باب المندب.. شريان النفوذ الذي يغيّر وجه المنطقة
تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT
منذ اندلاع ثورة عام 2011 وما تلاها من انتقال سياسي هشّ، دخل اليمن مرحلة اضطراب طويلة انتهت بسيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، ثم التمدد نحو عدن وإسقاط الحكومة، لتطلب الأخيرة التدخل الخارجي. وفي آذار/ مارس 2015 أعلنت السعودية إطلاق التحالف العربي بمشاركة الإمارات بقوة عسكرية واسعة، فانتقلت الأزمة من نزاع محلي إلى ساحة إقليمية تشتبك داخلها المشاريع والخرائط.
ورغم أن الرياض وأبو ظبي دخلتا الحرب تحت شعار واحد وهو استعادة الشرعية ووقف تمدد الحوثيين، فإن الهدف الواحد لم ينتج رؤية واحدة لمستقبل اليمن. السعودية تعاملت مع الملف باعتباره عمقها الأمني الجنوبي، ولا ترى اليمن مشروعا منفصلا عن أمن حدودها واستقرارها الداخلي، بينما كانت الإمارات تنظر إلى السواحل والموانئ بوصفها مركز النفوذ الحقيقي، وإلى الجنوب بوصفه بوابة لبناء شريك محلي موالٍ يمكنه إدارة الموانئ والجزر وحماية خطوط الملاحة العالمية.
السعودية تريد دولة واحدة قابلة للضبط المركزي، والإمارات تريد جنوبا ممهورا بحلفاء ونفوذ تجاري مستدام. هنا بدأ الافتراق الأول بين الحليفين.
في السنوات الأولى للحرب بدا التحالف بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد متماسكا؛ خطاب موحد، عمليات مشتركة، عدو مشترك، لكن تحت هذا السطح كانت الرؤية تتباعد حتى تلاشت. ركزت الرياض على منع قيام سلطة معادية قرب حدودها، وعلى فكرة يمن موحد أو شبه موحد يمنع تحوله إلى خاصرة رخوة. أما الإمارات فاشتغلت على ملفات ثلاثة متوازية: مكافحة التيارات الإسلامية خصوصا حزب الإصلاح (معاداة التيارات الإسلامية السياسية خشية انتقال تأثيرها للداخل وتجييش الشارع منذ الربيع العربي)، وتعزيز النفوذ على الموانئ وخطوط الملاحة في خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، وبناء شبكات قوة جنوبية تملك السلاح والقرار.
بلغ التحالف ذروته بعد أزمة حصار قطر (2017)، لكن التحالف الظاهر أخفى مشروعين لا يلتقيان في رؤية المشروعات المستقبلية. في عام 2019) خرج الاختلاف من غرف القرار إلى الميدان، حين دعمت أبو ظبي المجلس الانتقالي الجنوبي ضد قوات حكومية مدعومة من الرياض في عدن. بدا ذلك أول اشتباك بين رؤيتين داخل ساحة قتال واحدة، ولاحقا أعلنت الإمارات تقليص وجودها العسكري، لكنها تركت خلفها قوات محلية ونفوذا واسعا يصعب تفكيكه.
بمرور الوقت توسع المجلس الانتقالي في عدن وسواحل الجنوب ثم في مساحات واسعة من حضرموت والمهرة، وهما منطقتان تعتبرهما الرياض خطا أحمر لامتداد أمنها نحو بحر العرب وحدود سلطنة عمان. شعرت السعودية بأن المشروع الجنوبي المدعوم إماراتيا يهدد وحدة اليمن، فتصاعد التوتر بضربات ورسائل ضغط واضحة.
وفي نهاية عام 2025 أعلنت الإمارات إنهاء مهمة وحداتها المتبقية في اليمن، بينما ألغى مجلس القيادة اليمني المدعوم سعوديا اتفاقية دفاع معها وطلب انسحاب القوات. كان ذلك انتقالا من التنافس الصامت إلى افتراق معلن، لكن دون قطيعة كاملة. فالإمارات انسحبت عسكريا، لكنها تركت مشروعها قائما عبر المجلس الانتقالي، فيما تتمسك السعودية بوحدة اليمن كمدخل لأمن حدودها.
اليوم تتوزع البلاد بين الحوثيين في الشمال وصنعاء والحديدة، والحكومة المدعومة سعوديا في مأرب والمهرة، والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا في عدن والسواحل والجزر الاستراتيجية. ثلاث سلطات داخل جغرافيا واحدة، وثلاث خرائط فوق أرض أنهكتها الحرب.
السعودية تفكر بمنطق الدولة، والإمارات بمنطق البحر والموانئ والنفوذ اللوجستي، وإيران بمنطق العمق الإقليمي، فيما تراقب الولايات المتحدة مضيق باب المندب كأولوية قصوى لضمان حركة التجارة العالمية، ليس داخل اليمن فقط بل عبر الصومال والقرن الأفريقي أيضا.
ما يجري في اليمن لم يعد حربا أهلية فقط، بل تحول إلى معادلة توازن في البحر الأحمر. نهاية الحرب لن تكون بقرار داخلي محض، بل بمدى قدرة الرياض وأبو ظبي على صياغة معادلة نفوذ مشتركة أو تقاسم المساحات دون كسر الآخر. وبينما يبقى اليمن مفتوحا على خرائط القوى، يدفع الشعب ثمن الجغرافيا الأغلى في المنطقة.
وفي قراءة أعمق لمسار الحرب، يتضح أن الإمارات لم تتعامل بوصفها شريكا يتقدم ضمن تحالف، بل قوة تستثمر اللحظة في مشروع نفوذ بحري. كان التحول الإماراتي أقرب إلى انتهازية استراتيجية قدمت الموانئ والمضائق على روح الشراكة. تحركت أبو ظبي بمنطق المكسب قبل التحالف، والممر قبل الدولة، فابتعدت عن المسار السعودي القائم على وحدة اليمن. هكذا تحولت الحرب إلى مساحة مصالح متوازية لا تلتقي إلا عند حدود التكتيك العسكري، بينما تتباعد جذريا عند السياسة والمستقبل.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء اليمن السعودية الإمارات باب المندب السعودية اليمن الإمارات البحر الاحمر باب المندب قضايا وآراء قضايا وآراء مدونات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة صحافة سياسة صحافة اقتصاد رياضة صحافة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
تقارير غربية: انخراط الحوثيين في الحرب الإيرانية يقرب المواجهة مع ترمب
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتزايد المؤشرات على أن ميليشياء الحوثي تتجه للانخراط بصورة مباشرة في المواجهة الإقليمية عبر فتح جبهة البحر الأحمر وباب المندب، في خطوة تنذر بتوسيع نطاق الحرب وتهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتجمع تقارير صادرة عن وسائل إعلام أمريكية وبريطانية على أن تهديدات الميليشيات الحوثية بفرض حصار بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية لا تمثل مجرد تصعيد سياسي، بل قد تدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد الحوثيين إذا تحولت تلك التهديدات إلى واقع.
وتشير تلك التقارير إلى أن الميليشيات، المدعومة من إيران، لا تتحرك بمعزل عن الحسابات الإقليمية، بل تسعى إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط ضمن استراتيجية إيرانية لتوسيع ساحات المواجهة، عبر تهديد إمدادات الطاقة العالمية وإرباك حركة التجارة الدولية في وقت يشهد فيه الخليج توترات غير مسبوقة.
وأكدت وكالة أسوشيتد برس أن إعلان الحوثيين فرض حصار على الملاحة المرتبطة بالسعودية قد يؤدي إلى توسيع الحرب مع إيران، فضلاً عن تعطيل إمدادات النفط العالمية والتجارة الدولية. وأوضحت أن الجماعة سبق أن أعلنت خلال حملتها ضد السفن المرتبطة بإسرائيل أنها ستستهدف أهدافاً محددة، لكنها هاجمت في الواقع سفناً لا علاقة مباشرة لها بالصراع، ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو ذاته في البحر الأحمر.
وبحسب الوكالة، فإن مجرد التهديد كفيل بإجبار شركات الشحن العالمية على تجنب باب المندب، بينما قد تؤدي أي هجمات متفرقة إلى شل حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، بما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وفي مؤشر على جدية الموقف، نقلت الوكالة عن ثلاثة مسؤولين حوثيين أن الجماعة وضعت منذ أشهر خطة متكاملة لتعطيل الملاحة في باب المندب، تشمل نشر ألغام بحرية، واستخدام زوارق مفخخة وطائرات مسيّرة وحتى مروحيات لنقل مقاتلين إلى السفن التجارية والسيطرة عليها، وهو ما يمثل تطوراً لافتاً في طبيعة التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطط تكشف انتقال الحوثيين من سياسة الهجمات المحدودة إلى استراتيجية تستهدف تحويل البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة، بما يضاعف المخاطر الأمنية ويهدد الاقتصاد العالمي في وقت واحد.
وفي السياق ذاته، اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز أن الحوثيين يقتربون من الدخول المباشر في الحرب الأمريكية الإيرانية بعد إعلانهم حصار البحر الأحمر باتجاه السعودية، وهو ما قد يفتح جبهة جديدة في الصراع الإقليمي. وأشارت إلى أن محللين يرون أن طهران تدفع الحوثيين نحو تصعيد الضغوط في باب المندب لإرسال رسالة إلى واشنطن بأن النفوذ الإيراني لا يقتصر على مضيق هرمز، بل يمتد أيضاً إلى البحر الأحمر عبر حلفائها في اليمن.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في مجموعة الأزمات الدولية أحمد ناجي قوله إن إيران تنظر إلى تهديد الحوثيين للبحر الأحمر باعتباره ورقة ضغط استراتيجية في مواجهتها مع الولايات المتحدة، بما يمنحها قدرة إضافية على التأثير في أسواق الطاقة العالمية.
وتتوافق هذه القراءة مع ما أوردته صحيفة الغارديان البريطانية، التي رأت أن تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع تهديدات إيران في الخليج، يضع صادرات النفط السعودية بين فكي كماشة، ويزيد من احتمالات توسع الأزمة الإقليمية بصورة خطيرة.
وأوضحت الصحيفة أن إيران سبق أن دفعت الحوثيين نحو إغلاق باب المندب إذا استمرت الولايات المتحدة في استهداف منشآتها، معتبرة أن باب المندب يمثل بالنسبة لطهران نقطة موازنة استراتيجية أمام الضغوط الأمريكية في مضيق هرمز.
ولم تقتصر آثار التهديدات على الجانب السياسي، إذ كشفت الغارديان أن ناقلتي نفط تحملان الخام السعودي إلى الصين والهند غيرتا مسارهما بعيداً عن السواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تتعامل مع التهديدات باعتبارها خطراً حقيقياً وليس مجرد تصريحات إعلامية.
كما أشارت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط أليسون مينور إلى أن أي سفينة تزور الموانئ السعودية وتحمل النفط السعودي قد تصبح هدفاً محتملاً للجماعة، لافتة إلى أن الحوثيين سبق أن استخدموا الزوارق الصغيرة والطائرات المسيّرة والصواريخ في مهاجمة أكثر من مائة سفينة تجارية خلال الأعوام الماضية، ما جعل الملاحة في المضيق محفوفة بالمخاطر.
وفي الاتجاه ذاته، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن تهديدات الحوثيين المدعومين من إيران دفعت عدداً من السفن إلى تغيير مساراتها، بعد تلقيها تحذيرات لاسلكية تمنعها من عبور باب المندب إذا كانت قد رست في موانئ سعودية، وهو ما يعكس تصاعد المخاوف لدى قطاع الشحن العالمي من عودة البحر الأحمر إلى دائرة الاضطراب.
أما صحيفة واشنطن تايمز، فربطت بين هذه التطورات وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي توعد الحوثيين بالرد إذا نفذوا تهديداتهم، مؤكداً أن الولايات المتحدة "ستتعامل مع الأمر" كما فعلت في السابق.
ورأت الصحيفة أن أي هجوم أمريكي جديد على معاقل الحوثيين سيشكل توسعاً كبيراً للحرب الدائرة مع إيران، لكنه في الوقت ذاته يعكس استعداد واشنطن لمنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز تهدد الاقتصاد العالمي.
وتعكس مجمل هذه التقارير الغربية قناعة متزايدة بأن تحركات الحوثيين لم تعد مجرد امتداد للصراع اليمني، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لتوسيع دائرة المواجهة الإقليمية عبر استهداف الممرات البحرية الحيوية.
كما تشير إلى أن استمرار الجماعة في التهديد باستخدام الألغام البحرية والزوارق المفخخة والطائرات المسيّرة قد يدفع الولايات المتحدة إلى استئناف عملياتها العسكرية ضد الحوثيين، بما يعيد اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي ويهدد بإشعال مواجهة جديدة تتجاوز حدود البلاد إلى أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.