شهدت مدينة المخا، الخميس، يوماً استثنائياً مع تدفق حشود جماهيرية غفيرة خرجت للتعبير عن تأييد واسع لاتفاق إعادة تأهيل وتطوير ميناء المخا، الذي جرى توقيعه في العاصمة عدن. وعكست هذه الفعالية الشعبية الضخمة عمق الارتباط التاريخي بين المدينة ومينائها العريق، واستشعار المجتمع المحلي لأهمية المشروع بوصفه خطوة مفصلية لإحياء الدور الاقتصادي للمخا على البحر الأحمر بعد سنوات من التراجع.

وفي مشهد يؤكد حجم الرهانات الشعبية على المشروع، رفع المشاركون لافتات تطالب الحكومة بسرعة البدء في الأعمال التنفيذية، مشددين على أن الميناء يمثل مصدر رزق لما يزيد عن 3000 عامل يعيلون أكثر من 15 ألف أسرة. واعتبر الأهالي أن تأهيل الميناء سيُحدث نقلة اقتصادية تعود فائدتها على المخا وتعز والمحافظات المجاورة، فضلاً عن دوره الوطني في دعم حركة التجارة والإمدادات.

وخلال الفعالية، وصف مدير عام المديرية الشيخ سلطان محمود هذا اليوم بـ"اليوم التاريخي"، مؤكداً أن الحضور الجماهيري يعكس فرحة أبناء المخا باتفاق تطوير الميناء. وأشاد بالجهود التي بذلها عضو مجلس القيادة الرئاسي، قائد المقاومة الوطنية ورئيس مكتبها السياسي، الفريق أول ركن طارق صالح، منذ سنوات لدعم وتشغيل الميناء وتحسين بنيته الأساسية، بما في ذلك مشاريع التوسعة ورفع كفاءة العمل.

وأشار محمود إلى أن ميناء المخا، باعتباره واحداً من أقدم الموانئ على البحر الأحمر، يمتلك مقومات تؤهله لاستعادة مكانته الاقتصادية، خاصة بعد تطور شبكة الطرق الرابطة بين الميناء والمحافظات، ما يجعله قادراً على أداء دور محوري في حركة التجارة واللوجستيات.

وأعرب مدير الميناء الدكتور عبدالملك الشرعبي عن تقديره للمشاركة المجتمعية الكبيرة، مشيداً بدعم عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، واهتمام وزير النقل ومحافظ تعز. وطالب الحكومة بالإسراع في اتخاذ إجراءات تنفيذية استثنائية تتجاوز التعقيدات الروتينية، مؤكداً أن الميناء يمتلك خطة تطوير واضحة للفترة 2026 – 2028 تشمل تحديث البنية التحتية ورفع القدرة التشغيلية ليصبح منافساً للموانئ الإقليمية.

وأوضح الشرعبي أن المشروع الجديد يمثل المرحلة الأهم في تاريخ الميناء، إذ من المتوقع أن يرفع طاقته الاستيعابية إلى 195 سفينة سنوياً، وبطاقة مناولة تصل إلى 2.275 مليون طن سنوياً قابلة للزيادة. كما أشار إلى أن الميناء سيشهد خلال الفترة المقبلة مجموعة من المشاريع الحيوية، تشمل الساحات اللوجستية والمستودعات والصوامع والمنشآت الإدارية، بما يضمن تحويله إلى منصة تجارية متكاملة تخدم مختلف المناطق اليمنية.

وأكد شوقي إبراهيم أن المشاركة الشعبية تعكس وعياً مجتمعياً متزايداً بأهمية المشروع، موجهاً شكره للقائد طارق صالح على دعمه المستمر منذ 2019. وقال إن التغييرات الملموسة التي شهدها الميناء خلال السنوات الماضية تؤكد أن هناك إرادة حقيقية لتحويله إلى ميناء مؤثر. 

وأوضح أن توسعة الحجاز من مترين إلى ستة أمتار مثال واضح على التحسن التدريجي الذي مهد لخطوة التوقيع الأخيرة، مؤكداً أن أبناء المخا سيواصلون متابعة تنفيذ الاتفاق حتى يصبح واقعاً ملموساً.

وعبّر المواطنون عن تطلعاتهم بشأن المشروع، مؤكدين أن ميناء المخا كان ولا يزال شرياناً اقتصادياً مهماً، وأن إعادة تأهيله ستمثل نقلة نوعية في حياة آلاف الأسر التي تعتمد عليه بشكل مباشر وغير مباشر. وقال المواطن عدنان عبدالدائم إن أبناء المخا سيواصلون دعم أي مشروع ينهض بالمدينة، مشيراً إلى أن تشغيل الميناء سيعزز الاقتصاد ويوفر فرص عمل ويحرك الأنشطة التجارية في المنطقة بأكملها.

>> مؤسسة موانئ البحر الأحمر توقع مذكرة تفاهم لاعادة تطوير وتاهيل ميناء المخا التاريخي

ويأتي توقيع مذكرة التفاهم بين مؤسسة موانئ البحر الأحمر اليمنية وشركة بريما الاستثمارية ضمن توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويشمل المشروع إنشاء رصيف جديد بطول 280 متراً وبغاطس 12 متراً، ورصيف إضافي للسفن الصغيرة، إلى جانب بناء ساحة حاويات وثلاثة مستودعات وصوامع للغلال والإسمنت ومنشآت خدمية وإدارية حديثة. وقد بلغت تكلفة المشروع 138.9 مليون دولار، في خطوة تُعد الأكبر منذ عقود لتأهيل هذا الميناء التاريخي الذي يبعد فقط 3.2 ميل بحري عن أهم طرق الملاحة الدولية.

ويكتسب مشروع تطوير الميناء أهمية إضافية نظراً لموقعه الحيوي الذي يربط بين أوروبا وشرق أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا، ما يجعله مؤهلاً مستقبلاً ليكون بوابة لوجستية محورية تخدم حركة التجارة اليمنية والإقليمية. كما يأتي المشروع في إطار تطبيق القوانين المنظمة للموانئ البحرية وتشجيع الاستثمار، بما يعزز حضور اليمن في خارطة النقل البحري الدولية.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: البحر الأحمر میناء المخا

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • محافظ البحر الأحمر يوجه بنقل مصنع تدوير المخلفات ومحطة المعالجة بالغردقة
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بسرعة إنهاء ملفات تقنين وضع اليد
  • الأوقاف: الحفاظ على الهوية الخاصة بالقاهرة الإسلامية والخديوية أثناء التطوير.. ولا صحة للشائعات حول هدم مناطق أثرية
  • محافظ البحر الأحمر يوجه بإنهاء ملفات تقنين وضع اليد وتوفير سيارات للأحياء
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
  • رئيس المؤسسة العلاجية يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس
  • رصاص الأفراح في ريف المخا.. موت راجع من السماء يهدد الأهالي
  • إجراءات تنفيذية لبدء تداول السكر في البورصة السلعية
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟