حين تحوّل الفلسطيني من متّهم إلى قاضٍ
تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT
لم يدخل الفلسطيني التاريخ بوصفه طرفا متكافئا في صراع، بل أُدخل إليه متّهما قبل أن تُسمع شهادته، ومُدانا قبل أن تُعرض الوقائع. منذ النكبة، وُضعت القضية الفلسطينية داخل محكمة مختلّة: القاضي فيها هو القوة، والادّعاء هو المنتصر، والحكم مكتوب سلفا.
سُئل الفلسطيني دائما: لماذا تقاوم؟ لماذا لا تقبل؟ لماذا لا تصمت؟ ولم يُسأل السؤال الجوهري الذي تُبنى عليه العدالة: من بدأ الجريمة؟
على مدار عقود، حُمِّلت الضحية عبء الإثبات، فيما أُعفي الجلاد من عبء التبرير.
للمرة الأولى، لم يُطلب من الفلسطيني أن يشرح لماذا يموت، بل أصبح العالم هو المطالب بتفسير قبوله بالموت الجماعي، والحصار، والتجويع
ما جرى في غزة لم يكن حدثا عسكريا عابرا، بل لحظة كاشفة لانهيار السردية. للمرة الأولى، لم يُطلب من الفلسطيني أن يشرح لماذا يموت، بل أصبح العالم هو المطالب بتفسير قبوله بالموت الجماعي، والحصار، والتجويع، ومحو معنى الحياة.
غزة لم تقدّم خطابا، بل وقائع؛ وقائع تتراكم، وتتكرر، وتثبت النمط: حصار طويل الأمد، استهداف المدنيين، تدمير البنية الحياتية، وإنكار مستمر لحق الوجود. وفي منطق القانون، حين تتكرر الجريمة وتُثبت نيتها، لا يعود الضحية شاهدا فقط، بل يتحوّل إلى مدّعٍ أخلاقي وقانوني.
هنا حدث التحوّل الجوهري: لم يعد الفلسطيني في موقع الدفاع، بل انتقل -بفعل الوقائع لا الشعارات- إلى موقع توجيه الاتهام.
الإعلام الغربي، الذي اعتاد لغة "التوازن"، وجد نفسه أمام صور لا تقبل التأويل، وأرقام لا تُختصر، وأطفال لا يمكن تسميتهم "أضرارا جانبية". أما الإعلام العبري، فكشف دون قصد حالة أعمق: ارتباك المعنى، وتآكل اليقين الأخلاقي، وخوف الوجود لا خوف الأمن، وانهيار الرواية التي حاول أن يصدقها الآخرون، فإذا به يحتاج هو إلى إثبات كي يصدقها!
لم يعد السؤال: كيف نُقنع العالم؟ بل: كيف ننجو من حكمه؟ القاضي الحقيقي لا يصرخ، ولا يتوسّل، ولا يحتاج إلى بلاغة. القاضي يضع الوقائع ثم يصمت، لأنه يعرف أن الزمن سيكمل المرافعة. والفلسطيني، في هذه اللحظة من التاريخ، لم يعد بحاجة إلى شرح نفسه، يكفي أنه بقي، وصمد وقاوم، وأن الجريمة استمرت،الفلسطيني، في هذه اللحظة من التاريخ، لم يعد بحاجة إلى شرح نفسه، يكفي أنه بقي، وصمد وقاوم، وأن الجريمة استمرت، وأن العالم رأى وأن العالم رأى. من هنا فصاعدا، تغيّر السؤال جذريا، لم يعد: ماذا فعل الفلسطيني؟ بل: كيف سيحاكم العالم نفسه؟
لكن هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، ولا من تعاطف مفاجئ في ضمير العالم، بل كان ثمرة فعلٍ تاريخي صلب اسمه المقاومة. فلو ظلّ الفلسطيني حبيس دور الضحية الصامتة، لما تغيّرت الحكاية، ولما انهارت السردية، ولما ارتبك القضاة الزائفون. المقاومة -بكل أشكالها- هي التي كسرت التوازن المزيّف، وفرضت على العالم أن يرى ما كان يفضّل تجاهله، هي التي انتزعت الفلسطيني من صورة "المشكلة الإنسانية" وأعادته إلى موقع الفاعل التاريخي، القادر على تعطيل المشروع الاستعماري، لا الاكتفاء بتوصيف آلامه.
لم تكن المقاومة ترفا ولا انتحارا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية أعادت تعريف الصراع من جديد: من قضية تُدار إلى جريمة تُحاكم. بها فقط تهاوت اللغة المضلِّلة، وبها انكشفت حقيقة القوة حين تفقد شرعيتها، وبها تحوّل السؤال من: لماذا يقاوم الفلسطيني؟ إلى: لماذا يُطلب منه أصلا أن يتنازل عن حقه في المقاومة؟
المقاومة لم تُحرج الاحتلال وحده، بل أحرجت العالم الذي اعتاد إدانة الضحية حين ترفض الموت بهدوء. ولهذا بالذات، كانت المقاومة هي اللحظة التي انقلب فيها الفلسطيني من متّهم دائم إلى قاضٍ أخلاقي، لا لأن العالم منحه هذه المكانة، بل لأنه فرضها بفعل الصمود والاشتباك وكسر الخوف.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الفلسطيني الجريمة الاحتلال أخلاقي المقاومة احتلال فلسطين جريمة مقاومة أخلاق مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة رياضة تفاعلي صحافة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ل الفلسطینی لماذا ی لم یعد
إقرأ أيضاً:
منح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق لرئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
مُنح الوسام الوطني الفرنسي للاستحقاق في 2 حزيران/يونيو 2026 في رام الله إلى رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، السيد يونس الخطيب، وذلك في المقر الرئيسي للجمعية، بحضور القنصل العام لفرنسا في القدس ، سعادة السيد نيكولاس كاسيانيدس.
ومن خلال هذا الوسام الرفيع، تعرب الجمهورية الفرنسية عن تقديرها للعمل الدؤوب الذي اضطلع به السيد الخطيب منذ توليه رئاسة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عام 2000، من أجل إيصال خدمات الإسعاف والإغاثة الطبية الطارئة إلى جميع أنحاء فلسطين ولجميع السكان دون استثناء.
كما يشكل هذا التكريم إشادةً بالعمل المتميز الذي تقوم به جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وموظفوها ومتطوعوها ككل، الذين تمكنوا من مواصلة أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة، وغالباً ما كان ذلك على حساب سلامتهم الشخصية، ولا سيما في غزة .
وستواصل فرنسا جهودها لدعم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني والوقوف إلى جانب الفلسطينيين الأكثر هشاشة، في إطار عملها الإنساني.
المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين سفير فلسطين في موريتانيا يرد على حملة انتقادات طالت تصريحاته بشأن التبرعات رام الله: اجتماع لبحث آليات تنفيذ انتخابات المجلس الوطني خلال العام 2026 نادي الأسير: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل سجون الاحتلال الأكثر قراءة صورة: عبلين: مصابان بحالة خطيرة في جريمة إطلاق نار أكثر من 1.7 مليون حاج من 165 جنسية يؤدون المناسك قطر ومصر تبحثان جهود دعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران غوتيريش: العالم يشهد تآكلا خطيرا لاحترام القانون الدولي عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026