مونيكا وليم تكتب: انعكاسات التقدم الروسي في أوكرانيا على فرص التسوية
تاريخ النشر: 8th, December 2025 GMT
تُظهر التطورات الميدانية الأخيرة في أوكرانيا، ولا سيما إعلان روسيا إحكام سيطرتها على مدينة باكروفسك ذات الأهمية الاستراتيجية، أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تتجاوز إطار العمليات العسكرية التقليدية لتلامس عمق الحسابات السياسية والتفاوضية بين موسكو وكييف، وبين الولايات المتحدة وروسيا. فالمدينة التي كانت تمثل خط دفاع متقدماً عن إقليم دونيتسك، تحوّلت اليوم إلى ورقة ضغط إضافية في يد الكرملين، بما يسمح له بإعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض قبل الانخراط في أي مسار سلام محتمل.
في هذا السياق، يعكس تكليف بوتين للجيش الروسي بالاستعداد لعمليات الشتاء استمرار الرهان على الضغط العسكري لتحقيق مكاسب تفاوضية، إذ يدرك الكرملين أن قدرة أوكرانيا على الصمود تتراجع بفعل نقص الذخيرة والجنود، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي تحيط بالمساعدات الغربية على المدى المتوسط. ومن الواضح أن موسكو تسعى إلى استثمار اللحظة الحالية لتعزيز موقفها على الأرض، بما يفرض شروطاً مشددة في أي طاولة مفاوضات مستقبلية، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث الغربي عن ضرورة إيجاد “نافذة” للحل السياسي خلال العام المقبل.
على الجانب الآخر، تواصل أوكرانيا إظهار قدرة على منع انهيار خطوطها الدفاعية رغم الخسائر الميدانية، وتحاول من خلال ذلك إرسال رسالة مفادها أن أي تنازلات تُفرض عليها بالقوة لن تكون مقبولة.
ومع ذلك، تظل الضغوط المتزايدة الواقعة على كييف عاملاً مهماً في تحديد خياراتها التفاوضية، لا سيما بعدما باتت تعتمد بصورة غير مسبوقة على الإسناد العسكري الغربي الذي لا يمكن اعتباره مضموناً في ظل التغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا. إن حالة عدم اليقين هذه تمثل في حد ذاتها ورقة ضغط روسية قوية، لأنها تمنح موسكو إمكانية المراهنة على تراجع الدعم تدريجياً مع مرور الوقت.
من جهة واشنطن، تشير اللقاءات التي عقدها المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف مع الجانب الأوكراني، ووُصفت بأنها “بناءة”، إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال تتمسك بهدف منع تحقيق نصر روسي حاسم، ولكنها في الوقت ذاته تدرك أن استمرار الحرب بهذا الشكل يستهلك قدرات أوكرانيا بوتيرة أسرع مما يتوقعه بعض الحلفاء الغربيين. وتواجه واشنطن معضلة دقيقة: فهي تسعى إلى دفع أوكرانيا نحو تسوية تحفظ وحدة الدولة وتمنع روسيا من فرض شروط مذلة، لكنها تواجه حقيقة أن موازين القوى الحالية تمنح موسكو مساحة أوسع للمناورة السياسية والتفاوضية.
وعلى الرغم من أن إدارة ترامب في حال اتخاذها خطوات ملموسة لإنهاء الحرب قد تسعى إلى طرح خطة سلام تعتمد على الضغط على كييف لتقديم تنازلات معينة مقابل وقف إطلاق النار، إلا أن التقدم الروسي على الأرض يعقّد هذه المساعي. فكل انتصار ميداني تحققه موسكو يرفع سقف توقعاتها، ويجعل أي خطة سلام تتجاهل هذه المكاسب غير مقبولة من الجانب الروسي. وبذلك قد يجد ترامب نفسه أمام معادلة صعبة: إما الضغط على كييف للقبول بشروط غير مريحة، أو مواجهة احتمال استمرار الحرب مع ما يحمله ذلك من أعباء سياسية واقتصادية داخلية على الولايات المتحدة وحلفائها.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن روسيا تتحرك وفق استراتيجية واضحة قوامها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الدخول في أي مفاوضات، وهو ما يعني أن الحديث عن وقف قريب لإطلاق النار يظل سابقاً لأوانه. وفي الوقت ذاته، لا تمتلك أوكرانيا رفاهية التراجع أو تقديم تنازلات جذرية في ظل استمرار تهديدات موسكو بإمكانية تحقيق “انهيار عسكري” إذا لم تُستكمل المساعدات الغربية. وهنا يتجلى البعد الجيوسياسي للصراع، إذ لم تعد الحرب تُدار فقط بمعايير ميدانية، بل باتت ترتبط بتوازنات القوى الدولية وبشكل النظام العالمي في مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن واقع الحرب الحالي لا يمهّد لتسوية قريبة بقدر ما يمهد لصراع تفاوضي طويل تُستخدم فيه المكاسب العسكرية كورقة ضغط رئيسية. وفي ظل استمرار التقدم الروسي، وتزايد الضغوط على أوكرانيا، وبطء المساعدات الغربية، يصبح من الصعب على أي مبادرة سلام سواء كانت أمريكية أو أوروبية تحقيق اختراق ملموس ما لم تتغير معادلة القوة على الأرض أو يظهر تحول كبير في حسابات أحد أطراف النزاع. وفي هذه المرحلة بالذات، يبدو أن روسيا تعتبر أن الزمن يعمل لصالحها، بينما تحاول أوكرانيا الصمود إلى حين التوصل لوساطة تضمن لها الحد الأدنى من شروط الأمن والسيادة.
بهذا المعنى، فإن الحرب بين روسيا وأوكرانيا لا تؤثر فقط في فرص السلام، بل تعيد صياغة حدود الممكن دبلوماسياً، وتؤكد أن أي خطة سلام ناجحة تحتاج إلى معالجة توازنات القوى الفعلية، لا مجرد الأمنيات السياسية.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: أوكرانيا روسيا مدينة باكروفسك على الأرض
إقرأ أيضاً:
إيران تدرس اتفاقا لوقف الحرب مع استمرار حالة الجمود
دبي - رويترز
أفادت وكالة أنباء مهر الإيرانية اليوم الثلاثاء أن إيران تدرس اتفاقا مقترحا مع الولايات المتحدة لوقف الحرب بين البلدين، وذلك بعد أن قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن المحادثات للتوصل إلى اتفاق لا تزال مستمرة.
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، تحول الصراع إلى حالة من الجمود، ولم تفلح المحادثات التي كانت غير مباشرة إلى حد كبير للتفاوض على اتفاق مؤقت في التوصل لنتيجة حاسمة، ليظل مضيق هرمز شبه مغلق.
ولم ترد إيران بعد على نص نهائي مقترح للاتفاق المؤقت، وذكرت وكالة مهر للأنباء نقلا عن مصدر أن إيران تتبنى نهجا "متشددا" بالنظر إلى ما تعتبره سجل الولايات المتحدة في عدم الالتزام بالاتفاقات، وغياب الثقة.
وقال ترامب أمس الاثنين إن المفاوضات مع إيران مستمرة، وإنه سيتم التوصل إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز خلال الأسبوع المقبل.
ومنذ منتصف مارس آذار، يصرح ترامب دائما بأنه على وشك توقيع اتفاق سلام. وتم الالتزام بوقف إطلاق النار إلى حد كبير منذ أوائل أبريل نيسان على الرغم من تبادل إيران والولايات المتحدة الضربات عدة مرات خلال الأسبوع الماضي.
وانخفضت أسعار النفط بأكثر من واحد بالمئة اليوم، مما قلص المكاسب الكبيرة التي سجلتها في اليوم السابق رغم تحذير مسؤولة رفيعة المستوى في وكالة الطاقة الدولية من أن مخزونات النفط العالمية قد تصل إلى مستويات منخفضة غير مسبوقة.
* إسرائيل تواصل ضرباتها في لبنان
أودت الحرب التي اندلعت في 28 فبراير شباط بحياة الآلاف، لا سيما في إيران ولبنان. وتسببت في أزمة اقتصادية عالمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة منذ أن جعلت إيران مضيق هرمز في حكم المغلق بعد أن كان يمر منه في السابق نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال.
كما أدى ذلك إلى أحدث حلقة في مسلسل الصراع بين إسرائيل وجماعة حزب الله المسلحة اللبنانية، إذ شنت إسرائيل أعمق توغل لها في لبنان منذ 25 عاما.
وقالت مصادر أمنية لبنانية إن إسرائيل استمرت اليوم الثلاثاء في شن غارات على جنوب لبنان، وذلك بعد يوم من وساطة أمريكية بدا أنها نجحت في تجنب أي تصعيد آخر لتلك الحرب.
وينص وقف إطلاق النار الجزئي الذي أعلنه لبنان أمس الاثنين على أن تتوقف إسرائيل عن شن غارات على العاصمة والضاحية الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله، وأن تتوقف الجماعة اللبنانية عن مهاجمة إسرائيل.
وذكر لبنان أنه سيسعى إلى توسيع نطاق وقف إطلاق النار خلال محادثات مع إسرائيل في واشنطن غدا الأربعاء.
ويعرض أي اتفاق يقضي بالتوقف عن شن المزيد من الهجمات على بيروت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لانتقادات داخلية قبل الانتخابات المقررة في وقت لاحق من العام والتي من المتوقع أن يخسرها.
* إيران تضغط من أجل اتفاق محدود
قالت مصادر إيرانية إن طهران تضغط من أجل التوصل إلى اتفاق مؤقت محدود فيما يتعلق بالحرب الأوسع نطاقا في محاولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتجنب تقديم تنازلات كبيرة بشأن برنامجها النووي.
وتسعى إيران في أي اتفاق إلى إنهاء الأعمال العدائية على كل الجبهات، بما يشمل لبنان، والحصول على عائدات بمليارات الدولارات من النفط وإعفاء صادرات النفط الخام من العقوبات ورفع الحصار الأمريكي عن موانئها واستمرار سيطرتها على مضيق هرمز.
ويتعرض ترامب لضغوط من أجل إعادة فتح المضيق وكبح أسعار الوقود في الولايات المتحدة دون تقديم تنازلات لإيران.
وقال الحرس الثوري الإيراني اليوم الثلاثاء إن 24 سفينة عبرت المضيق خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية بعد الحصول على تصريح من البحرية التابعة له.
وهددت إيران أمس الاثنين بتوسيع حصارها ليشمل مضيق باب المندب إذا استأنفت إسرائيل ضرباتها على بيروت.