جريدة الرؤية العمانية:
2026-07-24@08:06:04 GMT

القائد.. مصدر إلهام أم سبب احتراق؟

تاريخ النشر: 7th, December 2025 GMT

القائد.. مصدر إلهام أم سبب احتراق؟

 

خالد بن حمد الرواحي

في زحمة الاجتماعات ورسائل البريد وتقارير الأداء، ينسى بعض القادة أن وراء الأرقام وجوهًا تتعب، وقلوبًا تُرهق، وعقولًا تبحث عن مساحةٍ للتنفس. فالاحتراق الوظيفي ليس مصطلحًا نفسيًا عابرًا، بل جرس إنذارٍ يدقّ في أروقة المؤسسات عندما تتحوّل بيئة العمل من مصدر إلهامٍ إلى ساحةٍ للاستنزاف.

والمفارقة أن هذا الاحتراق لا يصنعه ضعف الموظفين، بل يبدأ غالبًا من قراراتٍ قياديةٍ صغيرة تُمارس بنية الإصلاح، لكنها تُخلّف أثرًا عكسيًا مع مرور الوقت. فعندما يغيب الوعي القيادي، تتحوّل النوايا الحسنة إلى أدوات إنهاكٍ غير مقصودة، وتبدأ المعاناة من حيث ظنّ القائد أنه يُحسن الإدارة.

ولعلّ الصورة تتضح أكثر حين نتأمل المشهد عن قرب. في أحد المكاتب المزدحمة، يجلس المدير خلف مكتبه محاطًا بملفاتٍ لا تنتهي، يمرّ على موظفيه بنظراتٍ سريعةٍ تحمل مزيجًا من القلق والتوقّع. يطلب تقريرًا جديدًا قبل أن يراجع التقرير السابق، ويرسل رسالة تذكيرٍ في منتصف الليل، ويبدأ كل اجتماعٍ بجملةٍ مألوفة: "الوقت يداهمنا".

لا يقصد أن يُرهق أحدًا، بل يظن أن الحزم طريق الإنجاز. غير أن فريقه الذي كان يومًا يفيض بالحماس، صار يعمل بصمتٍ ثقيل، ينجز المطلوب دون حافز، وينتظر نهاية الأسبوع كما ينتظر المريض جرعته من الراحة. وهكذا يولد الاحتراق الوظيفي من قيادةٍ تظن أن الدفع المستمر يصنع النجاح، بينما هو في الحقيقة يستهلك الإنسان قبل أن يبلغ الهدف.

ومن هنا تبدأ الأخطاء الصغيرة التي تتحوّل، مع مرور الوقت، إلى مصدر إنهاكٍ جماعي. فعندما يتحوّل القائد إلى ظلٍّ دائمٍ خلف كل موظف، يراقب التفاصيل الصغيرة ويعيد توجيه كل خطوة، يظن أن الدقة لا تتحقق إلا بالمراقبة اللصيقة.

لكن تلك الإدارة التفصيلية تُطفئ شعلة المبادرة، وتزرع الخوف من الخطأ بدلًا من الجرأة على التجربة. ومع كل مهمةٍ تُصنَّف بأنها «عاجلة»، وكل موعدٍ يوصف بأنه «نهائي لا يُؤجَّل»، تتراكم الضغوط ويزداد الإرهاق في سباقٍ لا نهاية له. وهكذا تضيع الطمأنينة ويبهت الإبداع، حين يتحوّل العمل من شغفٍ يُغذّي العقول إلى عبءٍ يُنهك النفوس.

وفي خضم هذا الإيقاع المتسارع، ينسى القائد أبسط ما يحتاجه الإنسان ليُواصل العطاء: كلمة شكرٍ تُعيد إليه معنى الجهد الذي يقدّمه. فعندما يغيب التقدير، يبهت الحماس، ويتحوّل الإنجاز إلى واجبٍ ثقيلٍ بلا روح. ومع الوقت، يصبح الأداء استجابةً للخوف لا تعبيرًا عن الرغبة في النجاح.

وإذا كان الضغط يُنهك الجسد، فإنَّ التجاهل يُرهق الروح. فعندما لا يجد الموظف من يُصغي إلى ملاحظاته أو يُقدّر رأيه، يشعر وكأن صوته يضيع في فراغٍ إداريٍّ صامت. ومع مرور الوقت، تتلاشى الحدود بين العمل والحياة، فلا يعود هناك فصلٌ بين يومٍ شخصيٍ وواجبٍ وظيفي، فتتسلّل الضغوط ببطءٍ إلى البيوت والعقول والقلوب على حدٍّ سواء.

 

ويزداد الأمر سوءًا حين يُترك الموظف يواجه التحديات وحيدًا، دون دعمٍ أو توجيه، أو حين تغيب الشفافية في التواصل، فيبقى الفريق تائهًا بين التخمين والانتظار. وعندها لا يكون الإنهاك نتيجة عبء العمل فحسب، بل ثمرةَ بيئةٍ قياديةٍ فقدت حسّها الإنساني ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه من يعملون تحت مظلتها.

إن القائد الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات التي يصدرها، بل بعدد القلوب التي ظلّت تؤمن به رغم التعب. فالمؤسسة الناجحة لا تُبنى على الإنجاز وحده، بل على الطاقة التي تُنتجه، وعلى بيئةٍ تمنح الإنسان شعورًا بالأمان قبل أن تطلب منه الأداء والعطاء معًا.

والقيادة الواعية لا ترفع الصوت، بل ترفع المعنويات، ولا تكتفي بتوزيع المهام، بل توزّع الثقة. وحين يدرك القائد أن إنجاز اليوم لا يبرر استنزاف الغد، يتحوّل العمل إلى مساحةٍ للعطاء لا إلى معركةٍ من أجل البقاء.

ويغدو الفريق أكثر ولاءً وابتكارًا، لأنه يعمل بقلبٍ مطمئنٍ لا بضغطٍ مستمر. فالقائد الملهم لا يُشعل الحماس ليحترق الآخرون، بل يُضيء الطريق ليصلوا جميعًا بسلامٍ ونجاح.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

قصف عنيف وكتل من اللهب.. الاحتلال يدمر منازل في أرجاء غزة

أفاد مراسل الجزيرة بأن الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ، مساء اليوم الخميس، سلسلة من الغارات أدت إلى تدمير منازل في مخيم البريج وسط قطاع غزة ومخيم جباليا شمالا، وكذلك في حيي الزيتون والجلاء بمدينة غزة، مخلفة عددا من الإصابات.

وأظهرت الصور المباشرة مباني مدمرة وكتلا من اللهب وحفرا في الأرض في المواقع التي استهدفتها الغارات.

وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة للجزيرة إن الاحتلال الإسرائيلي أصدر في الساعات الأخيرة أوامر إخلاء لمنازل في 6 مناطق بالقطاع.

وأفاد مصدر في المستشفى المعمداني بإصابة عدد من الفلسطينيين في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى بحي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة.

كما أفاد مصدر في مستشفى الشفاء بإصابة شخصين في غارة على منزل في شارع الجلاء بمدينة غزة.

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • قصف عنيف وكتل من اللهب.. الاحتلال يدمر منازل في أرجاء غزة
  • 30 حريقاً لا تزال متواصلة عبر 16 ولاية إلى غاية الثامنة مساءً
  • بعد مرور موعد 4 يوليوز…أسر السماعلة بعين الشق هدموا بيوتهم أملاً في الاستقرار وينتظرون انفراجاً وتجاوباً من السلطات
  • وزير الأوقاف والإرشاد يترأس اجتماع مجلس الوزارة ويؤكد أهمية مساندة معركة استعادة الدولة
  • عن المناطق التجريبيّة ومُفاوضات روما المُقبلة... ماذا كشف مصدر لبنانيّ؟
  • وفد رسمي من الجهاز الوطني للتنمية يطّلع على جاهزية مطار سرت
  • غيث التميمي: إيران تراهن على عامل الوقت والانتخابات المقبلة لإعادة ترتيب أوراقها
  • ترامب: إيران تريد التفاوض لكنها غير مستعدة لاتفاق في الوقت الحالي
  • عون مخاطبا ترامب: الوقت حان لينعم لبنان بالسلام