محمد كركوتي يكتب: تململ حكومي من «بريكست»
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
لن يتراجع حضور مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست»، لا اقتصادياً ولا سياسياً ولا إعلامياً، ولا حتى اجتماعياً، على الرغم من مرور عشر سنوات على استفتاء الانفصال. بل باتت أكثر إلحاحاً في الفترة الماضية، مع وصول حكومة عمالية إلى «داوننيج ستريت»، تعتقد «سراً»، أن الخروج كان خطأ كبيراً بحق البلاد.
أما لماذا سراً؟ فلأنه يستحيل على أي حكومة أن تهاجم قراراً اتخذ عبر استفتاء شعبي عام.
يبدو أن «الشجاعة» الحكومية بدأت تظهر على الساحة، مستندة إلى تحرك لا يهدأ من جانب قطاع الأعمال، من أجل الوصول مع الجانب الأوروبي إلى صيغة ما، تعيد بريطانيا إلى الاتحاد الجمركي على الأقل، لضمان حركة النقل والتنقل، الضرورية لدفع النمو في البلاد.
رئيس الوزراء كير ستارمر، لم ينتقد قرار «بريكست» علانية، لكنه هاجم بقوة الجهات التي دعت للانفصال، على الوعود التي قدمتها، والتي لم تسفر إلا لأضرار أصابت الاقتصاد الوطني، بما في ذلك تأثيراتها على الناتج المحلي. التحولات الشعبية من خلال استطلاعات الرأي، ينبغي أن تمنح الحكومة مزيداً من الشجاعة للتقدم بخطوات هي ترغب بها فعلاً، إلى جانب أن قطاع الأعمال الذي يعاني من ضغوطات جمة بما في ذلك تلك الآتية من الضرائب المرتفعة، يمكنه أن يوفر «غطاء» سياسياً وأخلاقياً، لتحرك حكومة ستارمر نحو مفاوضات سريعة لرفع مستوى العلاقات مع الكتلة الأوروبية، بما في ذلك المنطقة الجمركية. المشكلة الأهم الآن، لا تتعلق بعضوية البلاد في الاتحاد الأوروبي، بل بمحاولة إزالة العقبات التجارية بين الطرفين.
بالطبع معسكر «بريكست» الذي قدم وعوداً عن مكاسب لم تتحقق من جراء الانفصال، سيواصل تحركه مستنداً إلى قاعدته الشعبوية، التي هي بدورها باتت تطرح الأسئلة عن العوائد الغائبة، لكن الحالة العامة تصب الآن في مصلحة الحكومة، وتعفيها من «حرج» الهجوم المباشر على قرار الخروج. فحتى حاكم بنك إنجلترا المركزي أندرو بيلي، كان أكثر شجاعة بإعلانه أخيراً، أن «آثار بريكست السلبية ستستمر في المستقبل»، وأنها تضغط بصورة كبيرة على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد الذي تراجع. ووفق أحدث التقديرات، فإن نصيب الفرد في المملكة المتحدة كان أقل ما بين 8-6 مما كان عليه قبل الخروج، في حين انخفض الاستثمار بنسبة تتراوح بين 12 و18٪. الفترة المقبلة ستشهد بعض التحولات في ميدان سيبقى مؤرقاً للاقتصاد المحلي. أخبار ذات صلة
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: محمد كركوتي كلام آخر
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..