مهرجان جرش للثقافة والفنون أربعون عاماً من إقامة المعنى في جسد المكان
تاريخ النشر: 31st, December 2025 GMT
صراحة نيوز-أحمد الشهاوي: مصر
ليس المهرجان حدثاً يُقاس بعدد دوراته، بل بما يتركه من أثر في الروح. ومهرجان جرش للثقافة والفنون، بعد أربعين عاماً، لم يعد مناسبة عابرة في الروزنامة الثقافية العربية، بل صار سؤالاً مفتوحاً عن معنى الثقافة، وقدرة الكلمة على البقاء في زمن يستهلك كل شيء بسرعة، حتى الأحلام.
منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حين أُعلن عن ولادة هذا المهرجان في حضن المدينة الأثرية، لم يكن الهدف الاحتفاء بالفن بوصفه زينة، بل استدعاء المعنى إلى فضاء عام، وجعل الثقافة حدثاً يومياً لا نخبة مغلقة.
وفي جرش، لا يُلقى الشعر في الفراغ. القصيدة هنا تمر عبر الحجارة، وتستعير صمت الأعمدة، وتجلس قليلاً على مدرّج عرف خطب الأباطرة، قبل أن تصير همس شاعر. المكان لا يزيّن النص، بل يوسّعه، يجعله أبطأ، أعمق، وأكثر قابلية للتأمل.
أن تقرأ قصيدة في جرش يعني أن تختبر هشاشة الزمن وقوته في آن. فالتاريخ، حين يجاور الحاضر، لا يفرض سلطته، بل يفتح باب السؤال: ما الذي يبقى؟ وما الذي يزول؟ وربما لهذا السبب، بدا مهرجان جرش منذ بدايته أقرب إلى طقس ثقافي منه إلى احتفال عابر.
لم يكن الشعر ضيفاً على مهرجان جرش، بل أحد سكّانه الدائمين. في أمسياته عبرت أصوات شعرية عربية كبرى، من أجيال مختلفة ورؤى متباينة، لكنها التقت جميعاً على الإيمان بأن القصيدة ما زالت قادرة على أن تقول شيئاً، حتى في الأزمنة الثقيلة.
ما ميّز التجربة الشعرية في جرش أنها لم تخضع لمنطق التصنيف أو الوصاية الجمالية. قصيدة التفعيلة جاورت قصيدة النثر، واللغة العالية التقت باللغة اليومية، والاختلاف لم يكن سبباً للإقصاء، بل شرطاً للحوار. هكذا تحوّل المهرجان، عبر السنين، إلى مرآة صادقة لتحولات الشعر العربي: قلقه وتجربته وانكساراته، ومحاولاته الدائمة لإعادة ابتكار ذاته.
ولم تتوقف التجربة عند منصّة القراءة. فالحوارات النقدية والندوات الفكرية كانت امتداداً للأسئلة التي تطرحها القصيدة نفسها: ما وظيفة الشعر؟ وما حدوده؟ وما علاقته بالعالم الذي يتغير أسرع مما نكتب عنه؟
ولم يقتصر حضور الأدب في مهرجان جرش على الشعر وحده، بل إن الرواية، والقصة، والنقد، والفكر، وجدت جميعها مكانها في هذا الفضاء. فلم يكن الأدب معزولاً عن أسئلته الكبرى، بل حاضراً بوصفه محاولة للفهم لا للزينة.
في مهرجان جرش الذي شاركت فيه منذ عام 1994 ميلادية، في إدارة كل من أكرم مصاروة، وجريس سماوي، وأيمن سماوي، التقى كتّاب المشرق والمغرب، لا تحت شعار الوحدة، بل تحت شرط الحوار. تعددت اللهجات، واختلفت المرجعيات، لكن الكلمة ظلّت قادرة على بناء جسر مؤقت، هش ربما، لكنه ضروري. ولهذا صار المهرجان، مع الوقت، أحد أهم ملتقيات التلاقح الأدبي العربي.
وفي عالم عربي شهد اختفاء مهرجانات كثيرة، أو تحوّلها إلى مناسبات شكلية، يطرح مهرجان جرش سؤال الاستمرار: كيف بقي؟ ولماذا؟
الجواب الأقرب إلى الحقيقة أن جرش لم يعامل الثقافة بوصفها ترفاً. منذ بدايته، كانت هناك قناعة بأن الثقافة فعل وعي، وأن الفن ليس زينة للواقع، بل أحد طرق مقاومته. هذه القناعة جعلت المهرجان يتجاوز الأزمات، ويتحمّل التوقف المؤقت، ويعود كل مرة بصيغة جديدة من دون أن يفقد اسمه أو روحه.
كما أن التعدد، لا الإقصاء، كان سراً آخر من أسرار البقاء. فالموسيقى لم تطغَ على الشعر، ولا المسرح على الفكر، بل ظل الجميع في حالة توازن هش لكنه منتج، توازن يشبه الحياة نفسها.
وبعد أربعين عاماً، لم يعد مهرجان جرش حدثاً يُنتظر بقدر ما صار ذاكرة تُستعاد. ذاكرة للأصوات التي مرّت، للنصوص التي قُرئت، وللأسئلة التي لم تُجب بعد. ذاكرة تقول إن الثقافة حين تجد من يؤمن بها تستطيع أن تصمد أمام النسيان.
إن تأثير مهرجان جرش في الحركة الشعرية والأدبية العربية لا يُقاس بالأرقام، بل بما أحدثه في الوعي: في فكرة اللقاء، في قيمة الحوار، وفي الإيمان بأن الكلمة ما زالت تستحق أن تُقال في فضاء عام.
جرش، في جوهره، ليس مهرجاناً، بل محاولة نجاة. نجاة للكلمة من العزلة، وللشعر من التهميش، وللثقافة من التحول إلى ديكور. أربعون عاماً، وما زال هذا المكان يقول لنا إن الفن، حين يُصان، لا يشيخ، وإن القصيدة، مهما بدا العالم صاخباً، ما زالت قادرة على أن تجد من يصغي إليها.
وهذا، ربما، هو معنى جرش الأعمق: أن تظل الكلمة ممكنة.
أيمن سماوي.. حين تستعيد جرش صوتها الثقافي وتنهض من الذاكرة إلى المستقبل
ولم يكن مهرجان جرش للثقافة والفنون يوماً مجرد تظاهرة موسمية تُضاء فيها المسارح وتُطفأ بانتهاء الصيف، بل كان منذ تأسيسه مرآة مفتوحة للهوية الثقافية الأردنية، ومنبراً عربياً منفتحاً على العالم. غير أن المهرجانات، كالكائنات الحية، تمرض إن غاب عنها التجديد، وتخبو إن لم تجد من يعيد إليها المعنى. من هنا يمكن قراءة تجربة أمين سماوي بوصفها لحظة إنقاذ ثقافي، لا مجرد إدارة تنفيذية عابرة.
حين تسلّم أيمن سماوي مسؤولية مهرجان جرش، كان يدرك أن التحدي لا يكمن في تنظيم الحفلات أو ملء المقاعد، بل في إعادة تعريف المهرجان: ما الذي يمثله؟ ولمن يُقام؟ وكيف يمكن له أن يستعيد مكانته من دون أن يتحول إلى نسخة باهتة من نفسه؟ هذه الأسئلة شكّلت جوهر مشروعه الثقافي، الذي انطلق من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية، وأن الفن إذا لم يكن ابن بيئته ومرآة عصره فقد شرعيته.
امتلك أيمن سماوي خبرة طويلة في العمل الثقافي والمهرجاني، لكنها لم تتحول إلى عبء تقليدي، بل إلى وعي نقدي يقرأ التجارب السابقة ويستخلص منها ما يصلح للحاضر. لذلك جاءت خطواته الأولى حذرة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. أعاد ترتيب أولويات المهرجان، ووسّع مفهوم الثقافة ليشمل المسرح، والشعر، والفنون التشكيلية، والحوار الفكري، إلى جانب الموسيقى والغناء، رافضاً اختزال جرش في ليلة طرب أو اسم نجم عابر.
ركّز أيمن سماوي على الإنسان الأردني بوصفه حجر الزاوية في نهضة المهرجان، ففتح المسارح أمام الفنانين المحليين إيماناً بأن الإبداع الحقيقي يبدأ من المكان. صارت جرش منصة لاكتشاف الأصوات الجديدة، ومختبراً للتجارب الفنية الشابة، ومساحة للقاء الأجيال، حيث يقف المحترف إلى جانب المبتدئ في مشهد ثقافي صحي لا يُقصي أحداً.
ولأن الثقافة لا تعيش في المركز وحده، عمل على كسر مركزية المكان، فامتدت فعاليات المهرجان إلى محافظات أردنية عدة، ليخرج الفن من أسوار المدينة الأثرية إلى فضاء المجتمع. بذلك لم يعد مهرجان جرش حدثاً نخبوياً محصوراً، بل فعلاً ثقافياً يومياً يلامس الناس في تفاصيل حياتهم.
وفي رؤيته، لم يكن الانفتاح على العالم ترفاً، بل ضرورة ثقافية. فاستضاف مشاركات عربية وعالمية متنوعة لتأكيد أن جرش قادرة على أن تكون نقطة التقاء حضاري، تتجاور فيها اللغات والإيقاعات والتجارب، من دون أن تفقد المدينة صوتها الخاص. الهوية القوية لا تخشى الآخر، بل تتحاور معه بثقة.
تميّزت تجربة أيمن سماوي أيضاً بإعادة الاعتبار للتنظيم المحترف، والخطاب الإعلامي الرصين، والعلاقة المتوازنة مع الجمهور. فصار المهرجان أكثر انضباطاً ووضوحاً في رسالته، وأكثر قدرة على مخاطبة أذواق مختلفة دون الوقوع في الابتذال.
وفي زمن تتراجع فيه القراءة وتضيق فيه مساحات الفكر، أعاد للشاعر والمثقف مكانتهما الطبيعية، فعادت الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية لتكون جزءاً أصيلاً من برنامج جرش، وكأن المهرجان يستعيد روحه الأولى: روح السؤال لا الاكتفاء بالإجابة الجاهزة.
أيمن سماوي ليس مديراً يقف خلف الكواليس فحسب، بل مثقف يدرك أن الإدارة الثقافية فعل معرفي، وأن النجاح لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالأثر: في وعي الشباب، وفي صورة الأردن الثقافية، وفي قدرة الفن على أن يكون لغة مشتركة وسط عالم من الضجيج والانقسام.
واليوم يمكن القول إن مهرجان جرش، في ظل إدارة أيمن سماوي، استعاد شيئاً من هيبته الثقافية، ومن حضوره العربي، ومن علاقته الحميمة بجمهوره. لم يعد مجرد ذاكرة جميلة، بل مشروعاً حياً يتنفس ويتجدد.
عموماً لا يقدّم أيمن سماوي نفسه بوصفه بطلاً فردياً، بل كجزء من فريق ورؤية تؤمن بأن الثقافة عمل جماعي. لكنه كان، بلا شك، الشرارة التي أعادت إشعال الضوء في مسارح جرش، وجعلت من الحجارة القديمة أصواتاً جديدة، ومن التاريخ شريكاً للمستقبل.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن مهرجان جرش أیمن سماوی قادرة على لم یعد لم یکن على أن
إقرأ أيضاً:
مهرجانات تراثية صيفيه
مهرجانات تراثية صيفيه
تزخر دولة الإمارات بمهرجانات التمور والرطب السنوية مما يؤكد على أهمية شجرة النخيل في حياة أهل الإمارات خاصة منذ مئات السنين وازداد الاهتمام بها في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، باني الاتحاد الذي حرص على الاهتمام بالزراعة وتحويل الصحراء إلى واحة خضراء وتوفير كل ما تحتاج إليه النخيل من مياه عذبة وارض خصبة وشجع على ان يكون لدى الجميع مزارع خاصة بالنخيل والحمضيات مما شجع على الزراعة وإنتاج مختلف الأنواع الزراعية بجودة عالية، ومن أشهر مقولات الشيخ زايد رحمه الله “أعطوني زراعة أضمن لكم حضارة”.
ومن أشهر المهرجانات في دولة الإمارات السنوية في فصل الصيف مهرجان ليوا للرطب في مدينة ليوا في منطقة الظفرة والذي يقام برعاية كريمة من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة حيث انطلق المهرجان في دورته الثانية والعشرين بتنظيم من هيئة أبوظبي للتراث والذي يتضمن 23 مسابقة خصص لها جوائز تشجيعية بقيمة اكثر من 8 ملايين درهم، ويتضمن المهرجان سوق الرطب والمنتجات الزراعية، والسوق التراثي، وركن الحرف التراثية، والفنون الشعبية، وركن الأسرة، إضافةً إلى المحاضرات والورش التوعوية، ومشاركة الجهات الحكومية والخاصة والشركاء الاستراتيجيين في المهرجان، وتعد واحة ليوا من أهم مناطق زراعة النخيل في العالم، مما يضعها على خريطة السياحة العالمية والارتقاء بأصناف تمور الإمارات وتعزيز تنافسيتها محلياً ودولياً حيث شهد مهرجان ليوا للتمور منافسات بين المزارعين في مجال مزاينة التمور وتتم المزايدة عليها نظرا لجودة ونظافة ونوعية التمور حيث يفخر المزارعين في المزاد بإنتاجهم الذي يلاقي اعجاب جميع الزوار والتجار .
لا شك أن هذا المهرجان العالمي فرصة لترسيخ أهمية النخلة وانتاجها من الرطب والتمور وقيمتها في العالم خاصة لدولة الإمارات وما تنتجه من أجود الأنواع سواء كانت محلية او خليجية او عربية فجميعها تزرع فيها حاليا مما جعلها في الصدارة دائما بفضل دعم القيادة للمزارعين وتشجيعهم واقامة مثل هذه المهرجانات لهم لتسويق منتجاتهم داخل وخارج الدولة، كما ان جهود اللجنة المنظمة كبيرة في هذا المهرجان وتحرص اللجنة على إبراز الحدث بشكل يليق بسمعة الدولة وإبرازه في كافة وسائل الإعلام من خلال الحفاظ على التراث الإماراتي واستمراريته للأجيال القادمة ويعزز ارتباطهم بهويتهم الوطنية والذي يزدهر سنويا بتنوع منتجاته .
وبفضل القيادة الرشيدة التي تحرص على الاهتمام بالزراعة المستدامة وتوفير المناخ المناسب لها ومن خلال رعاية المهرجانات السنوية فنجد مهرجان ليوا للرطب ومهرجان الذيد للرطب ومهرجان عجمان للرطب والعسل ومهرجان دبي للرطب الذي قام بمبادرة مميزة هذا العام حيث تم توزيع الرطب على المواطنين في مجالس أحياء دبي والتي تم انتاجها من قبل مزارع عدد من المواطنين والشركاء مما يشير الى ان لدينا ارثا زراعيا تتناقله الأجيال بكل فخر وحب وترتقي به سنويا من حيث الأنواع المختلفة من التمور والفواكه النادرة التي تزرع ويتم تسويقها بكل فخر، وتبقى شجرة النخيل عنوان الفخر والكرم التي يفخر بها كل إماراتي إذ لا يوجد بيت الا وزرعت فيه هذه الشجرة المباركة المعطاءة كعطاء قيادة وشعب الإمارات الكريم …ودامت المهرجانات في دولتنا الحبيبة.. حماها الله ورعاها ..