استعرضت مجلة لوبوان وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، وقالت إنها تكشف رؤية صادمة لأوروبا التي تصورها حليفا في حالة تدهور حضاري يواجه انهيارا سياسيا وثقافيا واقتصاديا، ويحتاج إلى "صدمة علاجية" للإنقاذ.

وأشارت المجلة في افتتاحيتها إلى أن الأميركيين يخشون -حسب الإستراتيجية التي نُشرت قبل يومين على موقع البيت الأبيض- من اختفاء القارة العجوز ككيان ثقافي وسياسي متميز خلال عقدين أو ثلاثة، على أساس أن حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي انخفضت من 25% عام 1990 إلى 14% اليوم.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ليبراسيون: هذه هي الملفات السوداء لإيلون ماسكlist 2 of 2عائلة مليارديرات تدفع لإعادة صياغة السردية الأميركية دعما لإسرائيلend of list

وتتهم الإستراتيجية -حسب المجلة- المؤسسات الأوروبية -بما فيها الاتحاد الأوروبي والهيئات العابرة للحدود- بتقويض السيادة الوطنية والحرية السياسية، وترى أن سياسات الهجرة "تغير القارة وتنتج النزاعات"، كما تدين ما تصفه بانتشار الرقابة وتراجع حرية التعبير وانهيار معدلات المواليد وتلاشي الهوية الوطنية.

جيه دي فانس انتقد أوروبا في مؤتمر ميونخ للأمن (الفرنسية)

وتذهب الوثيقة -حسب المجلة الفرنسية- إلى حد التأكيد أن أوروبا ستكون "غير قابلة للتعرف" خلال 20 عاما إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مشيرة إلى خطاب لجيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي من منصة مؤتمر ميونخ للأمن انتقد فيه أوروبا بصورة لاذعة، ثم خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي.

لكن الأمر الأكثر حساسية يتعلق بأوكرانيا، إذ ترغب واشنطن في إنهاء الحرب بسرعة من أجل استعادة الشراكة مع روسيا، موجهة انتقادات حادة إلى ألمانيا التي قطعت العلاقات مع موسكو، مما زدا تبعيتها الاقتصادية، حسب الوثيقة.

وأخطر ما في الوثيقة -حسب المجلة- هو اتهامها الحكومات الأوروبية بخيانة شعوبها، زاعمة أن أغلبية الأوروبيين يريدون السلام في أوكرانيا، لكن هذا تمنعه حكومات أقلية غير مستقرة "تدوس المبادئ الديمقراطية الأساسية وتقمع المعارضة"، وبذلك تقدم واشنطن نفسها -حسب المجلة- مدافعا عن الإرادة الشعبية الأوروبية ضد "نخب فاسدة ومنفصلة عن شعوبها".

إعادة هيكلة شاملة

وتضع الوثيقة 7 أولويات لأوروبا تشمل إنهاء الحرب في أوكرانيا وفق شروط موسكو إذا لزم الأمر، وتعزيز قدرة أوروبا على الاعتماد على نفسها، ودعم الحركات المناهضة للنظام السياسي القائم، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأميركية، وتنمية "الأمم الصحية" في أوروبا الوسطى والشرقية والجنوبية، وإعادة تعريف دور حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتواؤم مع واشنطن في مواجهة الصين اقتصاديا وتقنيا وأمنيا.

الهدف النهائي لإدارة ترامب هو دفع أوروبا إلى أن تصبح مستعمرة أميركية تتخلى عن سيادتها وتخضع لسيطرة واشنطن، مع تقييد الهجرة وتشجيع القوى السياسية الوطنية ضد النخب الليبرالية

ويبدو للمجلة أن الهدف النهائي لإدارة ترامب هو دفع أوروبا إلى أن تصبح مستعمرة أميركية تتخلى عن سيادتها وتخضع لسيطرة واشنطن، مع تقييد الهجرة وتشجيع القوى السياسية الوطنية ضد النخب الليبرالية.

إعلان

ويختتم النص بمقارنة مع الولايات المتحدة، موضحا أن تطبيق نفس المعايير على أميركا نفسها سيكشف صورة قاتمة، من استقطاب سياسي يهدد الوحدة الوطنية، وعنف مسلح متفش، وتراجع في الحقوق المدنية والحريات، إلى حظر للكتب وتعليم التاريخ، وهجوم على حق النساء في الإنجاب، فضلا عن سياسات اقتصادية اتبعت فيها الشركات الأميركية نقل صناعاتها إلى الخارج 40 عاما قبل الانتباه إلى خطرها.

لكن الفرق الرئيسي -كما تقول المجلة- هو أن الحكومات الأوروبية لن تُصدر وثائق رسمية كهذه، ربما لأسباب دبلوماسية أو لإدراكها حجم تبعيتها للولايات المتحدة.

وخلصت المجلة إلى أن الوثيقة تقدم رؤية ترامبية لأوروبا، باعتبارها قارة متدهورة لكنها قابلة للإصلاح، وتحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لتصبح شريكا تابعا للولايات المتحدة، مع إعادة توزيع السلطة السياسية والاقتصادية وفق مصالح واشنطن، وتبنّي نهج متشدد ضد الهجرة، وتشجيع القوى الوطنية في مواجهة النخب الليبرالية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: دراسات شفافية غوث حريات حسب المجلة إلى أن

إقرأ أيضاً:

تخبّط واشنطن في الخليج يقودها إلى الغرق

كان من المفترض أن تكون مذكرة التفاهم استراتيجية خروج للرئيس ترامب من الحرب التي دفعه إليها نتنياهو. فبعد أن عجزت الحرب عن إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام، بدت العودة إليها بسبب الخلاف على الممر العُماني متناقضة مع الهدف الأصلي: كيف يمكن الخروج من الحرب بالمزيد منها؟.

مُذكرة التفاهم في مجملها حققت عدداً من المكاسب لإيران أهمها السماح لها بتصدير نفطها، التعهد بالإفراج عن جزء من أموالها المُحتجزة، الموافقة على وقف إطلاق النار في لبنان واحترام سيادته وهو ما يعني ضمنياً الانسحاب الإسرائيلي من لبنان فلا سيادة بوجود الاحتلال، والتعهد بعدم فرض عقوبات جديدة على إيران أو العودة للحرب، ووضع خطة لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار.

مقابل ذلك تتعهد إيران بإعادة مضيق هرمز للعمل خلال مدة شهر وكما كان قبل الحرب، على أن يجري التفاوض بعد ذلك مع عُمان ودول الخليج الأخرى لوضع ترتيبات جديدة لتشغيل المضيق وفق القانون الدولي. 

أن تتعهد إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وأن تتفاوض للوصول إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي خلال مدة شهرين. 

المُذكرة واضحة لجهة ربط تنفيذ بعض الخطوات بخطوات تسبقها. مثلاً، لا يُمكن التفاوض بشأن البرنامج النووي إن لم يتم الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المحتجزة أو إن لم تتوقف الحرب في لبنان ولم تُحترم سيادتها أو إن لم يتم السماح لإيران بتصدير نفطها.

المُذكرة لا تحتاج لمُذكرة أخرى لشرح بنودها كما يدعي بعض المحللين السياسيين (أو لنقل المحللين الشرعيين لاستئناف الهجمات على إيران). المُذكرة واضحة في نصوصها ولا توجد فيها عموميات تحتمل تفسيرات متعددة. 

لو كان هدف واشنطن تنفيذ تفاهم الخروج من الحرب، لتركت إيران تفتح المضيق خلال الشهر الأول وفقاً للمُذكرة، لا أن تُجبر عُمان على فتح ممر بحري جديد، ومن ثم البناء على رفض إيران لذلك، للعودة للحرب. 

التناقض بين توقيع مذكرة تفاهم ورفض تنفيذ بنودها يحتاج للفهم.
يوحي الدفع نحو الممر العُماني بأن واشنطن حاولت الالتفاف على الاستحقاقات التي ربطتها المذكرة بإعادة فتح المضيق على أمل أن إيران «المأزومة» عسكرياً واقتصادياً، لن ترغب بالعودة للحرب، وبالتالي يُمكن لواشنطن أن تسحب من إيران ورقة مضيق هرمز عن طريق الممر البحري العُماني وتثبيته كأمر واقع، وبالتالي التخلص من أي ضغوط تفرض على أميركا الالتزام باستحقاقات مذكرة التفاهم، وتحديداً تلك البنود التي تصب في صالح إيران. 

الرفض الإيراني لفتح الممر البحري العُماني، وإصرارها على تنفيذ مُذكرة التفاهم بحرفيتها، وضع إدارة ترامب في مأزق: تنفذ اتفاقاً يمنح طهران مكاسب يمكنها تصويرها باعتبارها انتصاراً، وإما أن تعود للحرب التي تريد الخروج منها لكلفتها العالية على الاقتصاد العالمي، وعلى أميركا نفسها، وعلى دول الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط عموما.

خيار العودة للحرب الذي اتخذته إدارة ترامب، لا يَعكس وجود استراتيجية جديدة، بل الاستمرار في التخبط، حتى وإن قال «عباقرة» التحليل العسكري على الفضائيات العربية عكس ذلك. 
مثلاً، بعضهم يقول إن الهدف هو إنهاك إيران بضربات ستستمر لأشهر إلى يفقد النظام الإيراني القدرة على السيطرة على بلاده. 

والبعض الآخر يقول إن الهدف هو السيطرة على مضيق هرمز من خلال تدمير القدرات الإيرانية التي تمكنها من إغلاق المضيق. 

وآخرون يقولون إن الهدف إضعاف النظام تمهيداً لدعم بعض الجماعات المسلحة للسيطرة على بعض المناطق في إيران ومن ثم إحداث اقتتال داخلي يؤدي إلى سقوط النظام.

لكن هؤلاء جميعاً يتناسون أن هذه الحرب لا تتحدد نتائجها بالتفوق العسكري وحده، بل أيضاً بالإرادة السياسية، والقدرة على تحمل الكلفة، وإمكانية تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية. 
لو كانت المسألة هي التفوق العسكري، لاستسلمت إيران خلال الأسابيع الأولى من الحرب.  
الأقرب إلى ما يجري أن إدارة ترامب تحاول اكتشاف استراتيجية من خلال المحاولة والخطأ
ثم إن إطالة أمد الحرب ستنتج نفس الواقع السياسي والاقتصادي الذي أدى أصلاً لوقف الحرب عند توقيع مُذكرة التفاهم: من المرجح أن تعود أسعار النفط إلى الارتفاع، وأن تتراجع شعبية ترامب أكثر، بما قد يزيد احتمالات خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية. 

إطالة أمد الحرب أيضاً، قد تدفع حلفاء إيران إلى الدخول مجدداً على خط الحرب؛ فقد تعود جبهة لبنان، وتستأنف الفصائل العراقية هجماتها على المصالح الأميركية؛ وأنصار الله في اليمن دخلوا فعلياً الحرب بمهاجمة ناقلات النفط السعودية تحت مُسمى رفع الحصار عن اليمن، وهم يساهمون الآن في تعميق أزمة الطاقة العالمية ويعقدون المشهد الإقليمي أكثر.

يضاف لذلك أن ضرب البنى التحتية الإيرانية سيدفعها وفق ما أعلنت إلى ضرب البنى التحتية للدول العربية التي تتواجد فيها قواعد عسكرية أميركية. لقد أعلنوا صراحة: لا تصدير للنفط من المنطقة إن لم تصدر إيران نفطها، ولا بنية تحتية «سليمة» لحلفاء أميركا إن تم تدمير البنى التحتية في إيران.

قد يكون من الممكن فتح المضيق بالوسائل العسكرية لكن لا يمكن ضمان أمن الملاحة فيه. 
منع الآخرين من استخدامه للملاحة التجارية، لا يتطلب عشرات الآلاف من الجنود والمعدات القتالية عالية التقنية، ولكن يكفي أن تكون لإيران القدرة على إرسال بضع طائرات مُسيرة أو صواريخ قادرة على إصابة بعض السفن لمنع الحركة فيه. 

وإيران لديها القدرة على استهداف سفن الشحن من أي مكان في جغرافيتها الواسعة. 
إن الادعاء بأن الحملة العسكرية الحالية تمثل استراتيجية أميركية لفتح المضيق يبدو بعيداً عن الصواب. 

والأقرب إلى ما يجري أن إدارة ترامب تحاول اكتشاف استراتيجية من خلال المحاولة والخطأ. 
غير أن المحاولة والخطأ ليست استراتيجية، ولا سيما حين يمكن أن تؤدي الأخطاء إلى تدمير بنى الطاقة في المنطقة وإعادة الولايات المتحدة إلى حروب مفتوحة لا نهاية لها في الشرق الأوسط.

الأيام الفلسطينية


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • عقوبات أميركية تستهدف 4 أفراد و9 شركات إيرانية
  • المفوضية الأوروبية: تيك توك أخفق مبدئيًا في حماية خصوصية الأطفال
  • رسوم أميركية جديدة على 60 شريكا تجاريا في ظل إعادة صوغ أجندة ترامب التجارية
  • الموت يغيّب فاروق هلال فيلسوف الموسيقى العراقية
  • تخبّط واشنطن في الخليج يقودها إلى الغرق
  • عراقجي يرد على قرار ترامب بخصوص الأموال المجمدة.. الفوضى لن تكون سلمية
  • تراجع حاد في الأسهم الأوروبية مع صعود أسعار النفط
  • تحذير ألماني من خطر يهدد أوروبا بعد حديث عن “ثغرة خطيرة” في قدرة واشنطن العسكرية
  • البرغثي: من المهم أن تكون لدينا شهادات لكن الأهم أن لا تكون مزورة
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين