رام الله- خلسة تسللت فضة أبو نعيم من خيمتها وسارت مشيا على الأقدام في الطريق الوعر قاطعة 3 كيلومترات حتى وصلت قريتها المُغيّر شمال مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، قاصدة زيارة ابن شقيقها الذي أصيب برصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحامهم القرية مؤخرا.

وحالها في الإياب لم يكن أسهل، فقد انتظرت حتى دخل الليل واستقلت مركبة أجرة وانطلقت عائدة إلى منزلها، في منطقة الخلايل جنوب القرية، وسط رعب كبير رافقها طوال مشوارها الذي امتد لعدة ساعات، خشية أي هجوم مفاجئ للمستوطنين عليها أو على أسرتها التي يتهددها التهجير القسري من أرضها.

وتكابد الخمسينية فضة هذا العنف الاستيطاني منذ سنوات طويلة، لكنه تصاعد بعد الحرب على غزة، وتسبب بتهجير كل جيرانها، لكنه اصطدم بثباتها وعائلتها ورفضهم مغادرة المكان رغم اعتداءات الاحتلال وتهديداته.

أصحاب الأرض

وقبل 10 سنوات استقر الحال بعائلة فضة المكونة من 9 أنفار بالسكن في أرضهم بمنطقة الخلايل لرعاية أغنامهم، ومن لحظتها بدأت اعتداءات المستوطنين، لكنها تصاعدت وأصبحت مستفزة وخطيرة بعد الحرب على غزة قبل أكثر من عامين.

تقول فضة للجزيرة نت إن معاناتهم تضاعفت مؤخرا، بعد أن صارت الهجمات يومية وأهدافها واضحة وهي "طردنا من المنطقة كما فعلوا مع السكان الآخرين، ولم يبق سوانا نحافظ على المكان ونحميه من الاستيطان".

وتنوعت جرائم المستوطنين والجيش الإسرائيلي بين ضرب العائلة وقمعها وحرق ممتلكاتها وقتل وتسميم مواشيها والعبث بصهاريج المياه وإفراغها على الأرض، لكن أخطرها ادعاءات المستوطنين أن "الأرض لهم وورثوها عن أجدادهم وفق معتقدات توراتية".

لكن فضة تدرك جيدا أن كل ذلك "كذب وافتراء"، وأن تصرفاتهم العنجهية سببها دعم الجيش الإسرائيلي لهم، والذي لا يغطي على جرائمهم فحسب، بل يساندهم، فهو "يعتقلنا ويحقق معنا، ويقمع أي مؤازرة أو تضامن معنا" تقول فضة.

إعلان

وتضيف "منذ عامين يتواجد متضامنون أجانب معنا بشكل يومي لحمايتنا، وهم أيضا يوثّقون اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال ويوثّقون قمعهم وجرائمهم".

فضة أبو نعيم تتخذ من الكهف منزلا لها ولعائلتها في منطقة الخلايل في قرية المغير (الجزيرة)محاولات لكسرهم

وتدفع فضة وعائلتها من عمرها ومعاناتها اليومية ثمن صمودهم في الأرض، فهم يفتقرون لأبسط مقومات الحياة من خدمات البنية التحتية، كالماء والكهرباء والطرقات، ويضطرون لدفع 15 دولارا ثمنا للمتر المكعب من المياه، ويستخدمون الدواب لنقل أطفالهم إلى المدرسة أوللتبضع.

وتقول فضة "المركبة التي كانت بحوزتنا صادرتها الشرطة الإسرائيلية بإيعاز من المستوطنين، فهم يسرقون ممتلكاتنا وكل ما يدعم وجودنا".

وهم أيضا -تضيف فضة- "يعبثون بكل شيء، فقد هدموا غرفة المرحاض، و7 منشآت من الصفيح، سكنية وزراعية، وحطموا أدوات المطبخ وألقوا بالطعام والمواد التموينية أرضا، فنظل أحيانا لعدة أيام دون طحين أو خبز".

وتتناوب فضة مع كنتها فاطمة على الحراسة والتواجد بالمنزل، وكذلك بالاعتناء بمواشيهم التي اضطروا -تحت خطر قتلها وسرقتها من المستوطنين- لنقلها لمكان آمن بعيدا عن منزلهم، حيث "يقوم زوجي ووالده برعايتها، ونحن نبقى في المنزل"، تقول الكنة فاطمة.

وتضيف فاطمة للجزيرة نت أنها تعرّضت وزوجها لضرب عنيف من المستوطنين، وأن الجيش اعتقلهما، وكاد يحاكمهما بالسجن مطولا بعد أن حرَّف المستوطن الرواية كذبا، وادعى أنها هي من قامت بضربه، بعد أن اقتطع جزءا من الفيديو المصور.

وتتابع "لكن في المقابل كان أحد المتضامنين يُصوّر الحدث وأظهره بالكامل، ليتبين أن المستوطن هو من اعتدى علي، فاكتفوا بحبسي ليوم، أما زوجي فضربوه وسرقوا هاتفه، واعتقلوه ليوم وغرّموه أكثر من 600 دولار أميركي لأنه تصدى لهم ومنعهم سرقة أغنامنا".

وبتحريض من المستوطنين صادر جيش الاحتلال هاتف فاطمة وحاسوبها الشخصي، لمنعها من توثيق جرائمهم وفضحهم، حيث تقوم فاطمة بتصوير ونشر تلك الاعتداءات، لكنها لم تستسلم وواصلت مهمتها بالتصدي لهم بكل الطرق.

تجمع بدوي قبل أن يهجّره الاحتلال من محيط المغير لتسهيل ربط القرية بالمستوطنات في الأغوار الفلسطينية (الجزيرة)عواقب التهجير

وبتهجير عائلة فضة من منطقة الخلايل يضع الاحتلال يده على نحو 5 آلاف دونم (الدونم = ألف متر مربع) من الأرض، ويُطوّق المغير بالمستوطنات من كل ناحية، ويحكم قبضته عسكريا عليها أكثر.

ويقول رئيس المجلس القروي في المغير أمين عليا، للجزيرة نت، إن عائلة الحاجة فضة تواجه "خطرا حقيقيا يتهدد حياتها"، وإن الاحتلال يحاول بكل الطرق تهجيرها، تنوعت بين الضرب والهدم وقتل المواشي بتسميمها ومحاولات سرقتها، حتى بعد أن نقلتها العائلة لموقع آخر بعيدا عن مسكنهم، "فلاحقها المستوطنون وقاموا بتسميمها وقتلوا 4 منها، قبل يومين فقط".

وعائلة أبو نعيم تعد -حسب عليا- "نموذجا صارخا" لما تتعرض له المغير، التي يهدف الاحتلال لتهجيرها بالكامل، وضم أراضيها للأغوار الفلسطينية، حيث يقع 90% من أراضي القرية ضمن مناطق الأغوار.

ومن 43 ألف دونم، هي مساحة المغير، يُسيطر الاحتلال على أكثر من 42 ألف دونم، بحجج عدة، أبرزها تصنيفها لمناطق "ج" (سي) الخاضعة لسيطرته العسكرية والإدارية وفق اتفاق أوسلو.

إعلان

ويبقي للأهالي -وفق عليا- 950 دونما هي مساحة المخطط الهيكلي للقرية، والمسموح لهم التحرك في نطاقه فقط، ويضيف أن الاحتلال هجّر خلال السنتين الأخيرتين 5 تجمعات بدوية في محيط القرية لتوسيع مستوطناته.

ويؤكد أن الهدف الأول والأخير للاحتلال بالنسبة للمغير ككل، هو تهجيرها قسرا، وتمثّل ذلك صراحة بقرارات الإدارة المدنية للاحتلال وتصريحات من قيادة الجيش والمستوطنين، وحتى عبر أعضاء بالكنيست الإسرائيلي الذين طالبوا "بتهجير المغير قبل فوات الأوان. ومرة أحضروا حافلات عند المدخل الشرقي، ودعوا لطرد الأهالي إلى سوريا" حسب عليا.

إحدى المستوطنات التي تجثم فوق أراضي المغير وتصادرها (الجزيرة)التصعيد الأخطر

ومنذ مطلع انتفاضة الأقصى عام 2000، اقتلع الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 25 ألف شجرة من أراضي المغير، معظمها من الزيتون، مقدرا خسارتهم بنحو 25 مليون دولار أميركي.

لكن تصعيده الأخطر كان بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، وخاصة في أغسطس/آب الماضي، حيث اقتلع الاحتلال 10 آلاف و400 شجرة خلال 24 ساعة، وشنّ الجيش والمستوطنون عشرات الاعتداءات، أدت لاعتقال 400 مواطن، 80 منهم لا يزالون معتقلين، واستشهاد 7 مواطنين وجرح 300 آخرين، (المستوطنون قتلوا شابين وجرحوا 150 شخصا).

فضة أبو نعيم تجابه وعائلتها اعتداءات المستوطنين المتواصلة لطردها من أرضها (الجزيرة)

وتشير تقارير هيئة الجدار والاستيطان (جهة رسمية) إلى تهجير الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 33 تجمعا بدويا فلسطينيا، يقطنها نحو 2400 مواطن منذ 7 أكتوبر/تشرين الثاني 2023، وإغلاق المستوطنين مئات آلاف الدونمات كانت تتواجد عليها هذه التجمعات.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات من المستوطنین أکثر من بعد أن

إقرأ أيضاً:

هيئة البث العبرية: أمريكا تدعم استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أعلنت هيئة البث العبرية عن دعم الإدارة الأمريكية لاستمرار وجود إسرائيل في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان، وذلك وفقا لما نشرته فضائية "القاهرة الإخبارية" في نبأ عاجل خلال الساعات الأخيرة. 

وأثار الإعلان جدلا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية نتيجة الحساسية التي تحيط بالوضع الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

وأوضحت التقارير الإسرائيلية أن النقاشات الثنائية بين الطرفين الأمريكي والإسرائيلي ركزت على أهمية الحفاظ على الاستقرار في المنطقة الجنوبية من لبنان، التي تعتبرها إسرائيل منطقة استراتيجية. وأضافت المعلومات أن الطرف الأمريكي أكد على دعمه لاحتفاظ إسرائيل بوجودها الأمني في تلك المنطقة لحماية مصالحها الإقليمية.

وعقدت الإدارة الأمريكية لقاءات مستمرة مع مسؤولين إسرائيليين لتنسيق التعاون الأمني والمواقف المشتركة بشأن الأوضاع في لبنان. 

وشددت الإدارة على ضرورة التعامل بحذر مع الأوضاع الحالية وتفادي تصاعد التوتر الذي قد يجر المنطقة إلى مواجهات غير محسوبة.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن المسؤولين اللبنانيين أعربوا عن قلقهم من التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، معتبرين أن استمرار إسرائيل في المنطقة يعد خرقًا واضحًا للسيادة اللبنانية. 

وطالب الجانب اللبناني بدعم المجتمع الدولي لتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، خاصة القرار 1701 الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان.

وناقشت أوساط سياسية لبنانية خيارات الرد على الموقف الإسرائيلي المدعوم أمريكيا، مؤكدين على أهمية تعزيز الحوار الوطني لمواجهة هذا التحدي. 

وركزت هذه الأوساط على الحاجة لتوحيد الصفوف داخليًا والعمل بالتنسيق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين لصد هذه التحركات.

وأثارت هذه التطورات مخاوف دولية بشأن إمكانية تفاقم الأزمة الأمنية في جنوب لبنان وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. 

ودعت جهات أممية كافة الأطراف المعنية إلى ضبط النفس والالتزام بالقوانين الدولية لضمان استقرار الأوضاع.

واستبعد بعض المحللين أن تؤدي هذه المستجدات إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل ولبنان في المرحلة الحالية، مشيرين إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يأتي في إطار الحفاظ على ميزان القوى في المنطقة. 

رأى آخرون أن التشجيع الأمريكي قد يساهم في زيادة التصعيد ويدفع الأطراف المعنية إلى اتخاذ مواقف أكثر تصلبا.

وأكدت مصادر مطلعة أن الوضع في المنطقة الأمنية سيظل تحت المراقبة الدولية مع استمرار الضغط على جميع الأطراف لاحترام القواعد والمعاهدات الدولية. 

وطالبت هذه المصادر المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لمنع أي تصعيد إضافي من شأنه زعزعة استقرار المنطقة.

واستعرضت وسائل الإعلام المحلية والدولية هذا الملف بتغطيات مكثفة ألقت الضوء على تعقيدات الوضع الراهن بين إسرائيل ولبنان. 

وأبرزت التغطيات أيضًا العوامل الإقليمية التي تلعب دورا في تشكيل المواقف والسياسات حيال هذا النزاع المستمر.

وشدد الخبراء الأمنيون في مقالاتهم وتحليلاتهم على أهمية خفض التصعيد من جانب الدول الفاعلة في النزاع، مؤكدين أن لغة الحوار والتفاوض تظل السبيل الوحيد لتجنب كارثة محققة. 

وحث الخبراء الأطراف المتنازعة على الالتزام بالحوار البناء لإيجاد حلول تنهي التوتر القائم.

تصريحات متضاربة

وانطلقت تصريحات متضاربة من مختلف القوى السياسية حول تأثير التدخلات الدولية في هذا الملف، حيث رأى البعض أن الدعم الأمريكي يعكس ازدواجية المعايير، بينما اعتقد آخرون أنه مرتبط بمصالح استراتيجية معقدة تتجاوز حدود جنوب لبنان.

وتصاعدت الدعوات الشعبية داخل لبنان لمحاسبة كافة الأطراف التي تسعى للتطبيع مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجزء الجنوبي من البلاد. 

وجدد المواطنون تأكيدهم على رفضهم القاطع لأي وجود أجنبي ينتهك سيادة أراضي البلاد واستقلالها.

وطرحت بعض التحليلات سيناريوهات مستقبلية متوقعة للتطورات في جنوب لبنان. 

وتوقعت السيناريوهات احتمالية ضغط أكبر من قبل المجتمع الدولي على إسرائيل لسحب قواتها في حال تصاعد الضغط الشعبي والسياسي داخل وخارج الحدود اللبنانية.

وألقت الأحداث الجارية بتبعاتها على المشهد الداخلي في كلا الدولتين، ما يزيد من تعقيد العلاقات وتداخل المصالح بين الأطراف. 

ورصدت تقارير تحليلية مواقف جديدة تتبلور داخل الأحزاب والتيارات المعارضة في البلدين لمواجهة التحولات المتسارعة.

ورصدت اجتماعات دبلوماسية مكثفة خلال الأيام الماضية بين ممثلين دوليين لبحث تداعيات الأزمة وضمان استمرارية الاستقرار الإقليمي. 

مقالات مشابهة

  • تصعيد خطير على الحدود .. حزب الله يدك مقرًا لجيش الاحتلال الإسرائيلي بقصف صاروخي
  • الأمين العام لمجلس التعاون: استمرار انتهاكات المستوطنين للمسجد الأقصى أمر مرفوض ومدان دوليًّا
  • مجلس التعاون يدين استمرار انتهاكات المستوطنين للمسجد الأقصى
  • هيئة البث العبرية: أمريكا تدعم استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في لبنان
  • حكومة الاحتلال تغذي إرهاب المستوطنين وآن عقابها
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • "سانا": قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل في ريف القنيطرة الجنوبي
  • شهيد و4 إصابات جراء استهداف الاحتلال الإسرائيلي مركبة شرق دير البلح
  • غارات إسرائيلية عنيفة على أكثر من 10 بلدات في الجنوب اللبناني
  • قوات الاحتلال تهدم منشأة فلسطينية قرب باب العامود بمدينة القدس