لم تترك الرقابة المالية بابًا إلا وطرقته فى معركتها لحماية الاقتصاد من «المستريحين» وشبكات الثراء الوهمى. بذلت كل ما فى وسعها للحفاظ على مدخرات المواطنين، ونثرت الوعى المالى فى كل اتجاه ممكن.
طرقت كل أبواب القنوات، ومنصات التواصل الاجتماعى، والإعلام المرئى والمسموع والمكتوب.. تحذر وتنبّه.. لا استثمار خارج المظلة الرسمية.
التحرك المكثف لم يأتِ من فراغ؛ فالساحة اكتظّت بعمليات خداع ونصب لبست عباءة الثراء السريع، وتاجها مؤتمرات «الفوركس» التى تُقام فى فنادق القاهرة فى «عز الضهر».. بلا خجل، وبلا تستر، وعلى مرأى ومسمع كل الجهات الرقابية، سواء البنك المركزى، أو الرقابة المالية.. هدفها واحد سيل دولارات تخرج من البلاد، ووجوه طامعة تُستنزف تحت بريق الوهم.
تشارك شركات السمسرة فى تلك المؤتمرات، وكأنها تمنحها ختم الشرعية. مؤتمر يحتاج إلى اسم كبير ليقنع ضحاياه، وشركات تبحث عن عملاء جدد.. فتلتقى المصالح، ويُطبع الوهم بختم رسمى الشكل، زائف الجوهر.
الرقابة المالية تابعت هذه المشاهد بدقة، وأدركت أن تلك المؤتمرات ليست إلا منصات دعائية للفوركس الوهمى. فحذّرت مرارًا شركات السمسرة من الانزلاق إلى هذا المستنقع، لكن البعض تذرّع بعدم العلم، والآخر ادّعى أنه فقط يبحث عن توسيع قاعدة عملائه.
إذا كانت الرقابة المالية حذرت مرارا وتكرارا السماسرة، من مخاطر منح شرعية لهذه المؤتمرات التى تضر الاقتصاد الوطنى، فلماذا تصر هذه الشركات على المشاركة، رغم أن لديها فرصة فى تنظيم مؤتمر سنوى يضم شركات السمسرة، ويكون مخصصا للحديث عن سوق المال والبورصة، وبرعاية الرقابة المالية وصندوق حماية المستثمر، وينظم فى نفس موعد مؤتمر «الفوركس»، وبذلك يتم ضرب عصفورين بحجر، ويكون الرد عمليًا، والترويج لسوق المال فعالًا، وكبح الاستثمار الوهمى الذى يتم عبر «الفوركس».
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: خارج المقصورة الرقابة المالية حماية الاقتصاد ومنصات التواصل الاجتماعي الرقابة المالیة
إقرأ أيضاً:
المال العام.. أمانة وطن
خالد بن حمد الرواحي
عندما نتحدث عن المال العام، فنحن لا نتحدث عن أرقام تُدوَّن في ميزانية، ولا عن جداول تُعلَّق في المكاتب. نحن نتحدث عن مدارس تُفتح كل صباح، ومراكز صحية تستقبل المرضى، وطرق تُعبد، ومشروعات ينتظرها المواطن ليحيا حياة كريمة. نتحدث عن تعب إنسان يعمل بصدق، ويدفع ما عليه من التزامات، ويُعلّق أمله على أن تُدار أموال وطنه بضمير لا يتبدل. لهذا فإن المال العام ليس ملكًا لأحد، ولا امتيازًا يرتبط بمنصب، بل أمانة مشتركة بين الجميع… أمانة لا تحتمل العبث، ولا تقبل المجاملة.
ولأن حماية هذه الأمانة لا تحتمل التأويل، جاء القانون العُماني واضحًا وحاسمًا حين منح المال العام حرمة لا يجوز المساس بها، ومنع أي تصرف فيه خارج حدود المصلحة الوطنية. فالمادة الرابعة من قانون حماية المال العام وتجنب تضارب المصالح تؤكد أن المال العام ليس ساحة للاجتهاد الشخصي ولا مساحة للمحاباة، فيما تشدد المادة السابعة على أن استغلال المنصب لتحقيق منفعة شخصية- مهما صغرت- هو سلوك يُضعف الثقة ويهز العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالأفعال التي تُثبت أن الأمانة فوق الأشخاص، وأن القانون يحمي الوطن قبل أن يحمي المواقع.
ولأن النزاهة لا تُبنى بالنوايا وحدها، جاءت الخطة الوطنية لتعزيز النزاهة (2022- 2030) لتضع إطارًا واضحًا يجعل من حماية المال العام مسؤولية دولة ومجتمع معًا؛ فالرؤية التي حملتها هذه الخطة- مؤسسات نزيهة، وقوانين فاعلة، ومجتمع واعٍ - تعكس فهمًا عميقًا لأساس التنمية الحقيقية؛ تنمية لا تقوم إلا على الشفافية والحوكمة والعدالة. وتؤكد محاور الخطة الخمسة أن بناء إدارة نزيهة يبدأ بتشريعات قوية، وخدمات حكومية عادلة، وقطاع خاص يدرك دوره في حماية المال العام، ومجتمع يشارك بثقة في هذا الجهد الوطني. إنها ليست مجرد وثيقة إدارية، بل مشروع وطني يمتد حتى 2030، ويتناغم مع رؤية "عُمان 2040" التي وضعت النزاهة في قلب العمل المؤسسي وفي صميم علاقة الدولة بالمواطن.
وعندما ننظر إلى النزاهة من زاوية المواطن، ندرك معناها الحقيقي؛ فهي ليست مفهومًا نظريًا؛ بل جزء من حياته اليومية. فهي التي تحدد جودة الخدمة التي يتلقاها، وسرعة إنجاز معاملاته، وعدالة الفرص المتاحة لأبنائه، وحتى أسعار السوق التي تتأثر بكل ريال يُهدر أو يُدار بغير عدل. فالنزاهة تعني أن يصل الدعم إلى مستحقه، وأن تُدار الميزانيات بعقل يُدرك قيمة كل ريال، وأن تُقدَّم الفرص على أساس الكفاءة لا المعرفة أو الواسطة. وعندما يرى المواطن أن المال العام يُصان بضمير، يشعر بأن الدولة تقف معه لا أمامه… ومع هذا الشعور يولد الانتماء الحقيقي.
وأخيرًا.. إنَّ حماية المال العام ليست مهمة جهاز رقابي وحده، ولا مسؤولية قانون يُطبَّق من الخارج. إنها ثقافة تُغرس في الداخل… في ضمير الموظف الذي يرفض المحاباة، وفي المدير الذي يمنع استغلال السلطة، وفي المواطن الذي يدرك أن المال العام جزء من مستقبل أبنائه. فالأوطان لا تنهض بكثرة مشروعاتها، بل بنزاهة من يديرها. وعندما تتكامل القوانين، وتترسخ الخطط الوطنية، وتستيقظ الضمائر… يصبح المال العام خطًا أحمر، لا خوفًا من العقوبة؛ بل احترامًا للوطن.
رابط مختصر