كاسبرسكي: فجوة معرفية خطيرة تهدد أمن المؤسسات في مصر بسبب ضعف تدريب الموظفين
تاريخ النشر: 4th, December 2025 GMT
كشف استطلاع حديث صادر عن شركة كاسبرسكي بعنوان الأمن السيبراني في أماكن العمل: سلوكيات الموظفين ومعارفهم عن واقع مقلق يتعلق بمستوى الوعي الرقمي بين الموظفين في مصر.
فبحسب نتائج الاستطلاع، لم يتلقَ سوى 46% من الموظفين أي نوع من التدريب على التهديدات الرقمية، ما يشير إلى فجوة كبيرة في الثقافة الأمنية داخل قطاعات العمل المختلفة، ويعزز من هشاشة المؤسسات أمام هجمات تعتمد غالبًا على خطأ بشري بسيط.
ويُجمع الخبراء على أن العنصر البشري يمثل الحلقة الأضعف في دفاعات الأمن السيبراني، إذ تُستغل الثغرات السلوكية والمعرفية للموظفين من خلال أساليب خداع متطورة، أبرزها مخططات الهندسة الاجتماعية، ورسائل التصيد الاحتيالي، والروابط المزيفة التي تستغل عامل الثقة والإلحاح لدفع الموظف إلى مشاركة بيانات حساسة أو الموافقة على معاملات احتيالية دون قصد.
وبحسب الاستطلاع، فإن 43% من المشاركين تعرضوا خلال العام الماضي لمحاولات احتيال تنكرت على شكل رسائل من مؤسساتهم أو مورّدين أو حتى زملاء داخل بيئة العمل.
ولم تتوقف المشكلة عند حدود التعرض لمحاولة احتيال، إذ واجه 16.5% منهم عواقب حقيقية بعد تفاعلهم مع هذه الرسائل، ما يعكس خطورة نقص الوعي الرقمي في مؤسسات تعتمد اعتمادًا دائمًا على البيانات والتقنيات المتصلة بالإنترنت.
وتشمل الأخطاء الشائعة التي تنتج عن ضعف المعرفة الأمنية استخدام كلمات مرور ضعيفة أو مكررة، وتسريب بيانات حساسة دون قصد، وعدم تحديث الأنظمة والتطبيقات، إضافة إلى استخدام أجهزة غير مؤمنة أو غير مشفرة، وهي جميعها أبواب مفتوحة أمام الاختراقات الرقمية التي قد تهدد استمرارية العمل وسلامة البيانات.
ورغم هذه التحديات، يكشف الاستطلاع أيضًا استعدادًا واضحًا لدى الموظفين لتعلم المهارات الرقمية اللازمة لحماية أنفسهم ومؤسساتهم، فقد أقر 13.5% من المشاركين بارتكابهم أخطاء تقنية بسبب نقص المعرفة، كما أكّد 60% منهم أن التدريب العملي هو الوسيلة الأكثر فاعلية لتحسين مستويات الوعي الأمني، مقارنة بالوسائل الأخرى مثل القصص التوعوية أو التذكير بالعواقب القانونية.
أما عند سؤال المشاركين عن أنواع التدريب الأكثر أهمية بالنسبة لهم، فقد جاءت حماية بيانات العمل السرية في مقدمة اهتماماتهم بنسبة 41%. تلتها موضوعات أمن الحسابات وكلمات المرور بنسبة 39%، وأمن المواقع والإنترنت بنسبة 35%، ثم الأمن المتعلق بالأجهزة المحمولة، وشبكات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني.
كما أبدى 17.5% استعدادهم للخضوع لكل أشكال التدريب المتاحة، ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن السيبراني لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحّة.
وتشير كاسبرسكي في تقريرها إلى أن التدريب يجب ألا يكون مجرد جلسة نظرية، بل منظومة مستمرة تعتمد على المحتوى التفاعلي والمواقف العملية، وتتناسب مع طبيعة مهام كل موظف ومستوى خبرته التقنية. فالمعرفة الأمنية، كما يوضح التقرير، يجب أن تتحول إلى ممارسة يومية حتى تصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة، وليس مجرد إجراء شكلي.
وفي هذا السياق، قال راشد المومني، المدير العام لكاسبرسكي في منطقة الشرق الأوسط، إن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية قسم تكنولوجيا المعلومات وحده، مضيفًا أن بناء مؤسسة منيعة يبدأ من تمكين كل موظف بالمهارات الضرورية لاكتشاف الاحتيال وتفادي الأخطاء المكلفة وحماية البيانات.
ويقدم التقرير مجموعة من التوصيات التي ينبغي للمؤسسات اتباعها لتعزيز دفاعاتها الرقمية، أبرزها اعتماد حلول مراقبة وحماية مثل سلسلة Kaspersky Next، وتوفير برامج تدريبية دورية للموظفين عبر منصات متخصصة. كما يدعو إلى تطبيق سياسات واضحة لاستخدام كلمات المرور وبرامج العمل وتجزئة الشبكات، إلى جانب ترسيخ ثقافة الإبلاغ والمكافأة للسلوكيات الأمنية الجيدة.
ويخلص التقرير إلى أن الاستثمار في تدريب الموظفين ليس مجرد خطوة وقائية، بل استراتيجية حقيقية لتحويل العاملين من نقاط ضعف محتملة إلى خط دفاع أول قادر على التصدي بوعي واحترافية للتهديدات السيبرانية المتزايدة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الأمن السیبرانی
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني