الدلالة الصوتية بين البنية والإيقاع.. دراسة في شعر أحمد مطر
تاريخ النشر: 29th, December 2025 GMT
\
دعاء خميس جابر **
الأعمال الأدبية، لا سيّما الشعر؛ ليست إلا مجموعة من الأصوات المُؤدِّية معنى، ويلعبُ النسق الصوتي فيها دوراً كبيراً؛ لذلك ينبغي الاهتمام بالصّوتيّات ودلالاتها، وبِخَاصَّةٍ أنها -في الغالب- تخرُج بشكلٍ غير مقصودٍ من الشَّاعر، ومِنْ ثَمَّ يُمكن الحُكم بها على مدى صدق الشاعر؛ فلا أعتقد أنّ شاعرًا ينظم قصيدة ثائرةً، تُعبِّر عن هجومٍ شديدٍ على أمرٍ ما؛ ويقوده انفعاله إلى حروف الهمس مثلاً، بل إِنْ صَدَقَ فِي شُعُورِه؛ فإنه يَتَّجِهُ لا إراديًّا إلى كلماتٍ بها حروفٌ مجهورة؛ لأنها ستُساعده على تفريغ طاقته الغاضبة.
فالدلالة الصوتيَّة «تُستَمدُّ من طبيعة بعض الأصوات؛ فكلمة (تَنْضَخُ) -كما يُحدِّثُنا كثيرٌ من اللغويين القُدماء- تُعبِّر عن فوران السائل في قوّةٍ وعُنفٍ، وهي إذا قورنتْ بنظيرتها (تَنْضَحُ)، التي تدلُّ على تسرُّب السائل في تؤدةٍ وبُطءٍ، يتبيّنُ أن صوت الخاء في الحالة الأولى له دخلٌ في دلالاتها؛ فقد أكسبها -في رأي أولئك اللغويين- تلك القوّة وذلك العنف، وعلى هذا فالسامع يتصوّر بعد سماعه كلمة (تنضخ) عينًا يفور منها النَّفط فورانًا قويًّا عنيفًا»(1)
وبذلك تظهر القيمة الدلاليّة الكُبرى للمُؤثرات الصوتيّة، التي يجب مُراعاتها عند تحليل النص؛ حيث «إنّ كل قراءة للقصيدة تربو على القصيدة الحقيقية ذاتها، وكُلّ أداءٍ لها يُضيفُ للقصيدة عناصر خارجية من لَزَماتٍ فرديَّةٍ للقارئ، تتعلّق بالنُّطْق، وطبقة الصوت، والسرعة والتوقيت، وتوزيع النبر»(2) وبتطبيق ذلك على قصائد رفض اتفاقية السلام نجد أنَّ بعض الأصوات برزت في قصائد مُعيّنة، وذلك كانتشار حرف السين في قول أحمد مطر:
تِسْعٌ عَلَى أَعْقَابِ تِسْعٍ تَسْعَى..
إِلَى سَلامٍ عَادِلٍ،
بُورِكَ هَذَا المَسْعَى
بَينَ عَدَالَةِ (العَصَا)
وبَينَ سِلْمِ (الأَفْعَى)!(3)
إن حرف (السِّين) يتّصف بأنَّه «مهموسٌ رخوٌ»(4)، وقد تكرّر في هذه الأبيات القليلة بشكلٍ لافتٍ، «ولعلّ توظيف الشاعر لهذا الصوت بشكلٍ مُكثّف قد كشف عن الخيبة التي ستلحق بالأمة من جَرَّاء هذا السلام؛ فهو مشوبٌ بالغدر والترقُّب والتوجُّس، كما أنّ هذا الصوت يُوحي بالهمس والسِّرِيَّة اللتَينِ تشيانِ بطبيعة هذا السلام» (5)، وقد دلَّ حرف (السِّين) على ذلك بشكلٍ واضح... كما نلحظ جليًّا اتساع رُقعة صوت الراء في قصيدة (الثور والحظيرة)؛ حَتَّى إنِّه لا يخلو بيتٌ منه في القصيدة، يقول:
الثَّورُ فَرَّ مِنْ حَظِيرَةِ البَقَرْ.
الثَّورُ فَرْ.
فَثَارَتِ العُجُولُ فِي الحَظِيرَة
تَبْكِي فِرَارَ قَائِدِ المَسِيرَة
وَشُكِّلَتْ عَلَى الأَثَرْ
مَحْكَمَةٌ..وَمُؤْتَمَرْ.
فَقَائِلٌ قَالَ: قَضَاءٌ وَقَدَرْ.
وَقَائِلٌ: لَقَدْ كَفَرْ.
وَقَائِلٌ: إِلَى سَقَرْ.
وَبَعْضُهُمْ قَالَ: امْنَحُوهُ فُرْصَةً أَخِيرَة
لَعَلَّهُ يَعُودُ لِلْحَظِيرَة.
وَفِي خِتَامِ المُؤْتَمَرْ
تَقَاسَمُوا مَرْبِطَهُ.. وَجَمَّدُوا شَعِيرَهْ.
وَبَعْدَ عَامٍ، وَقَعَتْ حَادِثَةٌ مُثِيرَة
لَمْ يَرْجِعِ الثَّوْرُ
وَلَكِنْ
ذَهَبَتْ وَرَاءَهُ الحَظِيرَة! (6)
ويتّصف حرف (الراء) بالتكرير الصوتي؛ لأنه يقوم على اهتزاز اللسان فيظهر كأنه حرفٌ مُكرَّر؛ فكما أنّ «مفاصل الجسد تُساعد أعضاءه على التحرُّك بمرونة في كل الاتجاهات، وعلى تكرار الحركة المرّة بعد المرّة؛ فإنّ حرف (الراء) بِتَمَفْصُلِ صوته (ر.ر.را)، وبرشاقة طرف اللسان في أدائه، قد قدّم للعربيّ الصور الصوتيّة المُماثلة للصور المرئيّة التي فيها ترجيعٌ وتكرار، وتأرجحٌ ذات اليمين وذات الشمال»(7)، وأعتقد أنّ هذا الوصف بإمكانه تفسير شيوع (الراء) في قوله: (الثور فر)؛ حيث يُشير إلى تكرار الخِذلان في الحُكَّام العرب، تكرار الانهزام والاستسلام، الاضطراب والتردُّد في اتخاذ القرار؛ فالفكرة الرئيسة التي قصدها الشاعر، هي تكرار الحُكَّام لما استنكروه سابقًا من فعل السادات واحدًا تلو الآخر، وصوت (الراء) هو أكثر الأصوات دلالة على هذا المعنى لِمَا فيه من إعادة للصوت، ولاهتزاز اللسان واضطرابه عند النُّطْق به.
كان أحمد مطر يشعر بالحزن والإحباط من الوضع العربي، وظهر حزنه في قصيدة (سلامًا أيَّتُها الحرب)، التي عبّرتْ عن مدى اضطرابه من جَرَّاء صُلْح الحكومات مع العدو، وقمعها لأبناء الوطن؛ فأصبح العدو حبيبًا والحبيب عدوًّا، وصار كل شيءٍ يمشي في الاتجاه المُعاكس... وبالنظر إلى الكلمات (صوتيًّا) نُلاحظ انتشار حروف المدِّ واللين بشكلٍ واضح في اللافتة، يقول:
طُولَ أعْوَامِ الخِصَامْ
لَمْ نَكُنْ نَشْكُو الخِصَامْ
لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ طَعْمَ الفَقْدِ
أو فَقْدَ الطَّعَامْ
لَمْ يَكُنْ يَضْطَرِبُ الأمْنُ مِنَ الخَوفِ،
وَلا يَمْشِي إِلَى الخَلْفِ الأمَامْ.
كلُّ شَيءٍ كَانَ كَالسَّاعَةِ يَجْرِي
بِانْتِظَامْ.
هَاهُنَا جَيشُ عَدُوٍّ جَاهِزٌ لِلاقْتِحَامْ.
وَهُنَا جَيشُ نِظَامٍ جَاهِزٌ لِلانْتِقَامْ.
وَغَدَونَا، بَعْدَ أنْ كُنَّا شُهُودًا،
مَوضِعًا لِلاتِّهَامْ.
وَغَدَا جَيْشُ العِدَى يَطْرَحُنَا أرْضًا
لِكَي يَذْبَحُنَا جَيشُ النِّظَامْ!
أقْبِلِي، ثَانِيَةٌ، أَيَّتُهَا الحَرْبُ..
لِنَحْيَا فِي سَلامْ!(8)
فإذا كان عدد كلمات اللافتة أربع وستين كلمة؛ فقد جاء المدّ واللين في ثلاث وثلاثين كلمة منها، أيّ أن نصف كلمات القصيدة - تقريبًا - تحمل حروف المد واللين، وهذه «الحروف الليّنة أو الجوفيّة أو الهوائيّة أو الصائتة -كما يُسمّونها-؛ إنما هي بالفعل أسماءٌ على مُسمّيات» (9)؛ فهي تُمثّل نوعًا من الفراغ الحسّي والشعوري، ذلك الفراغ الذي عبّر عنه الشاعر الفرنسي رامبو عند وصفه لحرف (أُو) في الفرنسية، الذي يقابله (الواو) في العربية، بأنه يُوحي باللون الأسود لأنه معدوم الإيحاءات الحسيّة والشعوريّة (10).
كل ذلك يُفسّر انتشار المد واللين في تلك اللافتة الحزينة لأحمد مطر؛ فحروف المد واللين تسمح بخروج الهواء من الجوف إلى الخارج، ومن ثَمّ كانت مُتَنَفّسًا جيّدًا للشاعر لإخراج طاقة الحزن المكبوتة داخله، وزيادتها عن نصف اللافتة يعكس حجم الإحباط والحزن لديه، ولا يدُلُّ هذا إلا على صدق الشاعر في إحساسه بمُعاناة الوطن؛ حيث نطقتْ الأصوات بما يُعبِّر عن مكنون نفسه.
*********
المراجع والمصادر:
(1) إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط3، 1976م، ص46.
(2) رينيهويليك، أوستن وارين: نظرية الأدب، ترجمة عادل سلامة، دار المريخ، الرياض، 1412هـ - 1992م، ص198.
(3) أحمد مطر: المجموعة الشعرية، ص 183.
(4)حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998م، ص110.
(5) هشام حمد الكساسبة: شعرية الهجاء السياسي؛ دراسة في شعر أحمد مطر، ص12.
(6) أحمد مطر: المجموعة الشعرية، ص 21.
(7) حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها، ص 84.
(8) أحمد مطر: المجموعة الشعرية، ص 282.
(9) حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها، ص 100.
(10) المرجع السابق، ص 101.
** ناقدة مصرية
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة
صدر عن كلية العلوم الشرعية العدد السادس من مجلة "بحوث الشريعة"، متضمنا ستة بحوث علمية محكمة توزعت على عدد من تخصصات العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، وشملت موضوعات في التفسير، والقضاء، والفقه المقارن، وتحقيق التراث، وعلوم الحديث، إلى جانب دراسة تناولت أحد أبرز المستجدات الطبية في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، ويواصل العدد حضور المجلة في ميدان البحث العلمي من خلال نشر دراسات أصيلة تخضع للتحكيم العلمي، وتتناول موضوعات تراثية ومعاصرة بمنهجية أكاديمية رصينة.
ويضم العدد بحوثا أنجزها باحثون من مؤسسات أكاديمية وعلمية مختلفة، اتجهت إلى قراءة النصوص التراثية، وإعادة فحص عدد من القضايا الفقهية والتفسيرية، إلى جانب استحضار تطبيقات معاصرة تستدعي اجتهادا شرعيا يوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر، كما اشتمل العدد على تحقيق علمي لقطعة من أحد كتب التراث في علم الرجال، بما يعكس تنوع الموضوعات التي تناولتها البحوث المنشورة.
واستهل العدد أبوابه البحثية بدراسة أعدتها الباحثة ميمونة بنت سليمان الحسيني، حملت عنوان «تفسيرا هود بن محكم الهواري وابن أبي زمنين: دراسة مقارنة - الجزء الثلاثون أنموذجا»، وتناولت المقارنة بين تفسيرين يعدان من أبرز التفاسير المختصرة المبنية على تفسير يحيى بن سلام، وذلك من خلال دراسة الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، والكشف عن ملامح المنهج الذي سار عليه كل من المفسرين في عرض المعاني القرآنية، وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما.
واعتمدت الدراسة على المناهج التحليلية والاستقرائية والمقارنة، حيث قامت بتحليل النصوص الواردة في التفسيرين، واستقراء مواضع الزيادة والاختصار، ثم المقارنة بين منهجي المؤلفين في التعامل مع النص القرآني، كما تناولت الدراسة في تمهيدها التعريف بالمفسرين، ثم أفردت مبحثا لمنهج هود بن محكم الهواري، وآخر لمنهج ابن أبي زمنين، قبل أن تختتم بمقارنة علمية بين المنهجين في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم.
وأبرزت نتائج البحث جملة من الفروق المنهجية بين التفسيرين، حيث أظهرت الدراسة حضورا أوسع للزيادات اللغوية والنحوية في تفسير ابن أبي زمنين، مقابل عناية أوضح لدى هود بن محكم الهواري بتفسير القرآن بالقرآن، إضافة إلى اختلافات في بعض الآراء الفقهية التي انعكست على تفسير عدد من الآيات، كما خلصت الباحثة إلى توصية تدعو إلى الإفادة بصورة أوسع من تفسير هود بن محكم الهواري في المناهج التعليمية، لما يشتمل عليه من مادة علمية تعكس جانبا من الفكر الإباضي وتراثه التفسيري.
وفي مجال الدراسات القانونية نشر العدد بحثا للدكتور محمد بن سيف الشعيلي بعنوان «دور السلطة القضائية في تحقيق المبادئ السياسية بسلطنة عُمان.. دراسة مقارنة بين النصوص والوثائق التاريخية القضائية»، تناول فيه موقع السلطة القضائية في التجربة العُمانية، مستعرضا تطورها التاريخي، والأدوار التي اضطلعت بها في ترسيخ المبادئ السياسية، من خلال قراءة تجمع بين النصوص القانونية والوثائق القضائية التاريخية، بما يتيح الوقوف على تطور الوظيفة القضائية وأثرها في بناء الدولة العُمانية وترسيخ منظومة العدالة.
ويواصل العدد حضوره في مجال الدراسات الفقهية المقارنة من خلال بحث بعنوان «مدونة الإمام مالك ومدونة الإمام أبي غانم الخراساني.. دراسة منهجية مقارنة»، تناول البناء العلمي للمدونتين، ورصد الأسس التي اعتمدها كل منهما في جمع المسائل الفقهية وتنظيمها، مع الوقوف على أوجه الاتفاق والاختلاف في المنهج، وطبيعة الترتيب، وآليات عرض الأقوال والروايات، بما يفتح نافذة جديدة لدراسة المدونات الفقهية في المذهبين المالكي والإباضي، ويثري الدراسات المقارنة بين مصادر الفقه الإسلامي، وقد عرض البحث تطور حركة التدوين الفقهي، وأبرز الخصائص التي تميز كل مدونة، مستندا إلى قراءة تحليلية للنصوص، ومناقشة عدد من القضايا المنهجية التي أسهمت في تشكيل البناء الفقهي لكل مؤلف.
وبين الباحث أن المدونتين تمثلان محطتين بارزتين في تاريخ التأليف الفقهي، وأن المقارنة بينهما تكشف عن مسارات متعددة في تدوين الفقه الإسلامي، سواء من حيث ترتيب الأبواب، أو طريقة إيراد الروايات، أو أسلوب الترجيح، أو معالجة المسائل العملية، كما يبرز البحث القيمة العلمية لهذه المؤلفات بوصفها مصادر أساسية لفهم تطور المدارس الفقهية، وما شهدته من جهود علمية في جمع الأحكام وتقعيدها، الأمر الذي يمنح الدارسين رؤية أوسع لتاريخ الفقه الإسلامي ومناهج علمائه.
وفي ميدان تحقيق النصوص وخدمة السنة النبوية احتوى العدد على بحث بعنوان «ضبط (مؤخرة الرحل) و(منفقة وممحقة) عند عبد الغافر الفارسي في (المفهم)»، وهو بحث يتناول إحدى القضايا في علم ضبط الألفاظ والرواية، من خلال دراسة ما أورده الإمام عبد الغافر الفارسي في كتابه «المفهم»، وتحليل الألفاظ التي وقع فيها اختلاف في الضبط، وبيان أثر ذلك في فهم النصوص الحديثية.
وسلطت الدراسة الضوء على أهمية الضبط اللغوي في العلوم الشرعية، لما يترتب عليه من آثار في فهم المعاني واستنباط الأحكام، وعادت إلى المصادر اللغوية والحديثية للموازنة بين الروايات، واستعراض أقوال العلماء في ضبط هذه الألفاظ، مع مناقشة الأدلة التي استند إليها كل اتجاه. ويقدم البحث مادة علمية متخصصة تعكس عناية علماء المسلمين بضبط النصوص، والدقة التي أحاطوا بها الرواية والنقل عبر مختلف العصور.
أما في باب القضايا الفقهية المعاصرة فقد تضمن العدد بحثا بعنوان «اعتبار المآل في الشريعة الإسلامية.. التعديل الجيني للأجنة البشرية أنموذجا»، تناول واحدة من أكثر القضايا الطبية المعاصرة حضورا في النقاشات العلمية والفقهية، من خلال توظيف قاعدة اعتبار المآلات في دراسة التعديل الجيني للأجنة البشرية، وبيان أثر النتائج المتوقعة في بناء الحكم الشرعي.
واستعرض البحث مفهوم اعتبار المآل في أصول الفقه، ومكانته في الاجتهاد، ثم انتقل إلى التطبيقات الطبية الحديثة المرتبطة بالتعديل الجيني، مبينا أبعادها العلمية، وما تثيره من أسئلة أخلاقية وفقهية، قبل أن يناقشها في ضوء مقاصد الشريعة والقواعد الكلية المنظمة للمصالح والمفاسد، كما تناول البحث صور التعديل الجيني، والغايات الطبية التي يسعى إليها، والضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها عند التعامل مع هذه التقنيات، في ظل التسارع الكبير الذي يشهده قطاع العلوم الطبية والوراثية.
وفي مجال تحقيق التراث، اختتم العدد بحـثا بعنوان «قطعة من كتاب مختصر كتاب أسامي المحدثين المتفقة في الاسم مع التمييز بينهم»، وهو تحقيق علمي لجزء من أحد المؤلفات التراثية في علم الرجال، يهدف إلى إخراج النص في صورة علمية معتمدة، بعد مقابلة نسخه، وضبط ألفاظه، والتعليق على مواضعه، والتعريف بالأعلام الواردين فيه.
ويبرز هذا العمل أهمية تحقيق المخطوطات في حفظ التراث الإسلامي، وإتاحته للباحثين وفق الأصول العلمية المعتمدة، حيث يسهم في خدمة علم الحديث، ويعين الدارسين على التمييز بين الرواة المتشابهة أسماؤهم، وهو جانب حظي بعناية كبيرة لدى علماء الحديث؛ حفاظا على دقة الرواية وسلامة الإسناد.
ويعكس العدد السادس من مجلة «بحوث الشريعة» اتساع دائرة الاهتمام البحثي في الدراسات الشرعية، من خلال تنوع الموضوعات التي تناولتها البحوث المحكمة، وتعدد المناهج العلمية التي اعتمدها الباحثون في معالجة قضايا التفسير، والفقه، والقضاء، وتحقيق التراث، والدراسات الطبية المعاصرة، كما يقدم للقارئ والباحث رصيدا علميا جديدا يضيف إلى المكتبة الإسلامية دراسات تتسم بالأصالة والمنهجية، وتفتح مجالات جديدة للبحث والنقاش العلمي في عدد من القضايا التي تجمع بين الامتداد التاريخي والحضور المعاصر.