ليست فلسطين مجرّد قضية سياسية عالقة، ولا نزاعا جغرافيا طويل الأمد، بل هي -في جوهرها- اختبار أخلاقي متكرر فشل فيه العالم مرارا. فمنذ أكثر من سبعين عاما، يقف الشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني واضح المعالم، بينما يصرّ النظام الدولي على التعامل مع هذا الواقع بوصفه "نزاعا معقّدا" قابلا للإدارة، لا جريمة مستمرة تستوجب الإنهاء والمحاسبة.

هذا التوصيف المضلِّل لم يكن خطأ لغويا بريئا، بل كان أساسا لبناء سياسة عالمية سمحت بإطالة عمر الظلم وتحويله إلى أمر واقع.

على امتداد هذه العقود، لم يكن الفلسطيني يدافع عن أرضه فحسب، بل عن منظومة قيم ادّعت البشرية جمعاء تبنّيها بعد الحرب العالمية الثانية: حق تقرير المصير، ورفض الاحتلال، وتجريم التمييز، وحماية المدنيين. ومع ذلك، وبدل أن تكون هذه القيم سندا له، تحوّلت إلى عناوين انتقائية، تُستحضر حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمَل حين تصطدم مع حليف استراتيجي أو حسابات جيوسياسية.

لقد أدّى هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة إلى حالة غير مسبوقة من التطبيع مع الجريمة. فالاحتلال، الذي يُفترض أن يكون حالة استثنائية مرفوضة، جرى التعامل معه كواقع دائم، والاستيطان، الذي يُعدّ وفق القانون الدولي جريمة حرب، تحوّل إلى "خلاف قانوني". أما الحصار والعقاب الجماعي، فقد أُعيد تعريفهما كإجراءات أمنية. بهذه الطريقة، لم يُسلب الفلسطيني أرضه فقط، بل سُلب حقه في توصيف ما يتعرّض له.

غير أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر شكّل لحظة مفصلية، لا في تاريخ الصراع فحسب، بل في تاريخ النظام الدولي المعاصر. فالحرب على غزة لم تكن مجرّد تصعيد عسكري، بل عملية شاملة استهدفت بنية الحياة ذاتها: الإنسان، والمكان، والذاكرة. جرى ذلك في وضح النهار، وتحت عدسات الكاميرات، وبشهادات موثّقة من منظمات دولية وصحفيين وأطباء وناجين. ومع ذلك، فشل العالم -مرة أخرى- في اتخاذ موقف يتناسب مع حجم الجريمة.

في غزة، لم يكن القتل عشوائيا، بل ممنهجا، ولم يكن التدمير نتيجة جانبية، بل هدفا معلنا، ولم يكن التجويع خللا لوجستيا، بل أداة ضغط واضحة. ومع ذلك، أصرّت عواصم كبرى على استخدام لغة مخففة، تفرغ المأساة من مضمونها، وتحوّل الإبادة إلى "سياق معقّد". هذه اللغة لم تكن مجرد توصيف، بل كانت غطاء سياسيا وأخلاقيا لاستمرار الجريمة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الخذلان العربي عن التواطؤ الدولي. فالأنظمة العربية، في معظمها، اختارت الصمت أو العجز أو الحياد، وتصرّفت وكأن ما يجري شأن خارجي لا يمسّ أمنها أو قيمها أو تاريخها. لكن هذا الفشل الإقليمي ما كان ليأخذ هذا المدى لولا الغطاء العالمي الذي سمح له بالاستمرار. فحين تصمت الأمم المتحدة، ويُشلّ مجلس الأمن، وتُعطّل آليات المحاسبة، يصبح الصمت العربي جزءا من منظومة أوسع، لا استثناء فيها.

لقد كشفت هذه المرحلة عن أزمة عميقة في مفهوم "النظام الدولي القائم على القواعد". فهذه القواعد، التي يُفترض أنها عامة وملزمة، تبيّن أنها خاضعة لميزان القوة؛ تُفعَّل حين يكون الجاني ضعيفا، وتُجمَّد حين يكون قويا أو محميا. بهذا المعنى، لم يعد القانون الدولي مرجعية أخلاقية، بل أداة سياسية تُستخدم انتقائيا، ما أفقده شرعيته في نظر الشعوب المتضرّرة.

الأخطر من ذلك، أن هذا الانحياز لم يكن سياسيا فقط، بل إعلاميا وثقافيا. فقد لعبت قطاعات واسعة من الإعلام الدولي دورا في إعادة صياغة الرواية، عبر مساواة غير أخلاقية بين الضحية والجلاد، أو عبر التركيز على "السياق الأمني" وتجاهل الجذور الاستعمارية للصراع. هذا التشويه المنهجي للواقع لم يقتل الحقيقة فقط، بل أسهم في تطبيع العنف، وتحويل المجزرة إلى خبر عابر.

في المقابل، وُضع الفلسطيني مرة أخرى في موقع المتّهم؛ طُلب منه أن يبرّر مقاومته، وأن يعتذر عن بقائه، وأن يلتزم بقواعد اشتباك لم يضعها هو، ولم تُطبّق يوما على من يحتل أرضه. هذا المنطق لا يعكس حرصا على المدنيين، بل رغبة في نزع الشرعية عن أي فعل مقاوم، وتحميل الضحية مسؤولية الجريمة الواقعة عليها.

إن مطالبة شعب واقع تحت الاحتلال، ويتعرّض للحصار والقصف والتجويع، بأن يكون "عقلانيا" وفق معايير من يعيشون في أمان، ليست دعوة للسلام، بل إعادة إنتاج للظلم بلغة أخلاقية زائفة. فالحياد، في مثل هذه الظروف، لا يعني التوازن، بل يعني الانحياز للأقوى، لأنه يكرّس الواقع القائم ويمنحه شرعية ضمنية.

من هنا، تصبح فلسطين أكثر من مجرد قضية وطنية؛ تصبح مرآة تعكس أزمة القيم العالمية. فهي تكشف حدود الخطاب الليبرالي حين يتعارض مع المصالح، وتفضح هشاشة الالتزام بحقوق الإنسان حين يكون الضحية من خارج الدائرة الغربية. كما تكشف عجز النخب السياسية والثقافية عن اتخاذ مواقف مبدئية حين يكون الثمن سياسيا أو اقتصاديا.

لقد اعتاد العالم الحديث على تقديم نفسه بوصفه متعلما من مآسي القرن العشرين، رافعا شعار "لن يتكرر"، لكن ما يجري في فلسطين يثبت أن هذا الشعار لم يكن التزاما أخلاقيا بقدر ما كان وعدا انتقائيا. فالإبادة، حين تطال شعبا محتلا خارج مراكز القوة، تصبح قابلة للتأجيل والتبرير والمساومة.

ومع ذلك، ورغم هذا الانكشاف الشامل، لم تُهزم فلسطين، فالهزيمة لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل بقدرة الجريمة على كسر المعنى. والفلسطيني، رغم كل ما تعرّض له، ما زال متمسكا بحقه، وبقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها. هذه القدرة، في عالم يفرّ من الحقيقة، هي شكل من أشكال القوة.

الهزيمة الحقيقية لحقت بمن صمت، وبرّر، ووازن بين الدم والمصلحة، لحقت بنظام دولي فقد بوصلته الأخلاقية، وبنخب اختارت السلامة الفكرية على حساب العدالة. أما فلسطين، فقد بقيت شاهدا، لا على مأساة شعبها فقط، بل على سقوط منظومة كاملة ادّعت تمثيل الإنسانية.

إن قراءة ما يجري اليوم بمعزل عن هذا السياق الواسع هي قراءة ناقصة، فالقضية ليست فقط وقف إطلاق نار أو مساعدات إنسانية، بل إعادة طرح سؤال جوهري: ما قيمة القيم إذا لم تُطبّق على الجميع؟ وما معنى العدالة إذا كانت خاضعة للهوية والقوة؟

في هذا المعنى، تصبح فلسطين الاختبار الأخلاقي الأخير، اختبارا للصدق لا للخطابة، وللموقف لا للبيانات. ومن يفشل فيه اليوم، لن يُدان سياسيا فحسب، بل سيُسجَّل في ذاكرة الشعوب بوصفه شريكا في الصمت، وهو شكل من أشكال العنف لا يقلّ أثرا عن السلاح.

القيمة الحاكمة لهذا المقال بكلمتين: العدالة الكاشفة

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء فلسطين النظام الدولي الاحتلال القانون الدولي احتلال فلسطين القانون الدولي ابادة النظام الدولي قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة رياضة تفاعلي صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة حین یکون ومع ذلک لم یکن

إقرأ أيضاً:

"لولاي لكنت في السجن".. هل رفع ترامب "الغطاء الأخير" عن عناد نتنياهو؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قراءة في الشروخ العميقة بين "سيد البيت الأبيض" وحليفه الصعب.. كيف تحولت الشراكة الاستراتيجية إلى توبيخ مهين؟ ولماذا أنقذت واشنطن بيروت من كارثة محققة؟
 

لم تكن الكلمات المفتتة التي سربها موقع "أكسيوس" الأمريكي حول المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هي بمثابة "زلزال سياسي" كشف عن شروخ غائرة في جدار التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب. عبارة ترامب الفجة والصادمة: "أنت مجنون تماما. لولا أنا لكنت في السجن"، لم تكن مجرد تعبير عن غضب لحظي، بل تعكس تحولا جذريا في طريقة إدارة واشنطن لحليفها الأكثر "تمردا" في الشرق الأوسط.

من يقرأ ما وراء سطور هذا التسريب المدوي، يدرك أن الصبر الأمريكي تجاه الاستراتيجية التي يتبعها نتنياهو قد نفد بالفعل. لطالما اعتبر نتنياهو نفسه "الابن المدلل" للتيار اليميني الأمريكي، مستندا إلى شبكة أمان سياسية وعسكرية وفرتها له الإدارات الأمريكية المتعاقبة. لكن حين يأتي التوبيخ من ترامب شخصيًا وبمثل هذه القسوة، فإن القراءة الاستراتيجية للمشهد تفرض علينا التوقف أمام دلالات بالغة الخطورة والتأثير.


لأول مرة في تاريخ العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية، يربط رئيس أمريكي بين استمرار الدعم الدبلوماسي لبلد حليف، وبين المصير الجنائي والشخصي لرئيس وزرائه ترامب عندما قال لنتنياهو "أنا أنقذك"، كان يذكره بوضوح بالملفات القضائية والسياسية الداخيلة التي تلاحق "بيبي" في الداخل الإسرائيلي، وهي إشارة واضحة إلى أن الغطاء الأمريكي الذي يحمي نتنياهو من السقوط والمساءلة ليس شيكا على بياض، وأن واشنطن قادرة على سحبه في أي لحظة إذا ما هددت تصرفات تل أبيب المصالح العليا للولايات المتحدة.

 الفيتو الأمريكي ينقذ بيروت


كواليس المكالمة تكشف أن العاصمة اللبنانية بيروت كانت على مسافة خطوة واحدة من سيناريو كارثي يشبه تدمير قطاع غزة اعتراض ترامب الحاد على الضربات التي تسبب خسائر جسيمة بأهداف محدودة يعكس وعيا أمريكيا  بأن توسيع رقعة الحرب إلى العاصمة اللبنانية لن يؤدي إلى تركيع حزب الله، بل سيفجر حزاما من النار يلتهم الإقليم بأكمله. التراجع الإسرائيلي الفوري عن ضرب بيروت -كما أكدت المصادر العبرية- يثبت أن القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل لا تزال تخشى العزلة الدولية الشاملة، وأنها لا تملك القدرة على خوض حرب إقليمية واسعة دون لوجستيات الدعم الأمريكي.

 

مفاوضات إيران


يتضح من التحليل الدبلوماسي للمكالمة أن ترامب، الذي يعتز دائما بعقليته كصانع صفقات  يرى في تصعيد نتنياهو "لغما موقوتًا  يفخخ مساعيه الدبلوماسية مع طهران. واشنطن تدير حاليا  خطوط تفاوض خلفية ومعلنة مع إيران لترتيب أوراق المنطقة وإيجاد صيغة تهدئة شاملة، وكان التهور الإسرائيلي في لبنان سيعصف بهذه المفاوضات بعدما لوحت طهران بالانسحاب. 

ترامب وجد نفسه أمام حليف محلي يغامر بـ"الاستراتيجية الكبرى" للولايات المتحدة من أجل حسابات بقائه السياسي الشخصي، ومن هنا كان الغضب العارم.

تراجع تكتيكي أم عناد مستمر؟


رغم رضوخ نتنياهو للتحذير الأمريكي بشأن بيروت، إلا أن إصراره في بيانه اللاحق على مواصلة العمليات في جنوب لبنان يشير إلى أنه يحاول المناورة في المساحة الضيقة المتبقية له. هو يعلم أن إنهاء الحرب دون "صورة نصر" واضحة يعني نهايته السياسية، لذلك يحاول الحفاظ على وتيرة القتال في الجنوب كخط رجعة، مستغلا إقرار ترامب بحق إسرائيل في "الرد".

مقالات مشابهة

  • عمدة موسكو: الدفاع الجوي أسقط 11 طائرة مسيرة كانت متجهة نحو العاصمة
  • عمدة موسكو: الدفاع الجوي أسقط 11 طائرة مسيرة
  • بعد الجدل الأخير .. رامي صبري يبعث رسالة خاصة لـ «نادر نور» لحسم سوء التفاهم
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم أسد
  • محمد رمضان يحذف رده على تركي آل الشيخ بعد إشادة الأخير بفيلم "أسد"
  • قيادية عمالية بارزة: بريطانيا خذلت الفلسطينيين وتقصّر في مواجهة إسرائيل
  • بعد التراجع الأخير.. سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026
  • "لولاي لكنت في السجن".. هل رفع ترامب "الغطاء الأخير" عن عناد نتنياهو؟
  • بدءا من اليوم.. خطوات التسجيل في اختبار الرخصة المهنية للمدربين وموعدها
  • صاروخ صيني محمول على الكتف أسقط مقاتلة أمريكية متطورة بإيران