لم يكن فرح أحد مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل تحوّل إلى مشهد كاشف لأزمة عميقة في الذوق العام ومنظومة القيم داخل المجتمع. ما جرى من تجاوزات لفظية وسلوكيات غير لائقة، وما صاحبه من احتفاء واسع على المنصات الرقمية، لا يمكن التعامل معه كحادث فردي أو «تريند» مؤقت، بل كعرض صريح لتحول خطير في مفهوم القدوة ومعايير النجاح والشهرة.

هذا المشهد يدفعنا إلى مقارنة موجعة بين ما كنا عليه وما صرنا إليه. فقد عرفت مصر زمنًا كانت فيه القامة الفكرية والثقافية هي مرجع المجتمع وبوصلته. طه حسين جسّد مشروع التنوير والعقل النقدي، ونجيب محفوظ عبّر بعمق عن الإنسان المصري وحصل على نوبل عن جدارة، وكان الشعراء من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأمل دنقل يصوغون الوعي العام بلغة راقية ومسؤولية تاريخية. وفي الفن، رفعت أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب الذائقة الموسيقية، وكان الإبداع هو الطريق الوحيد إلى القلوب والخلود.

تحرش وتدافع.. الداخلية تكشف تفاصيل القبض على 16 شخصا فى فرح كروان مشاكلأنس الفقي يسخر من تصدر اسم "كروان مشاكل" محركات البحثإغماء العروسين وألفاظ بذيئة| القصة الكاملة لـ فرح كروان مشاكل وحفيدة شعبولاسرقة وضرب وتحرش.. هل فرح كروان مشاكل حقيقي أم تريند؟

اليوم، يتراجع هذا الإرث الثقيل ليحل محله صعود نماذج صنعت حضورها من الضجيج والاستعراض والإثارة الرخيصة. أسماء بلوجرات التيك توك وأمثالهم التي لم تصبح معروفة بسبب قيمة فكرية أو إبداع فني أو رسالة اجتماعية، بل بفضل القدرة على جذب الانتباه بأي ثمن، حتى لو كان على حساب الكرامة العامة والذوق واللغة والأخلاق. الأخطر أن هذه النماذج باتت تُقدَّم، بشكل مباشر أو غير مباشر، كقدوة لجيل يتشكّل وعيه داخل منصات سريعة لا تعترف إلا بعدد المشاهدات.

الفرح الذي شغل الرأي العام لم يكن مجرد احتفال خاص خرج عن السيطرة، بل نموذجًا صارخًا لكيف تحوّلت الحياة الشخصية إلى مادة استهلاكية، وكيف أصبح الإسفاف قابلًا للتسويق والتطبيع. حين تُنقل التجاوزات إلى ملايين الشاشات، ويجري التعامل معها كنوع من «الجرأة» أو «النجومية»، فنحن أمام خلل جماعي لا يمكن تجاهله أو تبريره.

هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ. إنها نتاج تراجع دور المؤسسات الثقافية والتعليمية، وغياب المشروع التنويري، وهيمنة إعلام يلهث خلف التريند، واقتصاد انتباه يكافئ الصراخ لا القيمة. ما يُسمّى بـ«بكابورتات التيك توك» لم يصنع الأزمة، بل كشفها واستثمر في فراغ أخلاقي وثقافي تركناه يتسع عامًا بعد عام.

المسألة لم تعد مسألة أذواق شخصية، بل قضية وعي ومسؤولية مجتمعية. فحين تختفي القدوة الحقيقية، يتصدر المشهد من يملأ الفراغ، أيًا كانت أدواته أو رسالته. وحين يُهمَّش المثقف والمبدع الجاد، يصبح الإسفاف هو الصوت الأعلى، لا لأنه الأقوى، بل لأنه الوحيد المتروك في الساحة.

نحن في حاجة حقيقية إلى مراجعة شاملة تعيد الاعتبار لمعنى القدوة، وتزرع في الأجيال الجديدة القدرة على التمييز بين القيمة الحقيقية والضجيج المؤقت. نحتاج إلى إعلام أكثر وعيًا بدوره، وتعليم يعيد بناء الذوق والضمير، وأسرة تدرك خطورة ترك أبنائها رهائن لخوارزميات لا تعرف سوى الأرقام.

مجتمع أنجب طه حسين ونجيب محفوظ وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ لا يمكن أن يُختزل في مشاهد فوضوية عابرة. ما حدث يجب أن يُقرأ كجرس إنذار لا كفضيحة مؤقتة، ودعوة صريحة لاستعادة البوصلة الأخلاقية والثقافية. فالقدوة لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بما تضيفه للإنسان، والذوق العام لا يُبنى بالصخب.

طباعة شارك مواقع التواصل الاجتماعي طه حسين نجيب محفوظ أحمد شوقي حافظ إبراهيم أمل دنقل عبدالحليم حافظ أم كلثوم محمد عبدالوهاب

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: مواقع التواصل الاجتماعي طه حسين نجيب محفوظ أحمد شوقي حافظ إبراهيم أمل دنقل عبدالحليم حافظ أم كلثوم محمد عبدالوهاب کروان مشاکل طه حسین

إقرأ أيضاً:

بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة

كل إنسان في الدنيا عنده خطوط حمراء لا يسمح لاحد بتجاوزها وعنده نوع معين من العلاقات يراه مقبولا ونوع اخر يراه مرفوضا تماما ولذلك ظهرت فكرة العلاقات المحظورة التي تختلف من شخص لاخر ومن بيت لاخر ومن مجتمع لاخر ايضا فما يراه البعض امرا عاديا قد يراه غيرهم خيانة او قلة احترام او تجاوزا لا يمكن السكوت عنه

العلاقات المحظورة ليست دائما مرتبطة بالحب او الخيانة كما يعتقد البعض لكنها اوسع من ذلك بكثير فهناك اشخاص يعتبرون التدخل الزائد في حياتهم نوعا من العلاقات المرفوضة وهناك من يرفض الصداقة القائمة على المصلحة فقط وهناك من يرفض ان تتحول العلاقة بين الناس الى استغلال او تحكم او ضغط نفسي مستمر

في بعض البيوت تعتبر الصراحة المطلقة شيئا مزعجا بينما يراها اخرون اساس اي علاقة ناجحة وهناك من يرفض فكرة السيطرة داخل العلاقة ويرى ان الحب الحقيقي يقوم على الحرية والثقة وليس على المراقبة والشك والخوف الدائم وهناك اشخاص لا يقبلون ان يدخل احد في خصوصياتهم مهما كانت درجة القرب بينهما لانهم يعتبرون الخصوصية حقا لا يجب المساس به

ومن اخطر العلاقات المحظورة تلك التي تجعل الانسان يفقد نفسه بالتدريج عندما يعيش شخص في علاقة تجبره كل يوم على التنازل عن كرامته او مبادئه او راحته النفسية فهنا تتحول العلاقة من مساحة امان الى عبء ثقيل حتى لو كان الطرف الاخر قريبا او محبوبا فالانسان يحتاج الى احترام وتقدير اكثر من حاجته الى الكلمات الجميلة

هناك ايضا من يرى ان العلاقات القائمة على الكذب محظورة مهما كانت الاسباب لان الثقة عندما تنكسر يصبح من الصعب اعادتها كما كانت والبعض يرفض العلاقات التي تقوم على المقارنة الدائمة او التقليل من الطرف الاخر لان ذلك يقتل المشاعر بالتدريج ويحول الحياة الى منافسة مرهقة بدلا من ان تكون دعما واحتواء

وفي زمن مواقع التواصل اصبحت العلاقات اكثر تعقيدا فهناك من يعتبر نشر تفاصيل الحياة الخاصة امرا عاديا بينما يراه اخرون تعديا على الخصوصية وهناك من يرى ان التواصل المستمر مع الغرباء بدون حدود نوع من العلاقات المرفوضة بينما يعتبره غيرهم حرية شخصية لا تستحق النقاش

الحقيقة ان العلاقات المحظورة ليست قائمة ثابتة يلتزم بها الجميع لكنها انعكاس لطبيعة كل انسان وتجاربه وقيمه وما عاشه في حياته ولذلك لا يمكن الحكم على مشاعر الناس بسهولة لان لكل شخص حدوده التي يشعر بعدها بالراحة او الاذى

وفي النهاية تبقى العلاقة السليمة هي التي تمنح الانسان شعورا بالامان والاحترام والراحة دون خوف او ضغط او استنزاف نفسي فاي علاقة تجعل الانسان يفقد نفسه او كرامته او سلامه الداخلي هي علاقة يجب التوقف امامها مهما كان اسمها او شكلها

طباعة شارك العلاقات المحظورة العلاقات الخيانة

مقالات مشابهة

  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • أحمد سليمان يتحدث عن أزمات وقف قيد الزمالك: « في حد بيحرك المسائل من تحت»
  • «مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
  • تقرير: 296 ألفاً و835 أسرة من النازحين وأفراد المجتمع المضيف في مأرب بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة
  • قبل 82 عاما .. زقلط يتوهج في أكبر فوز للزمالك على الأهلي
  • شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
  • معالج جديد من إنفيديا قد يقلب موازين المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي
  • كريم عبدالعزيز: أحلم بتقديم «اللص والكلاب».. ونجيب محفوظ سبق عصره
  • «المخزون يكفي 6 أشهر».. نقابة الصيادلة: لا نقص في أدوية الكلى داخل الصيدليات