مراجعة عام بين الخسارة والمعنى وبين الإبداع بوصفه موقفًا لا إنجازًا
لأن العام الذي مضى لا أريد أن أختصره فيما أُنجز فقط، ولا فيما تعثّر، بل فيما كشفه عني وعن العالم من حولي. أعود إليه كتجربةٍ معيشة: بخساراتٍ صغيرة أعادت ترتيب الأولويات، وبالتعب الذي صار لغةً داخلية أكثر من كونه عارضًا مؤقتًا، وبعلاقاتٍ تغيّرت أو انكشفت حين اختُبرت خارج المجاملة.
دأبتُ على وضع خطاطة لكتبٍ أنوي قراءتها، ومشاريع مقالات أراجعها لأُنجزها. ثم يعود السؤال كمرآة: ما الذي انتهى من ذلك؟ هل أنجزتُ ما وعدتُ نفسي به؟ في يناير 2025 بدأتُ العام بمقالة عن «روح السينما»، وأختمه في ديسمبر بمقالة عن «الرمز بين التخييل والتلقي في الجدل حول الست». تلك المسافة الطويلة: هل كانت مسلكًا مميزًا في الاقتراب من روح الصورة؟ أم أنها قادتني -على نحوٍ غير مخطط- إلى أهدافٍ أخرى؟
تبيّن لي أن المنطلقات الأولى لم تسِر في خط مستقيم، وأن ما حسبته خطة» كان في الحقيقة طريقًا يتفرّع كلما ظننتُه يستقيم. غير أن النقطة المحورية تمظهرت في محاولة اقتفاء أثر الراحلين عمومًا، من مسرحيين وسينمائيين غربًا وعربًا، والنظر في آثارهم النظرية والجمالية، لا بوصفها ذاكرةً مغلقة، بل اختبار لما بقي حيًا في اشتغال الكلمة والصورة اليوم.
لم تكن العودة إلى مسرحيين وسينمائيين راحلين التفافًا على الحاضر، بل مساءلة له: ماذا بقي من جرأتهم في خطاب اليوم؟ وما الذي خفّ وزنه حين غاب الذين كانوا يصوغون الكلمة والصورة بوصفهما موقفًا لا زينة؟
ظل يُخيّل إليّ أن روح السينما لا تخجل من التشكّل في روح المسرح. للمسرح صورته وهو يشتبك مع الحدث، في التاريخ القديم أو المعاصر، لا كمرآةٍ محايدة، إنما كصورةٍ حيّة تتعثّر وتنهض داخل جسدٍ أمامنا. وكأننا نسير في حديقةٍ غنّاء مليئة بالألوان والأضواء، وشيءٍ من الإكسسوارات التي تُغري بسدّ الفراغات، لكنها قد تُخفي الفراغ بدلا أن تُضيئه.
من هنا، حاولت فتح أفق التأمل فيما مضى من النتاج المسرحي الذاتي، وتكرار السؤال النقدي عمّا يتفرّد به المسرح عن السينما والفنون التشكيلية والرقصات الشعبية، والأشكال ما قبل المسرحية. المسرح فنّ عابر وزائل في آن، ولذلك يضع الكاتب أمام اختبارٍ مضاعف: كيف يُقيم معنىً في فنٍّ يمرّ سريعًا؟ وكيف يُنقذ من الزوال ما يستحق أن يبقى؟ الكتابة المسرحية ليست زهدًا ولا ترفًا، بل مهنة شاقّة ما عبر عن ذلك المخرج الراحل حاتم علي. ثمة فارق وجودي بين كتابةٍ تنطلق من شغفٍ وسؤالٍ وقلق وإحساس بمسؤولية نحو العالم الذي يواجه المحو، وكتابةٍ تتجه إلى المنفعة المادية الخالصة والحضور الزائف.
وحين يحاول النص المسرحي مقاربة أحداث العالم الخارجية -ويمدّها بتحليلات ودلالات وعلامات سيميائية مفارِقة- فهو لا ينفصل عن صوت الذات: طموحاتها وآلامها والظروف الخاصة المحيطة بها. يمتلك النص نزعتَه ونبرتَه، بما فيها السخرية التي تطال المؤسسات الرسمية و«هياكل الأصنام». ومع ذلك، لم تستطع طموحات الإبداع أن تمنع رصاصةً أو قذيفةً أو رشاشًا؛ وهو ما يفضح وهمًا نَفعيًا شاع طويلًا، مفاده أن الرؤى والمواثيق وحدها قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي.
لم ينجح المسرح في خلخلة الأوهام التاريخية كما حُلِم له، لكنه نجح أحيانًا في صنع أوهامٍ جديدة؛ وهنا تكمن المفارقة. ولا يملك الإنسان أمامها إلا أن يعمّق قراءتها وتفكيكها، لإنتاج معنى جديد للمقاومة: مقاومة الوهم، ومقاومة الاستسلام معًا.
وفي مقابل ذلك، تتقدّم أسئلة المؤسسات والرقابة: تلك التي تراقب المؤلف وتمنع لفظةً أو صورةً أو خيالًا. يسبق سؤالُ المنع سؤالَ الحرية، ويُحاكم النص على الماورئيات والدين والأخلاق والأيقونات التاريخية، بل وعلى ما يحاكيه من لاوعي، فتتآكل استقلاليته الذاتية وتضيق مساحته الممكنة.
لهذا أعود إلى عام 2025 كما هو: منجزٌ كان جميلًا، وتعثرٌ كان كبيرًا، لكنه عام كشف قيمة أن يكون للإنسان تجربته المعيشية التي يستطيع أن يرويها؛ بخساراتها الصغيرة، وبطموحاتها الجديدة دون صخب. عام حاولتُ فيه أن أصوغ ما مضى في كتابةٍ تعطي الأولويات صوتها، وتمنح المعنى فرصةً ليولد من الداخل لا من الشعارات. ومن هنا، أستقبل 2026 بلا وعود كبيرة، بل برغبة أبسط: أن أواصل بصدق، وأن أكون أقل قسوة على ما لم يتحقق.
كل عامٍ والعالم بخير.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.