وجه الفلسطيني.. الحرب على التصورات
تاريخ النشر: 27th, December 2025 GMT
أطلقت إسرائيل عملية «غضب الرب» لاغتيال مجموعة من القادة الفلسطينيين في خطوة انتقامية، بعد عملية أولمبياد ميونيخ 1972، ولكن قائمة الاغتيالات لم تتوجه بصورة أساسية للعسكريين والمسؤولين السياسيين عن عملية ميونخ، بل ركزت على قيادات صاحبة دور إعلامي وثقافي ودبلوماسي، وأتى اغتيال شخصيات مثل باسل الكبيسي، وهو أكاديمي عراقي بارز، والجزائري محمد بودية صاحب الاتصالات الواسعة مع حركات المقاومة العالمية، وحتى في فردان ببيروت كان اثنان ممن استهدفتهم عملية الاغتيال، التي قادها إيهود باراك من المنشغلين بالشأن الإعلامي والثقافي في الثورة الفلسطينية.
التأمل في خريطة الاغتيالات الإسرائيلية، التي تمددت في فضاء الكثير من الدول حول العالم، يدفع للتشكيك في مخطط إسرائيلي مبكر لضرب أي صورة مشرقة وعصرية للفلسطينيين، ومحاصرتهم داخل صورة الإرهابي المتطرف الذي يمثل مجتمعا أدنى حضاريا من الأوروبيين والأمريكيين في ترجمة لمقولة الأرض التي بلا شعب.
في مدريد 1991، تفاجأ العالم بظهور طبيب وناشط سياسي واجتماعي متقدم في السن يرأس وفد الفلسطينيين التفاوضي، ويبدو أن كاريزما الدكتور حيدر عبد الشافي، كانت أكثر مما تتحمله إسرائيل، أو تسمح به، فالفلسطينيون يجب أن لا يحصلوا على نسختهم من ديغول أو مانديلا، وما يحدث محرج خاصة أن الحضور الهادئ لعبد الشافي، كان يخرج كاريزما غوغائية لشخص متعنت وصاحب تاريخ عريض من العنف والقسوة، مثل رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت إسحاق شامير.
لم يكن مسموحا للفلسطينيين أن يمتلكوا وجهاً خاصاً في البداية، فالنكبة حدثت بينما الأفكار الاستعمارية حول تخلف الشرق، وأحيانا همجيته ما زالت تعيش في المجتمعات الغربية، وأتت صور النكبة واللجوء بعيدة لا تظهر وجوه الفلسطينيين، وتسحب جزءاً من رصيد إنسانيتهم بذلك، وتخنق فكرة التعاطف في مهدها.
في المقابل ومع صعود النازية يهاجر آلاف المهنيين والأكاديميين اليهود إلى الجامعات الأمريكية، وفي بيئة مسطحة فكرياً بعض الشيء تحت تأثير مباشرة البراغماتية، ومن غير وجود العمق التاريخي للمجتمع في أمريكا، يتحول المهاجرون من الأنتلجنسيا اليهودية، إلى نجوم يستمدون جانباً كبيرا من بريقهم من استثمار مظلومية معاداة السامية، وينخرطون في قضية صاعدة وقتها تتعلق بالأقليات وقلق الهوية، ويدخلون أولا إلى أوساط اليسار فكرياً والديمقراطيين سياسياً، ليتكامل ذلك مع الإعلام والهيمنة الواسعة على الإنتاج الثقافي. الإعلام العربي في بدايته المتخبطة والمتعثرة لم يقدم إلا ما يعقد الموقف، ويعمق الصورة السلبية للعربي، مقابل الإيجابية التي يحظى بها اليهودي، فخطاب التحشيد والتثوير، الذي أطلقه الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكان موجهاً للاستهلاك المحلي، تم توظيفه في الاتجاه المعاكس، ليلقي بصورة عصابية تخالطها النزعة غير الواقعية على العرب.
وينسحب ذلك على الفلسطينيين، مع أن عبد الناصر نفسه كان يتخذ خطاباً عقلانياً عند الحديث الهادئ مع الصحافيين الأجانب، ولكن عملية الغربلة تجري ضمن منظومة التصنيع الثقافي والإعلامي الأوسع والأهدأ في الغرب، بحيث أصبح التعاطف مع إسرائيل، بوصفه ندماً إنسانيا وأخلاقيا على الفضيحة التي مثلتها معاداة السامية، صرعة يتهافت المثقفون والمؤثرون في الغرب على تبنيها وتأكيدها، وكأنها من لوازم الإنسان المتحضر.
تنبه الشاعر محمود درويش بطريقته إلى هذه الوضعية غير العادلة، ولكن فعلا مؤثرا لم يتم اتخاذه بصورة مؤسسية، وبقي الفلسطينيون بين الغائبين، أو المقدمين خصيصا في مساحة سوء الفهم، ومع دخول التطرف الإسلامي، أصبحت الصورة محملة بالمزيد من المخاوف لدى الغربيين، فالفلسطينيون ممنوعون من تقديم حصتهم العادلة من الرواية المتاحة، للعالم، ثم أتت الحرب على غزة لتمثل انقلابا جوهريا في حرب التصورات، التي نسجت لتحاصر الفلسطينيين، فالقضية لم تعد فلسطينية بالمعنى الاستقطابي في الصراع، ولكنها أخذت بعداً عالميا، ومن الجامعات الأمريكية والأوروبية انطلقت حملات المناصرة لفلسطين من شباب نشأوا في الغرب، ويشبهون الغربيين في سلوكياتهم وتصرفاتهم، والبنى القيمية التي يحملونها، وكان ذلك محرجا ومدخلا لإثارة الأسئلة الكبرى والمسكوت عنها لدى السياسيين الأمريكيين، خاصة لدى الجمهوريين، الذين بدأوا يلتفون حول مقولة «أمريكا أولاً».
هذه النبرة المختلفة التي صعدت في العامين الأخيرين، استرعت انتباه الناشط اليميني تشارلي كيرك، الذي ستبقى الأسابيع الأخيرة من حياته في خانة الألغاز لوقت طويل، وربما تلحق بألغاز أمريكية أخرى مثل، اغتيال كينيدي واختفاء أوسكار زيتا كوستا، الناشط في حقوق الأمريكيين من أصل لاتيني.
بقي كيرك قريبا من الأوساط الجامعية في نشاطه السياسي، وتوقف عند العبء الأخلاقي الذي تشكله إسرائيل على بلاده، وبحاسته السياسية تبنى المقولات التي يحملها مئات الآلاف من الطلبة في الجامعات الأمريكية، ومع أنه لم يتخذ مواقف صريحة أو بطولية، أو حتى إنسانية في الحد الأدنى، إلى أن صداماً كان يتشكل مع بنيامين نتنياهو واللوبي الذي يناصره في واشنطن ونيويورك ولوس أنجلس، وهي المدن المؤثرة، ولكنها ليست كل النبض الأمريكي، خاصة بين الجمهوريين الذين يتركزون في الولايات ذات الأغلبية البيضاء، التي بدأت قطاعات واسعة منها في رؤية الوجه القبيح لإسرائيل، التي تنزع أصباغ التجميل التي تحمل رماد الهولوكوست.
التحول الكبير يحمله أحد المؤثرين في الأوساط الجمهورية، هو تاكر كارلسون، الذي تصدى بنفاد صبر وعصبية، لاتهامه بمعاداة السامية، التي بقيت رصاصة أخيرة في ذخيرة اللوبي الصهيوني، في مواجهة أسئلة تتوسع على النطاق الشعبوي عند الجمهوريين، وفي الأيام الماضية تواصل كارلسون مع ترامب، لتبدأ معركة داخلية واسعة قبل الانتخابات النصفية في العام المقبل، والتي يمكن للجمهوريين أن يخسروا الكثير من أرضيتهم فيها، على خلفية التوتر والفوضى التي يخلفها ترامب في السياسة الخارجية، والملف الإسرائيلي في مقدمة نقاط الاحتكاك الساخنة في المعسكر الجمهوري.
يبدو أن عملية التجريف التي حدثت مع صعود المستوطنين والمتطرفين في إسرائيل ألحقت الضرر بالموقع الذي سرقته إسرائيل في حرب التصورات والأفكار
يمكن أن ترامب المقيد بعلاقات عائلية وتجارية مع النخبة الصهيونية الأمريكية، لن يفعل الكثير المتوقع، أمام الضغوط المتصاعدة في واشنطن والمدن المؤثرة، ولكن ذلك لا ينسحب على من يتحضرون للخلافة، خاصة نائبه جي دي فانس، الذي تحدث بطريقة غير معتادة لدى قيادات الصف الأول الأمريكي، في زيارته الأخيرة لإسرائيل، ويتوقع أن يتخذ مواقف متقدمة في حالة تمكنه من حالة الحذر والتهيب التي يعايشها لتجنب أية أخطاء تعيق مسيرته السياسية، وكارلسون نفسه يدرك ذلك، ويصرح بأنه لن يصبح عبئاً على فانس في المعركة الانتخابية المقبلة.
نتنياهو بوجهه الصفيق الذي يسعى لأن يكسب كل شيء، وأن يوظف كارثة إنسانية كبرى لمصلحته، وبقائه وحماية فساده، سيلحق الضرر بإسرائيل في المدى البعيد، ولكن يبدو أن عملية التجريف التي حدثت مع صعود المستوطنين والمتطرفين في إسرائيل ألحقت الضرر بالموقع الذي سرقته إسرائيل في حرب التصورات والأفكار، في المقابل، كان جيل جديد من الشباب يظهر ليحصل على مواقع لم يكن وارداً أن يحظى بها الفلسطينيون ومناصروهم، جيل قوامه من الطلبة والناشطين الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ومنهم زهران ممداني، وإن يكن محكوماً بالمعادلات الأمريكية الكبرى، يمكن أن يدخل صراعاً جديدا على أرضية مفتوحة بعد عقود من تأميم التصورات والأفكار للرواية الإسرائيلية بصورة شبه حصرية.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه غزة الولايات المتحدة غزة الاحتلال الضفة مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة إسرائیل فی
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.