رائحة الجلود والذاكرة.. ورشة صغيرة تحرس تراثا عمره قرن بالقاهرة القديمة
تاريخ النشر: 26th, December 2025 GMT
في كل مرة تطأ فيها أقدامك شوارع القاهرة القديمة، يتجدد الإحساس بالسحر كأنك تكتشف المكان للمرة الأولى. أزقة ضيقة تتعانق فوقها السماء المسقوفة، وأرضيات مرصوفة بالبلاط المملوكي العتيق، وروائح تتغير مع كل خطوة تقترب فيها من رحاب الدرب الأحمر والخيامية.
هناك، يمنحك المكان في كل زيارة دهشة مختلفة، قادرة وحدها على إعادتك إلى زمن جميل مضى، إلى عام 1885 تحديدا، حيث يقف دكان "زقاق الرضوان" للجلود الطبيعية شاهدا حيا على حرفة صمدت لأكثر من قرن.
بجوار زاوية رضوان في الخيامية، يطل الدكان العتيق محتفظا بتفاصيله كما كانت قبل نحو 120 عاما. روائح الجلود تسبقك قبل أن تطأ قدماك مدخله الضيق، الذي لا يتسع إلا لصانع واحد، وآخر يجلس إلى جواره، بينما يقف الزبون منتظرا تحديد طلبه: حذاء، أو حقيبة، أو محفظة، أو حزام.
هناك يقف الحاج توفيق، وقد بلغ السادسة والستين، مترقبا زبونا يسأل عن آخر صناع الجلود الطبيعية في الخيامية. وعلى مقربة منه، يؤدي شقيقه صلاح صلاة العصر في زاوية رضوان، التي أنشأها رضوان بيك عام 1637.
ويعود تاريخ الدكان إلى الجد الأكبر عبد الفتاح، مؤسس الصنعة، الذي أورثها لابنه ثم لأحفاده، من دون أن يظهر وريث جديد حتى اليوم. إبرة وخيط لم يتغيرا منذ قرن ونصف القرن، لكن الحرفة، رغم كل شيء، لا تزال تُقاوِم.
تعود بدايات صناعة الجلود الطبيعية في دكان صلاح وتوفيق إلى قصة الجد الأكبر عبد الفتاح، الذي عُرف بصناعة الشباشب الجلدية التقليدية. يروي توفيق للجزيرة نت: "جدي كان من أهم صناع المراكيب القديمة للمصريين، من أيام الشبشب الجلد أبو صباع، أو المركوب التقليدي. وبعد ذلك، طوّر والدي الشغل، وبدأ يتخصص في وشوش الأحذية، أو الفونج كما يسميها الإنجليز، بمختلف أنواعها".
إعلانويشير توفيق إلى أن الصنعة ظلت مزدهرة لسنوات طويلة، قبل أن تبدأ التغيرات مع سياسة الانفتاح الاقتصادي، وغزو المنتجات المستوردة للأسواق، واتجاه كثيرين إلى الأحذية الرياضية المصنوعة من الكاوتش، أو اقتناء الجلود الصناعية الرخيصة ذات التصاميم الحديثة. عندها، لم تعد الحرفة قادرة على مجاراة المنافسة، وبدأت في التراجع تدريجيا، إلى أن تبدل المشهد فجأة، كما يصف توفيق.
شهد محل الرضوان في منتصف تسعينيات القرن الماضي واقعة غير متوقعة غيّرت مسار الحرفة بالكامل. بدأت القصة برجل أعمال مصري مقيم في إيطاليا، مرّ مصادفة بمنطقة الخيامية، فتوقف أمام الدكان العتيق ولاحظ خصوصيته.
لم تمضِ سوى لحظات حتى طلب تنفيذ 300 حقيبة بتصميم سريالي مستوحى من العصور البدائية: حقائب من جلود حيوانات غير مصبوغة، بلا أقفال معدنية، تعتمد فقط على أربطة بسيطة لتسهيل الحمل والإغلاق.
كانت هذه الفكرة، التي حملها رجل يعيش خارج البلاد، بمثابة قبلة حياة لصناعة الجلود الطبيعية في المحل، الذي كانت إدارته قد انتقلت آنذاك إلى الأحفاد، صلاح وتوفيق، في وقت كانت فيه الحرفة تواجه خطر التراجع.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت ملامح التحول تظهر داخل الدكان. واتجه صلاح إلى توسيع دائرة العمل، وبدأ التركيز على تنفيذ طلبيات تستهدف السائحين، بدلا من الاعتماد على الزبائن المحليين وحدهم.
ويكمل توفيق حديثه للجزيرة نت قائلا: "بدأت التعاون مع السفارة الأميركية، وهيئات سعودية، وقدمت نماذج طبق الأصل من المقتنيات النبوية، إلى جانب تنفيذ حقائب مخصصة باستخدام أقمشة سيناوية وسيوية ونوبية".
ويضيف توفيق مستعيدا بعض محطات عمله: "لا أنسى سفري ليوم واحد إلى سيوة خصيصا لشراء قماش معين، رفضت أن يكون له أي بديل مصنع في مكان آخر، لأصنع به طلبية كاملة من الأعمال التراثية السيوية".
لا يشارك الشقيقان صلاح وتوفيق في المعارض الرسمية التي تُنظم للترويج للمنتجات اليدوية في مصر. فبحسب تقديرهما، تتجاوز كلفة المشاركة في هذه الفعاليات، من إيجارات وأعمال تجهيز ونفقات انتقال، العائد المتوقع منها، في حين أن فارق السعر الذي قد يحققانه هناك يريان أن زبونهما الطبيعي، زائر الخيامية، أَولى به.
ولا يقتصر موقفهما على حسابات الربح والخسارة فقط، بل يتعداه إلى ما يعتبرانه معوقات أوسع تحول دون مشاركتهما. إذ يرى الأسطى توفيق أن الدولة لا توفر دعما حقيقيا للحرف التراثية من أجل تنشيطها والحفاظ عليها.
ويقول في حديثه: "لماذا لا نفعل مثل دول شرق آسيا، حيث تُنشّط السياحة عبر تنظيم رحلات إلى مراكز الحرف اليدوية، يشارك فيها السائحون بصناعة المنتج بأيديهم ثم يشترونه؟ يحدث هذا في دول لا تملك ربع المخزون التراثي الذي يمتلكه المصريون من الحرف والصناعات البسيطة القادرة على جذب الزوار".
ويخشى الأسطى توفيق مرور السنوات، وأن يأتي اليوم الذي يُضطر فيه إلى إغلاق الدكان، بعدما ابتعد الأبناء عن صنعة الآباء والأجداد، مفضلين حياة الوظيفة ذات الراتب الثابت.
إعلانويومها، كما يقول الأسطى توفيق، قد تتوقف الحياة في سبيل الرضوان، وتسكن الإبرة، وينقطع الخيط عن نسج الجلود.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.