بوابة الوفد:
2026-07-24@02:10:51 GMT

فيلم "الأب".. الصدمة المدمرة

تاريخ النشر: 1st, January 2026 GMT

من سلوفاكيا يأتي هذا الفيلم البديع المدهش، بأسلوبه الصادم والجذاب في آن، يصور موضوعا جديدا تماما على السينما، وقد دهشت شخصيا لقدرة مخرجته الشابة تيريزا نفوتوفا، على التحكم والسيطرة الكاملة، بل وعلى تدفق سياق السرد دون أن يفلت منها الإيقاع لحظة واحدة، أو يختل التوازن الدقيق للعمل بأسره، بحيث يظل يستولي على أذهان وعقول ومشاعر المشاهدين.


أهم ما يلفت النظر في هذا الفيلم موضوعه الجديد تماما على السينما والدراما بشكل عام، الذي يدور حول "مايكل"، وهو أبّ عادي يعيش حياة مستقرة مع زوجته وابنته الصغيرة في عمر الزهور. زوجته لديها ما يشغلها في ذلك اليوم الذي سيصبح أطول يوم في تاريخ حياته وعنده سيتوقف الزمن، فيضطر هو لتوصيل ابنته بسيارته إلى الحضانة. يودعها وهي تركض ناحية المدخل ويستأنف سيره ويترك السيارة قرب مكان عمله ويصعد. 
مايكل هو رئيس تحرير مجلة أسبوعية تواجه مشاكل مالية خانقة. ذهنه مشغول بالتوصل إلى حل لمشكلة المجلة. بعد مرور نحو 6 ساعات تتصل به زوجته وتخبره أنها تلقت اتصالا من المدرسة يسألونها لماذا تغيبت الطفلة اليوم. مايكل يؤكد أنه أوصلها بنفسه، بل وشاهدها بنفسه وهي تدخل إلى المدرسة، ولكن بعد تأكيدات زوجته، يهرع إلى الشارع ليتفقد السيارة فيصدم الصدمة الأكبر في حياته. إنه يعرف الآن أنه ترك ابنته في المقعد الخلفي لسيارته تحت الشمس الحارقة عن غير قصد بسبب تعرضه لما يسمى بـ "متلازمة الطفل المنسي" وهي شبيهة بأن ينسى المرء تليفونه المحمول في السيارة مثلا، لكنه يكون واثقا أنه معه. إنها حالة عقلية تجعل المرء يستمر في قياة السيارة بشكل آلي دون تفكير، كما اعتاد أن يفعل يوميا.
منذ تلك اللحظة، ينهار عالم مايكل ويغرق في الشعور بالذنب والعجز. يواجه محاكمةً قد تقوده إلى السجن. تتفكك علاقته بزوجته ويصبح في نظر المجتمع قاتلا، ويعترف هو بانه هو الذي "قتل ابنته"، ولا يبدو أن هناك أي قوة في الأرض ستجعله يتزحزح عن شعوره العميق بالذنب.
جمال الفيلم أنه لا يبحث عن الأسباب، بل يتركز على تصوير التجربة النفسية لبطله، كيف ينهار الإدراك ويتراجع التواصل مع الواقع، مع بقاء الكاميرا لصيقة به، ونحن نرى كل ما يحدث من عينيه وضميره. وحتى بعد أن تدرك زوجته أنه لم يكن يقصد وأنه تعرض لحالة نفسية نادرة تصيب المخ البشري، من النسيان والتغاضي أو العمى عن إدراك الحقيقة والواقع، فإنه لا يستطيع قط أن يسامح نفسه. وأخطر ما يترتب على ما يصيبه من تشوش، ما يسيطر عليه من شعور بأنه لا يستحق الحياة بعد ما حدث. 
معظم مشاهد الفيلم، مصورة في لقطات طويلة تمتد إلى مشهد كامل، وهو أسلوب يعمق من الشعور بالاختناق وعدم القدرة على الهروب من الألم.
الفيلم لا يمنح خلاصًا أو نهاية مريحة؛ بل يُظهر أن التعايش مع الخطأ والمضي قدمًا قد يكون الإنجاز الأكبر الذي يمكن المرء أن يحققه ويستطيع بالتالي الاستمرار في العيش. لكن ليس في حالة مايكل، فهو يعجز عن مغادرة الشعور بالإثم. 
وكما يصبح مايكل آثما في نظر نفسه، يصبح مجرما في نظر المجتمع الذي كان قبل الحادث يقدره ويحترمه، رغم أن الحالة الطبية النادرة أصبحت معروفة وثابتة بتقارير الأطباء النفسيين الذين استعانت بهم المحكمة وبموجب شهاداتهم تم تبرئته من الإهمال والتسبب في القتل الخطأ.
ولعل أهم العناصر التي تجعل الفيلم شديد التأثير على المشاهدين، غير قادرين على رفع عيونهم عن الشاشة لحظة واحدة، إلى جانب السيناريو المحكم، والإخراج المتمكن، ذلك الأداء الفذ من جانب الممثل "ميلان أوندريك" الذي يقدم أداءً مؤثرًا في تصوير الانهيار الداخلي كما ينعكس، على الجسد والنفس.
الفيلم دراسة في الإنسانية عندما تتفتت أمام خطأ لا يمكن العودة عنه، وعمل سينمائي يدفع المشاهد للتساؤل: هل يمكننا أن نغفر لأنفسنا قبل أن يغفر لنا الآخرون؟ وما هو الثمن الحقيقي للبقاء بعد انهيار كل ما نحبه؟ 
هذا الفيلم مرشح قوي يمثل بلاده في فئة أفضل فيلم عالمي في مسابقة الأوسكار القادمة. وأعتبره دون شك، من أفضل أفلام العام 2025.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: د أمير العمري

إقرأ أيضاً:

الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟

منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.

واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of list

ويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.

مظاهرة للاحتجاج على إقالة وزير الدفاع فيدوروف والمطالبة بعزل سيرسكي في كييف 20 يوليو/تموز 2026 (رويترز)ينتمي لجيل جديد

ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.

ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.

وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.

دراباتي خلال اجتماعه مع الرئيس زيلينسكي في العاصمة كييف في يوليو/تموز 2026 (أسوشيتد برس)استعادة رؤية فيدوروف

غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.

إعلان

لكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.

وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.

ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".

المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة

بواسطة مارك سانتورا

قائد جريء

وتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.

وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.

ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.

مهمات جديدة معقدة

غير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.

كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.

ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.

نهاية مرحلة

في المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.

وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.

إعلان

لكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.

صراع بين مدرستين

وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.

وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.

وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.

أزمة الموارد البشرية

ويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.

وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.

وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.

مقالات مشابهة

  • آلاف العائلات في غزة تكابد للعيش وسط ركام منازلها المدمرة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه