من ينكر الخوف؛ ينكر حقيقته كبشر في هذه الحياة المدفوعة بكثير من الخوف، والرجاء في آن واحد، ولكن لأن الخوف هو سلطان في حد ذاته، فإن إنكاره صعب، مهما تحققت لبشر ما كل عوامل القوة، والسيطرة، والأمان المادي، لأن الخوف يتجاوز كل ذلك، ويضرب بأنيابه في دهاليز الأمان النفسي، وهو الأمان الذي لا يمكن أن يخضع وفق تنظيم معين، فهو ملتحم بالفطرة البشرية، إلى حد الإندماج المطلق، ولذلك فقد تجلس بجنب أحد ما، وتحيطكما كل معززات الأمان المادية، إلا أن صاحبك يرتجف من الخوف، وقد يكون ما يشغله في تلك اللحظة أمر تافه «في تقديرك» ولا يحتاج كل هذا العناء النفسي المتوحش بين دواخل النفس، حيث تتعالى أصوات الخوف من كل حدب وصوب، تقرأ ذلك في كثير من حركاته، أو كلامه، أو تركيزه على أمر ما أكثر من غيره.
من المسلم به؛ أن القلق والخوف حالتان صحيتان للفرد، وأنه من لا يعيش قلقا ما، أو خوفا ما، فإن في ذلك خللا بنيويا في الحالة الطبيعية لهذا الفرد، لأن الخوف هو القاعدة، والاطمئنان هو الاستثناء، فهل جُبل الفرد على الخوف؛ حتى يصبح الاطمئنان هو الاستثناء؟ وهناك من يذهب إلى الأبعد من ذلك عندما يصنف أحدهما (الخوف/ القلق) على أنه سبب للآخر، أو نتيجة للآخر، ويأتي هذا التقييم بناء على تقييم كل فرد على حده، فهناك من يرى القلق هو نتيجة للخوف من أمر ما، وهناك من يرى العكس، ووفق الرؤية العلمية أن الخوف حالة مؤقتة بخلاف القلق الذي يأخذ بعدا موضوعيا أكثر اتساعا، ومع ذلك فإن التفريق بينهما صعب، حيث يكون التداخل بينهما واضح، وكلاهما نتيجة للآخر.
لكن، من القناعات التي لا يمكن إنكارها في شأن الخوف والقلق، أنهما محددان مهمان لتصويب السلوكيات والممارسات، وهي حالة صحية في تقديري، فلولا الخوف من العقاب لاستباح الفرد كل الخطوط الحمراء، ولن يردعه رادع، وهناك صور كثيرة سواء كانت من خلال بعض المحطات الطبيعية غير المبرمجة مثل: الموت، والفقر، والمرض، أو من خلال التشريع الديني/ الإسلامي، أو التشريع القانوني الذي يضعه البشر لتنظيم حياتهم وممارساتهم المختلفة لتحييد الحقوق والواجبات فلا تطالها يد العبث، فتوجد نوعا من الفوضى في حياة الناس، أما مسألة الركون إلى القيم الفطرية: كالأمانة، والصدق، والوفاء، والنزاهة في شأن تنظيم العلاقات بين الناس، فهذه مسألة تخضع كثيرا للمسألة النسبية، فما يؤمن به فلان من الناس في شأن أي منها، ستجد آخرين لا يؤمنون بذلك، حيث تطغى المصلحة الذاتية، وخاصة في لحظات الضعف، على كثير من هذه القيم، وبالتالي لا تجد الأرضية الخصبة للتطبيق، وتظل العودة إلى حكم الشرع أو القانون هو الملاذ للخروج من مأزق الخوف والقلق، وتحقيق الاطمئنان النسبي.
يقينا؛ لا أحد يجرؤ على معاداة الله، أو تجاوز حدود أوامره ونواهيه، وهو في حالته الطبيعية، فالخوف من الله هو الغاية، ومن يتجاوز ذلك من الأسوياء، وخاصة في حالات الضعف، سيتلبسه الخوف والقلق من حيث يدري ولا يدري، ولذلك أوجد التشريع الإسلامي الصلاة كمحطة مهمة في حياة الإنسان المسلم لكي يعيش في حالة من توازن الاطمئنان لنفسه، وإلا تلبسه الخوف والقلق، ولن تهنأ له حياة آمنة مطمئنة، ولذلك قيل:«إذا أردت السعادة فعليك معاملة الخلق أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم» -انتهى النص-.
وحالة الضعف التي يشير إليها النص هنا؛ هي تلك الحالة التي تفقد الإنسان توازنه فلا يكون في حالته الطبيعية، فلا يفرق بين الخطأ والصواب، فيقع في محظور الممارسات التي تؤدي به إلى الهلاك، وهي الحالة الطبيعية الناتجة عن الخوف: الخوف من الفقر، الخوف من العقاب، الخوف من عدم حصوله على حقوقه، الخوف من منافسة الآخرين حوله، والأمثلة كثيرة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الخوف والقلق الخوف من أن الخوف
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.