اليمن عند مفترق طرق: خارطة طريق معطلة وانقسامات داخلية تعمّق الأزمة
تاريخ النشر: 6th, December 2025 GMT
الدوحة– بعد تحول الأزمة اليمنية من صراع حول السلطة إلى معضلة إقليمية، كشف مسؤولون يمنيون وخبراء عن تعثر كامل لخارطة الطريق التي كان من المفترض أن تقود البلاد نحو السلام، في ظل انعدام شبه كامل للثقة بين الأطراف المتصارعة وتآكل الجهود الدولية لحل النزاع.
وأكد المتحدثون أن غياب شريك حقيقي للتفاوض، إلى جانب التعامل مع نتائج الأزمة بدلا من أسبابها البنيوية العميقة، يدفعان اليمن نحو مزيد من التعقيد والتشظي، خاصة مع التطورات الأخيرة في المناطق الشرقية من البلاد التي أظهرت تصدعات داخل معسكر الشرعية نفسه.
وحذروا من أن الانخراط الدولي الذي يركز فقط على البعد الأمني من دون فهم عميق لطبيعة الصراع اليمني لن يقود إلى حلول مستدامة، مشددين على أن أمن اليمن يشكل جزءا لا يتجزأ من أمن المنطقة بأسرها.
جاءت هذه التصريحات خلال جلسة متخصصة حول اليمن عقدها منتدى الدوحة في نسخته الـ23 بالشراكة مع مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، تحت عنوان "اليمن عند مفترق طرق"، وشارك فيها وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني شايع الزنداني، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، ورئيس مركز دراسات الخليج الدكتور عبد العزيز الصقر.
ورغم مرور عامين على الحديث عن خارطة طريق للسلام في اليمن، فإن الواقع يكشف عن تعطل كامل لهذا المسار، في ظل غياب شريك حقيقي للتفاوض وفقا لما أكده وزير الخارجية اليمني، مبينا أن الحكومة وافقت على خارطة الطريق التي توصل إليها الوسطاء في السعودية وسلطنة عمان، مشيرا إلى أن "مجلس القيادة الرئاسي وافق عليها نتيجة جهود الأشقاء في المملكة وسلطنة عمان"، لكنه أضاف أن "المليشيات الحوثية لم تستفد من هذه الاتفاقية وقامت بالتصعيد".
إعلانوشدد الزنداني على أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة الطرف الآخر، متسائلا: هل الحوثيون لديهم استعداد للسلام؟ وما برنامجهم السياسي؟ وما رؤيتهم للدولة اليمنية؟" موضحا أن "كيفية التعامل مع جماعات تعتقد أن لها الحق الإلهي في الحكم وأن الله اصطفاهم على بقية أبناء الشعب اليمني لكي يديروهم بجانب أيديولوجي" تمثل تحديا جوهريا.
وأكد الوزير اليمني أن الحكومة شكلت فريق مفاوضات منذ سنتين أو ثلاث، مشددا على أن "الفريق موجود ولدينا القدرات والإمكانيات والكفاءات القادرة على التعامل مع كل الظروف المتعلقة بالتفاوض"، لكنه استدرك: "المشكلة أننا لا نجد شريكا أساسا للتفاوض".
وانتقد الزنداني التعامل الدولي مع الأزمة اليمنية، مؤكدا أن "العالم حتى الآن لم يفهم اليمن بما يكفي ولم يشخص جوهر المشكلة الموجودة"، مشيرا إلى أن قرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار 2216، لم تُنفذ بالشكل المطلوب".
تآكل الثقة وضرورة الانخراط الدولي الشاملوفي تشخيص دقيق للواقع اليمني الراهن، أقر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بأن "أكبر ضرر شهدناه خلال العامين ونصف الماضيين هو تآكل كامل للثقة"، مضيفا أن "مستوى الثقة داخل اليمن، وأيضا من المنطقة ومن المجتمع الدولي، قد انخفض إلى أدنى مستوى على الإطلاق لأي حل للصراع".
وشدد غروندبرغ على ضرورة بناء أي تسوية مستقبلية على "حلول قابلة للقياس والتحقق"، وأضاف أن "الوضع الحالي وكيفية الحلول يجب تعريفها بطريقة مختلفة قليلا عن تلك التي كانت في سبتمبر/أيلول 2023، حيث كان هناك مستوى أكبر من الأمل".
ودعا المبعوث الأممي المجتمع الدولي إلى "التأكد من البقاء منخرطا في الشأن اليمني"، محذرا من أن "الانخراط يجب ألا يركز فقط على المنظور الأمني"، مؤكدا أن "اليمن بحاجة إلى نهج شامل يتطلب انخراطا جادا من المجتمع الدولي، ويتجاوز بكثير مجرد مفهوم الحرب بالوكالة أو الإرهاب أو انعدام الأمن في البحر الأحمر".
وأكد غروندبرغ ضرورة فهم اليمن بعمق قبل تقديم الحلول، قائلا "عليك أن تفهم اليمن، وهذا ليس بالأمر السهل. أي شخص هنا يعرف اليمن أو يتابع شؤونه يعرف أن اليمن بلد غني ومعقد، وقد عانى من صراعات منذ فترة طويلة حتى قبل أن تبدأ الحروب". ووصل إلى خلاصة مفادها "في النهاية، لا يمكن حل أزمة اليمن إلا بواسطة اليمنيين أنفسهم، وهذه هي القاعدة الأساسية".
التدخلات الخارجية والمصالح الخاصةمن جانبه، قدم رئيس مركز دراسات الخليج عبد العزيز الصقر قراءة نقدية للتدخلات الدولية في الملف اليمني، مشككا في فعالية تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية من قبل الولايات المتحدة. وقال "الولايات المتحدة وضعت الحوثيين في قائمة الإرهاب في المرة الأولى، ثم جاء رئيس آخر وأزالها"، مضيفا أن "العمليات العسكرية سواء الأميركية أو البريطانية أو الإسرائيلية كانت لها أهداف محددة لديها، ولم تكن لأهداف تغيير النظام في اليمن".
وأشار الصقر إلى تباين المواقف الإقليمية تجاه الأزمة اليمنية، موضحا أنه "حينما تطغى المصلحة الوطنية أو القُطرية على المصلحة الإقليمية ربما يختلف القرار هنا". وأضاف أن المملكة العربية السعودية "حرصت على ألا يكون هنالك تصعيد عسكري وأن يظل الحوار السياسي بين الفصائل"، موضحا أن "أي تصعيد عسكري سوف يدفع ثمنه اليمن".
إعلانوشدد الصقر على أن "الدور الخارجي لن يؤثر في تغيير الوضع في اليمن، لا سيما البريطاني والإسرائيلي والأميركي"، مؤكدا أن "ما سوف يغير في اليمن هو إما من الداخل أو القوى الإقليمية". وحذر من أن "الجماعات المسلحة غير الحكومية خطورتها في الوطن العربي كبيرة، ورأيناها في العراق وفي أماكن أخرى".
وختم الصقر بالتأكيد على أن "أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، ومن دون وجود يمن آمن مستقر سواء على الحدود البرية للسعودية أو عمان أو الحدود البحرية، بالتأكيد تأثيره يكون بشكل كبير على كل المنطقة".
وفي مداخلة ضمن الجلسة نفسها، قال عضو المجلس الرئاسي اليمني عبد الله العليمي إن الحكومة الشرعية "تعرضت لمحطات واهتزازات معينة"، مشيرا إلى أحداث 2018 و2019 و2020، وما حصل بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بنحو 4 أشهر في شبوة، وصولا إلى الأحداث الأخيرة في حضرموت في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وأكد العليمي أن "هناك قاسما مشتركا للجميع هو أنهم يقفون على أرضية واحدة في الموقف فيما يتعلق بالحوثي"، موضحا أن "كل المكونات السياسية تقف على أرضية صلبة فيما يتعلق بالموقف من الحوثي" باعتباره "تهديدا وجوديا حقيقيا للدولة".
وأضاف أن "هذا الفهم هو واحد من العوامل التي تساعد على حلحلة بعض النتوءات أو التجنحات التي حصلت في مسيرة الشرعية".
وشدد عضو المجلس الرئاسي على أن "المبدأ الذي لدينا لا يمكن أن ندعم أو نقف مع أي طرف من أطراف الشرعية يريد أن يستولي بالقوة أو يحتكم إلى لغة السلاح في فرض توسع في أي مكان"، مؤكدا أن "الأشقاء في المملكة العربية السعودية بذلوا جهود كبيرة جدا وهم اليوم لا زالوا داخل حضرموت يعملون على ترميم ما تم"، كما أن "الأشقاء في الإمارات أيضا هناك تواصُل ودور إيجابي في المرحلة هذه".
يُذكر أن منتدى الدوحة يُعقد في نسخته الـ23 تحت شعار "ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس"، ويحتضن فندق شيراتون الدوحة على مدار يومي السبت والأحد جلسات المنتدى بمشاركة زعماء ومسؤولين من عدد من الدول.
ويشارك في المنتدى أكثر من 6 آلاف شخص، و471 متحدثا من نحو 160 دولة، لمناقشة قضايا محورية تشمل الأمن الغذائي والطاقة والتغير المناخي والذكاء الاصطناعي والنزاعات الإقليمية، في إطار سعي المنتدى لتحويل النقاشات النظرية إلى حلول عملية قابلة للتطبيق.
ويُعد المنتدى منصة عالمية رفيعة المستوى تجمع قادة العالم وصناع القرار والخبراء لمناقشة أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات المجتمع الدولی فی الیمن موضحا أن مؤکدا أن على أن
إقرأ أيضاً:
طريق الخروج (2)
خرجنا من المقال الأول ضمن هذه السلسلة بحزمتين من الأسئلة المهمة؛ أولها تعريف وتحديد الموقف الراهن بدقة: هل هو وضع مؤقت يمكن معالجته؟ أم هو وضع مستمر أو قابل للاستمرارية من الصعب أو من المستحيل علاجه؟
واليوم نحاول الإجابة بكثير من الدقة والتفاصيل التي تقربنا من الحقيقة دون تهويل أو تهوين:
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن، بل إن كافة المؤشرات تبين أن الوضع في تدهور وأن حالة الانسداد الاقتصادي (متلازمة القروض وفوائد الديون- بلغت تريليوني جنيه في 10 أشهر فقط) ترافقها كالظل حالة انسداد سياسي (زيادة أعداد المعتقلين وليس كما يظن البعض أن العدد يتناقص)، وحالة انسداد اجتماعي ومجتمعي وثقافي، فأصبح الوضع كما لو كان ظلمات بعضها فوق بعض.
فالوضع السياسي يمكن تلخيصه في الحكم الاستبدادي الذي لا يراه الحاكم هكذا، ويلوم ويعاقب كل من يراه هكذا، بينما العالم كله يدرك هذه الحقيقة. وهذا التصور الاستبدادي ينعكس على الوضع الاقتصادي، فجل القرارات الاقتصادية أو كلها يتخذها شخص واحد لا يرى فائدة من دراسات الجدوى وبالتالي "لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد". وهذا يختصر لك حقيقة المشهد، إذ أننا لسنا أمام ممارسة سياسية تعتريها بعض الأخطاء، بل أمام اعتقاد سياسي بأن ما يقوم به الجنرال مؤيد من الله ومحصن ضد الخطأ والنسيان؛ ولِمَ لا والرجل يرى أنه يتحدث مع الله وأن الله يكلمه ومصر تناديه وتخاطبه وهو يقظ منتبه وليس في المنام، ويرى أن الله اختصه بالبركة فجرت مياه النيل وخرجت الحيتان من البحار والمحيطات لتطعم الشعب بفضل الحاكم (رغم ارتفاع أسعار الأسماك في بلد يبلغ طول شواطئها على البحرين الأبيض والمتوسط 3200 كم، ناهيك عن النيل 1530 كم والبحيرات).
الوضع الراهن ليس وضعا مؤقتا طارئا يمكن تجاوزه بطريقة أو بأخرى، إذ إنه وبمرور الوقت تتراكم السلبيات وليس في الأفق أي ضوء ممكن أو بارقة أمل في تغيير هذا الوضع الراهن
قد يقول قائل: لقد مر على مصر حكام مستبدون وتغيرت الأوضاع بعد زوالهم، وهذا صحيح مع فارق جوهري وهو أن الجنرال الحاكم اليوم يعبث بالهوية المصرية، ويرى أن حصول الشعب على تعليم جيد أمر يحمل مخاطر كبيرة على السلطة والدولة، لأنه يرى السلطة هي الأصل ويرى أن الشعب نفسه هو الحالة الطارئة التي يجب تغييرها كما صرح غير مرة بإعجابه بنموذج الصين، خصوصا فكرة الحزب الشيوعي الذي قدم له التهنئة في عام 2021 بالقول: "أتوجه لكم ومن خلالكم إلى الشعب الصينى الصديق بكل التهانى بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، ذلك الصرح السياسي العظيم الذي قاد الصين بنجاح، فأمّن له الاستقلال التام وأقام هيكلا للدولة الصينية الحديثة عام 1949". كما مدح تجربة الصين في التخلص من مائتي مليون من المواطنين من أجل إنشاء جيل جديد على المقاس، وهنا تكمن الخطورة، فبينما نتحدث عادة عن أن الحاكم بالضرورة هو "الطارئ أو المؤقت" بينما الشعب هو "القائم- الدائم" إذا بجنرال مصر يرى الشعب حالة طارئة والحاكم هو الحالة المستمرة؛ إن لم يكن جسدا ففكرة وعقيدة.
هذه الحالة المستعصية والمسيطرة على رأس الجنرال وطريقة تفكيره تدفعني وغيري إلى القول بأنه لو بقي هذا الرجل وتمكن من تكوين فريق من المحيطين به فسوف يتحول الوضع المؤقت إلى وضع دائم، يتم فيه التحكم بالشعب عن بعد كما يحاول اليوم من خلال مقر القيادة (يسمونه الكيان) في العاصمة الإدارية، وفكرة هذا المقر هي فكرة الخلود الأبدي على طريقة الحكام الفراعنة قديما، فالكيان الجديد أو مقر القيادة هو الأنبوب الذي يجب أن يمر من خلاله كل قيادات الجولة في الوقت الراهن ومستقبلا من خلال اختبارهم قبل اختيارهم. فعلى سبيل المثال، لا بد أن يخضع السلك القضائي برمته وأن يمر من هذا الأنبوب ويخضع لاختبارات وضعها الجنرال (الثقة والتبعية الكاملة والمطلقة)، ومن يرغب عن ذلك فقد خسر نفسه ووظيفته ولن يصعد ولن يرتقي في السلم القيادي ويكون عمره (التقني أو السياسي) قصير جدا، هذا إضافة الى المعلمين ورجال الأزهر الذين يتوجب عليهم تعلم الدين -وهم من هم- من ضباط الجيش على قلة علمهم وقلة دينهم وقلة فقههم، فالجيش ليس مؤسسة دينية ولا جامعة علمية، ولكن الغرض من كل ذلك هو إخضاع الأزهر الشريف لقيادة المركزية الجديدة (تشبه القيادة المركزية للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي أو الصين مثلا).
إذا كان الجنرال يرى أن الجيش أو أنه هو شخصيا يجب أن يكون هو وليس الأزهر مرجعا للدين والفقه والعلم الشرعي، وأن الجيش سيقوم بالتدريس لعلماء الأزهر وشيوخه ويمنحهم درجة أعلى من الدكتوراة، فهل هذا أم مؤقت أم أنه تأسيس لعالم جديد يسعى الجنرال لتشكيله ولو احتاج إلى وقت أطول؟ فالمهمة ليست قاصرة عليه من وجهة نظره، بل ربما يكون قد أعد العدة لأبنائه أو حوارييه الذين اصطفاهم لتلك المهمة التي يراها مقدسة.
وقد تقول إن تفكيرا مجنونا مثل هذا هو بالتأكيد تفكير مؤقت وبالتالي لا خوف على مصر ولا شك في قدرتها على تجاوزه، وهذا أيضا صحيح نسبيا، إذ إن الزمن ليس في صالح الشعب أبدا خصوصا وأن ما أسميها بالقضية المصرية لم تعد على قمة الأجندة الإقليمية أو الدولية، وأن التعب والنصب والإجهاد قد نال من الشعب المصري الذي يعاني في كل شيء ومن كل شيء. وهنا لا أتحدث عن السياسة، بل عن المعيشة والحياة اليومية الكارثية للمواطن الذي يبلغ دخله الشهري حوالي 122 دولارا بينما تبلغ قيمة إيجار الشقة الصغيرة ضعف أو ضعفي هذا الرقم!
هذا الشعب يتم إفقاره وتهميشه والقضاء عليه وفق خطة محكمة لقتله أو التخلص منه أو إخضاعه حتى يبلغ اليأس منه مبلغا ويدرك أنه لا قِبَل له بهذه السلطة ولا حيلة ولا سبيلا، وخصوصا والإعلام الرسمي يزيّن له الأمور ويمنّ عليه أنه يعيش في بلد بلا خيام، وهذه نعمة كبرى يحلم بها غيره من الشعوب، وعلى الرغم من أن شعوب بعض الدول التي تحارب تعيش أفضل من الشعب المصري وتعاني أقل منه، إلا أن الإعلام والجنرال لهما رأي آخر للأسف استطاعا ترويجه وإقناع الشعب المصري به.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير
الخطورة في الوضع الراهن أنه يقوم بحفر أساسات عميقة لفكرة مجنونة تتمثل في حكم الطائفة وهي الجيش في الحالة المصرية، وهي تشبه حكم العلويين في سوريا والبعثيين في العراق وحكم الأسر المالكة في الخليج العربي، إذ يرى الجنرال أن الجيش أو قادته من الجنرالات الموالين للحاكم هم أولى الناس بالحكم والملك معا، وهو -أي الجنرال- يتصرف بهذه الطريقة الملكية الحاكمة (يحكم ويملك)، وقد أوضحنا غير مرة أن رده على ما سُرب من بناء وتشييد القصور الكبيرة ورده الصادم على الأمر باعترافه وببجاحة منقطعة النظير: "أيوه أنا هعمل وهابني، أمال إيه انتو فاكرين إنكم هتخوفوني لما تقولوا لي كده، لا دا أنا هبني وأعمل قصور مش عشاني، ده عشان مصر". فالجنرال لا يرى أي رادع أو مانع لما يقوم به، ولمّا سئل عن الشعب قال إنه أمر ببناء مجمعات سجون حتى يتمتع المعتقلون خلف أسوارها، وطالب بهدم السجون القديمة لأنها لا تليق بأن يسكن الحاكم في قصور مشيدة بينما الشعب يُعتقل في سجون قديمة. هذه هي المقاربة التي يراها الجنرال حين ينظر للشعب المصري.
الخطوات التي يتخذها الجنرال السيسي ليست خطوات لبناء دولة حديثة ونقطة ومن أول السطر، بل بناء مملكته الخاصة التي تناسب نظرته للشعب الذي تجرأ وخرج عن الطوق وثار على الجنرالات في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وبالتالي فالحل من وجهة نظره ليس تغيير السياسات لضمان عدم تمرد الشعب مرة أخرى، بل تأديب الشعب حتى يخضع على طول المدى، وكما قال اللواء العصار أحد أركان انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 للدكتور عمرو دراج بعد الانقلاب مباشرة: "أنتم يا دكتور اللي عملتم انقلاب علينا وإحنا بنعيد الدولة لأصحابها".
نواصل البحث عن طريق الخروج في مقال قادم إن شاء الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.