبل 10 سنوات لا تخدم أبناء الثورة الرقمية، ولا أجيال الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن أنَّ الهوية الثقافية تتعرض بشكلِّ مستمر للضغط الخارجي الناتجِ عن الفضاء الإلكتروني، والعولمة، والإعلام الجديد، وهي وسائل تؤثر على ثقافة المجتمع وقيمه ورؤيته لنفسه، وبهذا فإنَّ المراجعات تعني إعادة مواءمة الدولة مع العصر.

وإذا تفحَّصنا النظم الإدارية فإنَّه سيتبيَّنُ لنا تراكم البيروقراطية، وتكلُّس الأفكار التقليدية في الإجراءات وما ينتج عنها من أخطاء إدارية، وقرارات تُبنى على نظرات قديمة. أما الجانب الديني فإنني سنشهد بعض المعتقدات والشعائر والعادات قد نُسبت للدين وهي مستوردةٌ من أديان أو ثقافات أو عادات لا تعبِّرُ عن جوهره، ورسالته السمحاء، كما نجدُ في بعض الفتاوي ما يناقضُ الوحي الإلهي، والرسالة السماوية، وقد اختلقها البعضُ لأجل مآربَ معيَّنة!، كما نجدُ في التعليم ما لا يتوافق مع روح العصر وتغيُّر أنظمته ووسائله، وفي ثقافة المجتمع نجد من الأفكار ما يحقِّر الكيان الشَّخصي الذي قامَ على الإباءِ والأنفةِ والكرامةِ تاريخيَّا، وبهذا فإنَّ المراجعات الشاملة تعمل كـ(مصفِّي) وطني ينظّف المسار ويعيد التوازن، ويحقق المنافع السامية.

المراجعةُ ليست إلَّا دليلًا على الوعي والنضج الحضاريين، فهي تنمُّ عن الإرادة المكينة لاستدامة الهوية الوطنية، وتعزيز المقاصد العُليا التي يسيرُ نحوها الوطن، فالدول التي حافظت على مسيرها ونهوضها هي التي امتلكت الشجاعة للمراجعةِ والتقييم، أم الدول التي هزلت وضعفت فتلك التي تغافلت عن المراجعة والتقييم، مخافة مواجهة الأسئلة الصعبة، وإجراء التغييرات الكبيرة!

ولا شكَّ بأن العصر الحالي بما يتَّسمُ به من سرعةٍ في التغيرات، وتساوقٍ في المؤثرات، ليُحتِّمُ على الدول أن تُجري مراجعات في مختلف القطاعات الدينية والتعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وكل ما يتصل بأنساق الهوية الوطنية التي تشكِّل قلبَ الأمة.

ولا يسلم أي قطاعٍ من شوائب دخيلة عليه، إمَّا أنها من صُنع المجتمعِ أو من هبَّات الرياح التي جاءت من الخارج، لا تنسجم مع الهوية الثقافية للمجتمع، ولا مع بنيته الحضارية، بيدَ أن هناك ما يتوافق مع سيرورة العصر ومع المسير الحضاري للوطن في الوقت ذاته، وهذا يعدُّ إضافةً قيِّمة كالأفكار العلمية القيمة، والأساليب الإدارية الكفوءة، والرؤى الاستراتيجية الثاقبة، والطرق العملية المعاصرة.

إنَّ اليابان بعد أن تلقِّت ضربات قاصمة بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من دمارٍ اقتصادي، وخرابٍ عمراني، وشتات بشري، أجرت مراجعةً شاملةً لكل شيء ابتداءً من العقيدة (حاكم شبه إله، وجيش لا يقهر)، إلى التعليم، فالاقتصاد، فصناعة القرار، فنظام الوظائف، فالثقافة المؤسسية إلى غير ذلك من مكونات الثقافة اليابانية، وقد نتج عن هذه المراجعة تغييرًا في البوصلة الحضارية التي أدَّت إلى صعود اليابان كقوة صناعية عالمية بوأها المركز الثاني على مستوى العالم في أقل من 30 عامًا، وبناء منظومة تعليمية تُعدُّ من أفضل المنظومات عالميًا، وتعزيز الهوية اليابانية بروح الانضباط والعمل الجماعي. لم تكن هذه النهضة إعادة بناء وإنما هي نتيجة لمراجعة شاملة ابتداءً من مواجهة الأسئلة الصعبة مثل: لماذا انهزمنا؟ ما هي الإشكالية في توجهنا؟ هل نظمنا صائبة؟ هل لدينا إشكالية ثقافية؟

هناك أيضًا على المستوى الخليجي المملكة العربية السعودية التي تُجري مراجعات لا أعلم حقيقةً عن مدى شموليتها، لكنها بالتأكيدِ تشمل جوانبًا من مراجعة التراث الفقهي، والاقتصاد، والسياسة، والتعليم.

من جانبٍ آخر، فإنه لا يمكن للأمم أن تظل رهينة الماضي بحسب الظروف التي عاشها الأسلاف؛ فهذا الارتهان هو قيدٌ على حِراكها؛ إذ إنَّ لكل زمانٍ- كما يقال- دولة ورجالًا، ولكل جيلٍ ظروفه، ومصالحه، ونظرته، فلماذا يقيَّدُ بما يراهُ السلف إن كان في الاجتهادِ سَعة، وفي التغيير مَندُوحةٍ؟!

دولةُ فنلندا هي الأُخرى لا تنتظر وقوعَ أزمة؛ فلديها ثقافة مؤسسية قائمة على المراجعات الوقائية؛ على سبيل المثال تراجع نظام التعليم كل 10- 15 سنة، ويشمل ذلك: فلسفة التعليم، ومناهج المدارس، ودور المعلم، والعلاقة بين الطالب والمجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى تميِّزِ نظامٍ تعليميٍّ يصنَّف ضمن أرقى الأنظمة العالمية.

الشاهدُ أن المراجعات المستمرة تُبقي الهوية واضحةً ومتماسكةً ومُحصَّنةً، علاوةً على أن المراجعات تُكسب الدول مرونةً وقدرةً على المنافسة، وسرعة على التكيُّف مع التغيرات الاقتصادية، كما إن المراجعات تعيد للدولة علاقتها الطبيعية مع المواطن إذ أنه عند غياب المراجعة، تتوسع الفجوة بين توقعات الناس وبين أداء المؤسسات في حين أن المراجعة الشاملة فتعني الشفافية، والمصارحة، وتصحيح مسار، وإعادة بناء الثقة.

وختام القول.. إنَّ المراجعات الشاملة لكل القطاعات والأنساق ليست مجرَّد عمل إداري صرف؛ بل هي في الحقيقة عملية حضارية تاريخية تحتاج لها الدول، وتؤكد بها أنها واعية بذاتها، وبقدرتها على تقييم تجربتها بصراحةٍ، وشجاعة؛ فالدول لا تحفظ هويتها وقوتها إلّا حين تملك الجرأة على التقييم من خلال المراجعة الجوهرية الشاملة، والتواضع لتصحيح الأخطاء، والإرادة لاستئناف المسار نحو مستقبل أكثر رسوخًا وازدهارًا.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

 «إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.

ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».

من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.

 

شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات

لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها. 

يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».

ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».

وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.

قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»

كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.

يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.

فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.

النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»

عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.

امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.

أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعيار

كانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.

وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.

عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيها

في إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.

في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.

الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»

 

المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار

لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.

وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.

«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين

 

وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • بوتين: روسيا من الدول القليلة التي تصنع مستلزمات الإنتاج التسلسلي للأسلحة
  • باحث علاقات دولية يكشف أبعاد زيارة عون لواشنطن وتأثيرها على الأوضاع بجنوب لبنان
  • مسؤول أمريكي : نزع سلاح حماس أمر حتمي و"الأونروا" يجب أن ترحل من غزة
  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • مزيج فرعوني وإسلامي وأفريقي.. عماد الساعي يرسم ملامح الهوية المصرية
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • بعد اقتحام غير مسبوق للأقصى.. هل بدأت خطة التصفية الشاملة؟
  • الساعي : مصر تمتلك مقومات قوية لبناء الهوية الوطنية وتعزيز قوتها الناعمة
  • بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري