طهران في زيارة تحمل طابعا دبلوماسيا استثنائيا، وصل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى إيران أمس الأحد، في محطته الرابعة منذ توليه المنصب، حاملا ملفا ثقيلا من القضايا الثنائية والإقليمية التي تتصدر الاهتمام في المنطقة.

وجاءت الزيارة في وقت تحاول فيه كل من أنقرة وطهران تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، مع مناقشة ملفات حساسة تشمل غزة وسوريا والقوقاز، إلى جانب ملفات الطاقة والبنية التحتية.

فور وصوله، عقد فيدان جلسة مباحثات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وركزت المحادثات على قضايا سياسية وأمنية تتعلق بالمنطقة.

وتصدر التعاون الاقتصادي جدول المباحثات، إذ شدد عراقجي على أن إيران تعد "واحدة من أكثر موردي الطاقة موثوقية لتركيا"، مؤكدا استعداد بلاده لتمديد عقود الغاز وتوسيع التعاون في قطاع الكهرباء، كما بحث الطرفان إزالة العقبات أمام التجارة والاستثمار، وتفعيل معابر حدودية جديدة، إضافة إلى متابعة مشروع ربط السكك الحديدية بين البلدين في منطقة "جشم ثریا- آراليك".

وفي خطوة لتعزيز التواصل بين المحافظات الحدودية، أعلن عن قرب افتتاح القنصلية الإيرانية في مدينة "وان" جنوب شرقي تركيا، بينما شدد فيدان على ضرورة زيادة عدد المعابر الحدودية وتشغيلها بكفاءة، مشيرا إلى أن البلدين "متأخران على صعيد اللوجستيات واستخدام المعابر".

View this post on Instagram

A post shared by الجزيرة – تركيا (@aja.turkiyee)

ملفات ساخنة

احتلت القضايا الإقليمية مساحة واسعة من الزيارة، وأكد عراقجي أن غزة كانت "في صدارة" المباحثات، مشددا على ضرورة وقف المجازر بحق المدنيين والتنسيق لتخفيف التوتر.

أما في الشأن السوري، فقد شددت طهران وأنقرة على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ورفض الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ولبنان، التي وصفها عراقجي بأنها "محاولات لزعزعة استقرار المنطقة".

إعلان

كما تناول الجانبان أوضاع منطقة القوقاز، وأكدا على ضرورة أن يقوم استقرارها على تعاون الدول المعنية بعيدا عن التدخلات الخارجية.

في ملف مكافحة الإرهاب، أكد عراقجي دعم إيران لعملية "نزع سلاح حزب العمال الكردستاني"، مشيرا إلى اتفاق الطرفين على تفكيك جميع التنظيمات المسلحة التي تهدد أمن المنطقة.

أما بالنسبة للبرنامج النووي الإيراني، فقد ناقش الوزيران آخر التطورات، بما في ذلك تفعيل آلية الزناد في مجلس الأمن وعودة العقوبات الأممية والأوروبية على إيران.

وأوضح فيدان أن تركيا "تقف إلى جانب إيران" وتؤكد على حل الملف النووي في إطار القانون الدولي ومن خلال الحوار، داعيا إلى رفع العقوبات غير العادلة المفروضة على طهران.

كما شملت الزيارة مناقشة سبل مواجهة موجات الهجرة القادمة من أفغانستان، في وقت تتشارك فيه أنقرة وطهران أعباء تدفق اللاجئين عبر حدودهما الشرقية، إلى جانب ذلك، تبادل الوزيران وجهات النظر حول الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا.

الاحتلال الإسرائيلي يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي (الأناضول)تنسيق إقليمي

في هذا السياق، يرى الباحث السياسي رضا غبيشاوي أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى طهران تكتسب أهمية إستراتيجية في سياق التصعيد الإسرائيلي الأخير، معتبرا أن طهران وأنقرة تسعيان إلى تعزيز التنسيق لمواجهة التهديدات الإسرائيلية واستثمار النفوذ التركي في المنطقة.

وأشار غبيشاوي -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن تركيا، رغم علاقاتها المتوترة مع إسرائيل، قد تلعب دورا كوسيط بين طهران وتل أبيب، كما فعلت سابقا خلال حرب غزة، مما يعكس رغبة أنقرة في الاحتفاظ بمساحة من التأثير الإقليمي.

كما اعتبر أن زيارة فيدان تأتي في إطار ملف العراق بعد الانتخابات الأخيرة، حيث تمكنت الأحزاب والقوى القريبة من إيران من السيطرة على تشكيل الحكومة المقبلة، وتبحث تركيا عن الاستفادة من نفوذ طهران على هذه القوى لتعزيز مصالحها في بغداد والمنطقة.

وشدد غبيشاوي على أن الزيارة تعكس أيضا حاجة تركيا إلى التنسيق مع إيران بشأن حماس وغزة ولبنان وحزب الله، نظرا للقوة السياسية والقدرة التأثيرية لطهران على هذه الفصائل، مما يجعل التعاون الثنائي ضرورة لتوسيع الدور التركي في الملف الفلسطيني واللبناني.

تعاون إستراتيجي

من جانبها، قالت الباحثة السياسية عفيفة عابدي إن قراءة زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طهران ينبغي أن تتم في إطار "التحولات الإقليمية المتسارعة"، وليس فقط من زاوية الملفات الثنائية بين البلدين، رغم كثرتها وتشعبها.

وأوضحت عابدي -في حديثها للجزيرة نت- أن المعطيات الحالية تشير إلى أن أنقرة باتت أكثر ميلا للتشاور والتنسيق التكتيكي مع طهران في قضايا المنطقة، وذلك بعد نحو عام من سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وتصاعد التهديدات الأمنية الناجمة عن التحركات الإسرائيلية، لا سيما في سوريا.

وأضافت أن تطور الأوضاع الميدانية رفع من قدرة الملف السوري على أن يتحول إلى منصة لتنسيق أوسع بين الجانبين، وهي قدرة يمكن -حسب قولها- أن تمتد إلى ملفات مكملة مثل العراق وجنوب القوقاز.

إعلان

وأشارت الباحثة إلى أن إيران وتركيا "قادرتان على تحويل المسألة السورية إلى مبادرة إقليمية مشتركة"، محذرة من أن غياب هذا التعاون سيمنح الفرصة للمخططين الأميركي والإسرائيلي لفرض واقع جديد في سوريا، بما قد يعرض المنطقة لتهديدات خطيرة.

ومع ذلك، شددت عابدي على أن هذا المستوى من التواصل "لا يعني بالضرورة نشوء تقارب إستراتيجي بين البلدين"، غير أنه قد يفضي إلى نتيجة مهمة تتمثل في إصلاح العلاقات بين أنقرة وطهران بعد نحو عام من التوتر الملحوظ.

وخلصت إلى أن أي مبادرة مشتركة محتملة بين إيران وتركيا قد تشكل "بداية لتثبيت نموذج جديد من التعاون الإقليمي" في الشرق الأوسط، في ظل ظروف إقليمية معقدة وتحديات أمنية متصاعدة.

وخلص الخبراء الإيرانيون إلى أن زيارة فيدان تعكس رغبة متبادلة في تعميق التنسيق بين إيران وتركيا في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، من غزة وسوريا إلى القوقاز. كما تشير إلى سعي البلدين لتفعيل قنوات التعاون الاقتصادي وتحييد التباينات الأمنية والسياسية عبر الحوار.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات على أن إلى أن

إقرأ أيضاً:

‏القيادة الوسطى الأمريكية: عطلنا ناقلة نفط فارغة حاولت الإبحار باتجاه ميناء إيراني في الخليج العربي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكدت ‏القيادة الوسطى الأميركية، أن الجيش الأميركي عطل ناقلة نفط فارغة كانت تحاول الإبحار باتجاه ميناء إيراني في الخليج العربي.

وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المحادثات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران بشكل متواصل، نافيًا التقارير الإعلامية التي تحدثت عن توقفها أو قطع إيران للاتصالات جراء التصعيد العسكري الأخير، واصفًا إياها بالأخبار الكاذبة

تأتي هذه التصريحات في وقت حساس يسعى فيه الطرفان إلى تمديد اتفاق التهدئة الهش وبحث إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، بعد الاضطرابات الجزئية الحادة التي شهدها هذا الممر الملاحي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية

شهدت الساحة اللبنانية تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا بعد إصدار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين أوامر بشن موجة غارات جديدة استهدفت الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت

تسببت التحذيرات الإسرائيلية والغارات الجوية المتتالية في موجة نزوح جماعي لآلاف السكان من معقل حزب الله بالضاحية الجنوبية، مما أدى إلى اختناقات مرورية حادة وشلل في الطرق المؤدية إلى خارج المنطقة

أسفرت الغارات الجوية الليلية على جنوب لبنان عن مقتل 6 أشخاص، في حين تبنى حزب الله استهداف مواقع بنية تحتية عسكرية وقوات إسرائيلية في الشمال.

المواجهة العسكرية المباشرة
وعلى نحو موازٍ اتسعت رقعة المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيش الأمريكي والقوات الإيرانية، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن توجيه ضربات استهدفت منشآت رادار ودفاع جوي ومواقع تحكم بالطائرات المسيرة داخل إيران، وذلك ردًا على إسقاط طهران طائرة مسيرة أمريكية من طراز فوق المياه الدولية.

وأعلنت طهران عن ردها على الهجمات الأمريكية ونشرت مقاطع مصوَّرة لإطلاق صواريخ باليستية. وفي سياق متصل، أفادت السلطات الكويتية باعتراض طائرات مسيرة وصواريخ قادمة في الأجواء الباكرة من صباح الإثنين.

وعلى الرغم من هذا التصعيد العسكري المحموم على أكثر من جبهة، إلا أن القنوات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة للحد من الانزلاق نحو حرب شاملة، ومن المتوقع أن تستضيف واشنطن هذا الأسبوع جولة محادثات جديدة بين وفدين من إسرائيل ولبنان

تستمر المفاوضات الموازية بين الولايات المتحدة وإيران أملًا في تثبيت وقف إطلاق النار وحلحلة أزمة إغلاق مضيق هرمز وسط مخاوف دولية من أن تؤدي الحسابات الميدانية الخاطئة إلى تقويض هذه الجهود بالكامل

مقالات مشابهة

  • تحذير من عودة الحرب.. تصعيد إيراني مزدوج.. تهديد للممرات البحرية
  • ‏إعلام إيراني: سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم
  • ‏القيادة الوسطى الأمريكية: عطلنا ناقلة نفط فارغة حاولت الإبحار باتجاه ميناء إيراني في الخليج العربي
  • مسؤول إيراني: لم نكشف كل أوراقنا العسكرية ولدينا منشآت مخفية
  • وزير خارجية الكويت ونظيره الباكستاني يبحثان تطورات الأوضاع الإقليمية
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • فيدان: تركيا ترغب في التعاون مع اليابان بالطائرات المسيرة
  • مسؤول إيراني: لا مفر من الحرب مع واشنطن ما دامت تطالب باستسلام طهران
  • البحرين تحظر سفر مواطنيها إلى إيران والعراق بسبب التوترات الأمنية
  • إعلام إيراني: طهران لديها 9 بدائل استراتيجية تقلل فعالية أي حصار بحري محتمل