الحمّى الشوكية تنتشر بصمت.. خطر قاتل يهدد أطفال اليمن!
تاريخ النشر: 2nd, December 2025 GMT
انضم إلى قناتنا على واتساب
شمسان بوست / العربي الجديد
باتت بيئة اليمن موبوءة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها، مثل الحمى الشوكية، حال إصلاح المنظومة الصحية المنهارة في البلد الذي يعيش تداعيات الحرب منذ أكثر من عشر سنوات، بالتزامن مع شح اللقاحات، وحظرها في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم نحو 75% من سكان البلاد، فضلاً عن موجات النزوح المتكررة، ونقص الغذاء، وصعوبة الحصول على مياه الشرب النظيفة، وانعدام خدمات الصرف الصحي.
في مستشفى ابن خلدون بمدينة الحوطة بمحافظة لحج (جنوب غرب)، كان الطفل أنيس عثمان (7 سنوات) يتلقى الرعاية الطبية منذ إصابته بالحمى الشوكية، ويقول والده لـ”العربي الجديد”: “كنت أعتقد أنها حمى عادية، وستزول بعد يوم أو يومين، لكننا لاحظنا وجود أعراض أشعرتنا بالقلق، إذ كان يعاني من صداع وتصلب في الرقبة وانزعاج كبير من الضوء، مع رغبة دائمة بالنوم. في البداية أعطيناه خافضاً للحرارة ومهدئات، لكن حالته لم تتحسن، ما جعلني أنقله إلى المستشفى، إذ أجرى له الأطباء الفحوص اللازمة، وشخصوه بالحمى الشوكية، وأكدوا أن المرض منتشر في الفترة الأخيرة”.
والحمى الشوكية، أو التهاب السحايا، هو التهاب الأغشية المحيطة بالمخ والحبل الشوكي، وينقسم إلى أشكال جرثومية، وفيروسية، وفطرية، وبعض أشكال المرض يمكن أن تسبب الوفاة، أو تصيب الناجين بإعاقات مستديمة، من بينها الصمم، أو الإعاقة العقلية، أو الشلل الجزئي.
ويقول مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، لـ”العربي الجديد”، إن “التهاب السحايا من بين الأمراض التي تنتشر في اليمن عامةً، وسُجِّلت 26 وفاة في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، إضافة إلى 1232 إصابة، وتُعدّ تعز من بين المحافظات التي ينتشر فيها المرض؛ وتشير الإحصائيات إلى وجود 919 إصابة في تعز، أي أكثر من 70% من الحالات المسجَّلة في محافظات الحكومة الشرعية. لكن نسبة الوفيات قليلة؛ إذ لم تُسجَّل إلا وفاة واحدة من بين كل الإصابات، وهذا مؤشر إيجابي”.
ويضيف السامعي: “سُجِّلت 6 وفيات في كل من محافظتَي لحج وأبين، رغم أن عدد الإصابات قليل، وربما يشير ذلك إلى ضعف الخدمات الصحية، أو التأخر في الإبلاغ عن الإصابات، والتي تصل متأخرة فلا يمكن إنقاذها، ويعود هذا إلى عدة عوامل، من بينها قلة الوعي لدى الناس، أو عدم معرفتهم بالمرض، والذي يمكن الوقاية منه، خاصة النوع البكتيري، من خلال التلقيح، ويعتبر ضعف تغطية التلقيح سبب في زيادة أعداد الإصابات”. ويتابع: “المشكلة أن هذا الوضع القائم في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، ما يعني أن الكارثة أكبر في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث لا توجد فرق ترصّد أو إنذار مبكر أو إحصائيات لمعرفة عدد الإصابات، كما أن الخدمات الصحية تعاني قصوراً شديداً، ويصعب الحصول على أي بيانات، إضافة إلى توقّف كثير من خدمات الرعاية الصحية الأولية”.
وحسب إحصائية خاصة بالمستشفى السويدي للطفولة والأمومة في تعز، فإن عدد المصابين بالحمى الشوكية الذين استقبلتهم المستشفى منذ بداية العام حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بلغ 775 مصاباً، وكان شهر يوليو/ تموز الماضي هو الأكبر في عدد الحالات، والتي بلغت 125 إصابة، بينما سجل العدد الأقل في شهر فبراير/ شباط، وكان 52 إصابة.
يعمل الطبيب محمد عبدالعزيز النقيب، في مركز 22 مايو الطبي بريف تعز، ويقول لـ”العربي الجديد”، إن “مرض الحمى الشوكية منتشر حالياً في عدد من مناطق اليمن، وتزداد أعداد الإصابات عادة في فترة نهاية فصل الصيف وبداية الخريف، وهو مرض ينتقل عبر العدوى الفيروسية أو البكتيرية أو الطفيلية أو الفطرية، ويمكن أن تحصل العدوى عبر السعال، أو العطس، ويتفاقم مع ضعف المناعة، وهو يصيب مختلف الأعمار، لكنه يصيب الأطفال بشكل أكبر، خاصة من يعيشون في بيئة غير صحية، والأطفال الذين لم يأخذوا اللقاحات أكثر عرضة للإصابة”.
ويؤكد الطبيب النقيب أن “الحمى الشوكية يمكن أن تسبب مضاعفات دائمة للمريض في حال عدم تلقي العلاج في الوقت المناسب، وتكمن الخطورة في قلة وعي الأهالي، والذين يستمرون في منح المريض أدوية الحمى العادية والمهدئات من دون استيعاب مخاطر عدم إسعافه إلى المستشفى، وهذا التأخير في إسعاف المريض يفاقم حالته الصحية، وقد يسبب الوفاة”.
في العاصمة صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثيين، ينتشر مرض الحمى الشوكية بشكل واسع، وتستقبل المستشفيات والمراكز الطبية حالات يومية، لكن لا توجد إحصائيات رسمية حول عدد المصابين نتيجة التعتيم الذي يفرضه الحوثيون.
أصيبت الرضيعة ريم بالحمى الشوكية، وكادت أن تفقد حياتها لولا أنه جرى إسعافها إلى إحدى مستشفيات صنعاء، حيث مكثت لمدة أسبوعين نتيجة سوء حالتها الصحية، ثم تماثلت للشفاء. يقول والدها لـ”العربي الجديد”: “رغم أنها طفلتي الوحيدة، إلا أنني صدقت الرواية الرسمية التي تفيد بأن اللقاحات عبارة عن مؤامرة صهيونية أميركية، وتهدف إلى نشر الأمراض بين أبنائنا، وكانوا يقنعونني أن أفراد الأجيال السابقة لم يعرفوا هذه اللقاحات، وعاشوا بصحة جيدة، ولذا لم أحاول أن أحصل على اللقاحات الخاصة بابنتي كما يفعل بعض الآباء عبر جلبها من مناطق الحكومة الشرعية”.
ويضيف الأب: “قبل دخول ابنتي عامها الثاني بشهر واحد، فوجئت بمرضها، إذ أصيبت بحمى مصحوبة برفضها للرضاعة، والبكاء بشكل دائم، مع أنين وتشنجات غير طبيعية، إضافة إلى سرعة في التنفس، وأمام وضعها الحرج، بادرت بإسعافها إلى إحدى مستشفيات صنعاء، حيث أخبرني الطبيب أنها مصابة بالحمى الشوكية، ولا بد من إدخالها إلى قسم الرقود من أجل الحصول على عناية طبية خاصة. عشت حالة من القلق على صحة ابنتي، وبعد أسبوعين تماثلت للشفاء، وأخبرني الطبيب أن السبب الرئيسي لإصابتها هو عدم أخذها اللقاحات”.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن مرض الحمى الشوكية قد يكون مُعدياً أو غير معدٍ، ويرتبط بارتفاع مخاطر الوفاة، أو مضاعفات طويلة الأمد، ويتطلب رعاية طبية عاجلة، ويُعد التهاب السحايا البكتيري أخطر أنواع المرض، وهو يهدد الحياة، ويمكن أن يؤدي في كثير من الأحيان إلى عواقب صحية طويلة الأمد، وهناك أربعة مُمْرِضات رئيسية تسبب الإصابة بالتهاب السحايا البكتيري الحاد، وهي المكورة السحائية، والعقدية الرئوية، والمستدمية النزلية، والعقدية القاطعة للدُّر.
وتعمل منظمة الصحة العالمية على خطط وبرامج هادفة لمكافحة الحمى الشوكية، بهدف القضاء عليه بحلول عام 2030، ضمن استراتيجية تركز على عدة محاور رئيسية، تشمل الوقاية عبر التحصين، وتحسين التشخيص والعلاج السريع، وتعزيز رعاية المصابين ودعمهم، والحد من الإعاقات الناتجة عن المرض.
وتظهر التقديرات الأممية تراجعاً في تغطية لقاحات وحُزم صحية أساسية، إذ بلغت نسبة استكمال جرعات لقاح المكورات الرئوية (PcV3) نحو 45% في عام 2023، ما يعني أن نسبة كبيرة من الأطفال دون سن الخامسة لا يحصلون على حصانة كاملة ضد المسببات البكتيرية الرئيسية للحمى الشوكية.
المصدر
المصدر: شمسان بوست
كلمات دلالية: لـ العربی الجدید التهاب السحایا بالحمى الشوکیة فی مناطق سیطرة الحمى الشوکیة یمکن أن من بین
إقرأ أيضاً:
تسونامي يهدد المتوسط.. أمواج مدمرة تضرب السواحل خلال العقود المقبلة| ما القصة ؟
رغم الاعتقاد السائد لسنوات طويلة، بأن البحر الأبيض المتوسط بعيدا عن مخاطر أمواج التسونامي الكبرى، فإن تحذيرات علمية وأممية حديثة تكشف واقعا مختلفا، وتؤكد أن المنطقة تواجه خطرا حقيقيًا قد يتحقق خلال العقود المقبلة، ما يفرض تعزيز أنظمة الإنذار المبكر ورفع جاهزية المجتمعات الساحلية.
وأعلنت منظمة اليونسكو في وقت سابق، أن احتمالية حدوث موجة تسونامي بارتفاع متر واحد على الأقل في البحر الأبيض المتوسط خلال الثلاثين عاما المقبلة تصل إلى 100%، في مؤشر يعكس حجم التهديد الذي يواجه ملايين السكان على امتداد السواحل المتوسطية.
ويُعد البحر الأبيض المتوسط ، ثاني أكثر الأحواض البحرية في العالم تعرضا لأحداث التسونامي التاريخية بعد المحيط الهادئ، إذ سجلت سجلات الرصد عشرات الحوادث التي تسببت في أضرار بشرية ومادية كبيرة عبر القرون.
الريفييرا الفرنسية تحت المجهرأظهرت دراسة بحثية حديثة أجريت في مدينة نيس وعلى طول الساحل الجنوبي لفرنسا أن أمواج تسونامي ضربت المنطقة بالفعل في مناسبات عديدة، وأن تكرار هذه الظاهرة مستقبلاً أمر وارد.
ووفق البيانات التاريخية، شهدت منطقة الريفييرا الفرنسية نحو عشرين حادثة تسونامي منذ القرن السادس عشر، تجاوز ارتفاع الأمواج فيها مترين في العديد من الحالات، ما يؤكد أن الخطر ليس نظريًا بل موثقًا بالأدلة والسجلات.
دقائق قليلة قد تصنع الفارقيحذر الخبراء من أن بعض موجات التسونامي في المتوسط قد تصل إلى الشواطئ خلال أقل من عشر دقائق فقط من وقوع الزلزال أو الانهيار الأرضي تحت سطح البحر، خاصة إذا وقع الحدث بالقرب من السواحل.
أما التسونامي القادم من مناطق أبعد، مثل السواحل الشمالية لإفريقيا، فقد يصل إلى جنوب فرنسا خلال أقل من ساعة ونصف، وهو ما يمنح السلطات وقتًا محدودًا للغاية لاتخاذ إجراءات الإخلاء والإنقاذ.
زلزال الجزائر مثال على الخطر العابر للحدودفي 21 مايو 2003، تسبب زلزال بومرداس في الجزائر في اضطرابات بحرية امتدت إلى السواحل الفرنسية، حيث رُصدت تغيرات كبيرة في مستويات المياه داخل الموانئ وظهرت تيارات قوية ودوامات بحرية تسببت في أضرار للقوارب والمنشآت الساحلية.
وأظهرت التحقيقات الميدانية آنذاك انخفاضا ملحوظا في مستوى المياه ببعض المرافئ تراوح بين نصف متر ومتر ونصف المتر، وهي من العلامات التقليدية المرتبطة بظاهرة التسونامي.
تسونامي نيس كارثة لا تُنسىمن أبرز الحوادث التي شهدتها المنطقة تسونامي نيس عام 1979، والذي نتج عن انهيار جزء من مشروع إنشاء الميناء التجاري الجديد بالقرب من مطار المدينة.
وأدى الحادث إلى مصرع ثمانية أشخاص وإلحاق أضرار واسعة بالمناطق الساحلية المجاورة، في واحدة من أكثر كوارث التسونامي المحلية شهرة في أوروبا الحديثة.
سيناريو تاريخي قد يتكررتشير السجلات التاريخية إلى وقوع تسونامي آخر في بحر ليغوريا عام 1887 عقب زلزال قوي تراوحت شدته بين 6.5 و6.8 درجات.
وشهدت مدن الساحل الفرنسي آنذاك انحسارًا مفاجئًا لمياه البحر قبل أن تعقب ذلك موجة بلغ ارتفاعها نحو مترين، وهي الظاهرة التي يعتبرها العلماء أحد أبرز المؤشرات التحذيرية لاقتراب التسونامي.
أنظمة الإنذار المبكر خط الدفاع الأولتمتلك فرنسا منذ عام 2012 نظامًا وطنيًا للإنذار بالتسونامي يعمل بالتنسيق مع الشبكة الدولية التابعة لليونسكو، حيث يتيح رصد الزلازل البحرية وإرسال التحذيرات خلال أقل من 15 دقيقة.
ومع ذلك، يؤكد المختصون أن فعالية هذه الأنظمة تبقى محدودة في حالات التسونامي المحلي السريع، حيث قد تصل الأمواج إلى الساحل قبل صدور التحذيرات الرسمية، ما يجعل التوعية المجتمعية عنصرًا أساسيًا في تقليل الخسائر.
كيف تتشكل أمواج التسونامي؟تنشأ أمواج التسونامي نتيجة الزلازل البحرية أو الانهيارات الأرضية تحت الماء أو الثورات البركانية، وتتحرك بسرعات هائلة عبر مسافات طويلة قبل أن تتحول قرب السواحل إلى فيضانات مفاجئة وتيارات مدمرة.
وقد يتراوح ارتفاع هذه الأمواج بين بضعة سنتيمترات وعدة أمتار، بينما تصل قوة الضغط الناتجة عنها إلى أطنان عدة لكل متر مربع، ما يجعلها من أكثر الظواهر الطبيعية تدميرًا للبنية التحتية الساحلية.
كوارث حصدت ربع مليون ضحيةمنذ عام 1970، تسببت موجات التسونامي حول العالم في وفاة أكثر من 250 ألف شخص، وكان أبرزها تسونامي المحيط الهندي عام 2004 الذي أودى بحياة مئات الآلاف، إضافة إلى كارثة اليابان عام 2011 التي خلفت خسائر بشرية واقتصادية هائلة.
وتؤكد هذه الأرقام أن الاستعداد المبكر والتوعية المجتمعية يظلان السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة أحد أخطر التهديدات الطبيعية التي قد تواجه السواحل المتوسطية خلال السنوات المقبلة.