بوابة الوفد:
2026-07-24@01:20:09 GMT

المسرح خلف القضبان !!

تاريخ النشر: 2nd, January 2026 GMT

لم أكن أبحث عن "مسرح السجون" حين ذهبت إلى تونس.. كنت هناك في إطار بحثي الميداني للدكتوراه، أتنقّل بين العروض، وأراقب كيف يتحرك المسرح في المدينة، في الشارع، في اللغة، وفي الوعي، لكن بعض الأفكار لا تأتيك وأنت تطاردها، بل تصادفك فجأة، في جلسة هادئة، أو حديث جانبي، أو اعتراف عابر.
في إحدى هذه الجلسات، وجدت نفسي أمام فكرة صادمة في بساطتها: المسرح داخل السجن.

. قالها لي المخرج والمؤلف التونسي الكبير محمد منير العرقي كأنها أمر طبيعي، بلا ادّعاء ولا بهرجة، هو يعمل على مسرحية تُقدَّم داخل السجون، مع نزلائها، ومن واقعهم.. لحظتها، لم أفكّر في العرض، ولا في النص، ولا في الإخراج، فكّرت في الإنسان.
في تونس، لا يُنظر إلى السجن بوصفه نهاية القصة، بل مرحلة قاسية داخلها، ومن هنا، جاء المسرح لا كزائر شرف، بل كجزء من مشروع أوسع.. إعادة تأهيل الإنسان، لا فقط ضبطه، ولم تأتِ فكرة مسرح السجون هناك من فراغ، ولا وُلدت كمغامرة عابرة، فهي امتداد طبيعي لتاريخ طويل آمن فيه المسرح التونسي بدوره الاجتماعي، منذ عقود، حين كان مشغولًا بالهامش، وبالإنسان المنسي، وبالأسئلة الصعبة التي لا تجد لها مكانًا في الخطاب اليومي.
لكن التحوّل الأوضح بدأ خلال السنوات الأخيرة، حين تلاقت إرادة فنية مع توجّه مؤسسي، ففُتحت أبواب السجون — ولو جزئيًا — أمام المسرحيين.. هنا لم يعد السجين مجرد متلقٍ للعرض، بل شريكًا فيه: يكتب، ويمثل، ويحكي، ويعيد النظر في حكايته الشخصية من زاوية أخرى.
مسرح السجون في تونس ليس نشاطًا ترفيهيًا، ولا فعالية موسمية، بل هو فعل ثقافي عميق، يقوم على فكرة بسيطة ومقلقة في آن واحد مفادها أن الإنسان، مهما أخطأ، لا يفقد صوته.
ومع الوقت، تحوّل ما بدأ كورش تجريبية داخل المؤسسات العقابية إلى عروض مسرحية حقيقية، بعضها خرج من أسوار السجن ليُقدَّم ضمن مهرجانات كبرى، مثل أيام قرطاج المسرحية، وكانت تلك اللحظة — لحظة خروج السجين إلى الخشبة أمام جمهور عام — فعلًا رمزيًا بالغ الدلالة.. إنسان كان معزولًا خلف الجدران، يقف الآن في مواجهة المجتمع، لا بوصفه متهمًا، بل فنانًا.
هذه التجربة لم تُقابل بالدهشة فقط، بل حققت نجاحات ملموسة، نجاحًا إنسانيًا، حين استعاد المشاركون ثقتهم في أنفسهم، ونجاحًا ثقافيًا، حين تحوّلت العروض إلى مساحة نقاش عام حول العدالة والحرية والاختيار، ونجاحًا اجتماعيًا، حين أثبتت أن الفن يمكن أن يكون جزءًا أصيلًا من منظومة التأهيل.
وأنا أتابع هذه التجربة بنفسي خلال بحثي الميداني، لم أستطع أن أفصلها عن ما يجري اليوم في مصر، من إعادة نظر شاملة في فلسفة العقاب، وتغيير مسمى السجون إلى "مراكز الإصلاح والتأهيل"، هذا التحوّل في التسمية ليس تفصيلة لغوية، بل إعلان عن رؤية جديدة ترى في السجين إنسانًا قابلًا للتغيير، لا رقمًا يُغلق عليه الباب.

لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا: كيف نملأ هذا المفهوم الجديد بالمضمون؟
مراكز الإصلاح والتأهيل لا تكتمل بالجدران الحديثة وحدها، ولا بالانضباط الإداري فقط، بل تحتاج إلى أدوات تعيد بناء الوعي والذات، وهنا، يصبح المسرح — بما يحمله من اعتراف، ومواجهة، وتعبير — أداة بالغة الأهمية داخل هذه المراكز.
المسرح لا يبرّئ الخطأ، لكنه يمنع الخطأ من أن يصبح قدرًا، لا يلغِي العقوبة، لكنه يمنحها معنى إنسانيًا، وهو، في هذا السياق، ليس نشاطًا ثقافيًا إضافيًا، بل جزءًا من فلسفة الإصلاح نفسها، والتجربة التونسية لا تُقدَّم هنا بوصفها نموذجًا يُستنسخ، بل خبرة قريبة ثقافيًا، تُظهر كيف يمكن للفن أن يشارك بفاعلية في إعادة تأهيل الإنسان، حين تتوافر الإرادة والرؤية.
ربما لا يكون كل سجين ممثلًا، لكن كل إنسان يملك حكاية، وحين يدخل المسرح إلى مراكز الإصلاح والتأهيل، فهو لا يعلّم التمثيل فقط، بل يفتح بابًا للإنصات، ولإمكانية أن يبدأ الإنسان من جديد، وربما لا يغيّر المسرح مصير السجون وحده، ولا يحمل عصا سحرية لإصلاح ما أفسدته السنوات، لكنه يملك ما هو أثمن: القدرة على أن يذكّرنا بأن خلف كل باب مغلق إنسانًا لم تنتهِ حكايته بعد.
وحين تسمح الدولة، والمجتمع، والثقافة، بأن يدخل المسرح إلى هذا المكان القاسي، فإنها لا تفتح بابًا للفن فقط، بل تفتح نافذة للمعنى، ففي اللحظة التي يقف فيها الإنسان على الخشبة، حتى ولو كانت خلف الأسوار، يتراجع السجن خطوة إلى الخلف، ويخرج الإنسان إلى النور، ولو للحظة.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: محمد إبراهيم طعيمة بعض الأفكار محمد منير

إقرأ أيضاً:

عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات

سامي عبدالرؤوف، ووام (دبي)

بتوجيهات مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، أطلقت المؤسسة الاتحادية للشباب «برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف»، وهو برنامج وطني متكامل يستهدف خريجي الثانوية العامة حديثاً من الشباب والشابات، بهدف إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارات والقيم اللازمة للنجاح في الحياة الأسرية والأكاديمية والمهنية، والإسهام في خدمة الوطن والمجتمع والقطاعات الوطنية ذات الأولوية، بما يدعم التنمية المستدامة للدولة، بالشراكة مع الجهات الحكومية والأكاديمية والقطاع الخاص.
وبهذه المناسبة، قال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: «لقد قامت مسيرة الإمارات على إيمان راسخ بأن الإنسان هو أساس نهضتها، وأن كل جيل يحمل مسؤولية مواصلة مسيرتها.. إن شباب وشابات الإمارات هم الثروة الحقيقية للوطن، وبهم نحافظ على ما تحقق من إنجازات، ونمضي بها إلى آفاق أوسع من الريادة العالمية.. ويأتي برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف امتداداً لهذا النهج، بإعداد وتمكين جيل مؤمن بقيمه، واثق بقدراته ومستعد للإسهام في خدمة وطنه وصناعة مستقبله وبناء أسر مستقرة، واستدامة مجتمعه».
وقالت سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: «إن ثقة شبابنا بقدراتهم تبدأ من الأسرة.. وعندما تلتقي ثقة الأسرة بما يوفره الوطن من فرص وتجارب نوعية، تتشكل أجيال قادرة ومسؤولة، وأكثر إيماناً بدورها الحقيقي في دعم مستقبل الإمارات.. ويأتي برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف امتداداً لهذا الدور، ليكمل ما تغرسه الأسرة من قيم، ويترجمها إلى تجربة عملية تفتح أمامهم آفاقاً جديدة للتعلم، والإسهام في ازدهار أسرهم ومجتمعهم ووطنهم».

أخبار ذات صلة الإمارات: لا سيادة لإسرائيل على القدس المحتلة أو أماكنها المقدسة اختتام «الحوار الهيكلي التاسع» بين الإمارات والاتحاد الأوروبي «افتراضياً»

ومن خلال تجربة تمتد على مدى 11 شهراً، يجمع البرنامج بين التعلم النظري، والتدريب التخصصي، والتطبيق الميداني، ويمثل محطة مفصلية في رحلة انتقالهم من التعليم العام إلى التعليم العالي وسوق العمل والحياة الأسرية، بهدف إعدادهم للحياة الأسرية والأكاديمية والمهنية، وترسيخ قيم الهوية الوطنية والمسؤولية المجتمعية، بما يضمن استدامة المسيرة التنموية للدولة.
يضم البرنامج ثلاثة مسارات رئيسة، هي الدفاع والحماية والذكاء الاصطناعي، الصحة والرعاية، الاستدامة والخدمات الحيوية، وعبر رحلة تشمل ثلاث مراحل رئيسة تشمل المرحلة الأساسية لتنمية المهارات وتعزيز الهوية الوطنية والقيم الإماراتية، والمرحلة التخصصية والتطبيقية لبناء المعارف والخبرات المرتبطة بالقطاعات المستهدفة، والتدريب العملي لتطبيق المهارات في بيئات مهنية واقعية لدى الجهات الشريكة.
كما يشمل كل مسار مجموعة من المعارف الأساسية والمجالات المرتبطة باحتياجات التنمية الوطنية، من بينها العلوم الصحية، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية، وإدارة سلاسل الإمداد، واللغات الأساسية والرياضيات.
وقال معالي الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب: «مع انطلاق المرحلة الأولى في سبتمبر 2026، سيشكل برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف الموجِّه لخريجي وخريجات الثانوية العامة حديثي التخرج فرصة نوعية تنتقل بالشباب من التعلم إلى التطبيق.. فمن خلال التجارب العملية سيتمكن المشاركون من اكتساب خبرات واقعية، والتعرف إلى احتياجات القطاعات الحيوية، وبناء المهارات التي تساعدهم على اختيار مساراتهم المستقبلية بثقة، والمشاركة بفاعلية في خدمة أسرهم ومجتمعهم ووطنهم».
وقالت معالي هاجر أحمد الذهلي، الأمين العام لمجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع: «إن إعداد الشباب لم يعد يقتصر على التعليم الأكاديمي، بل أصبح منظومة متكاملة تربط المعرفة بالمهارة، والقيم بالتجربة، والتعلم بمتطلبات المستقبل.. ويجسد برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف هذا التوجه من خلال توحيد جهود المؤسسات التعليمية وشركائها لإعداد جيل قادر على مواكبة المتغيرات، وخدمة وطنهم، والمساهمة في القطاعات الوطنية ذات الأولوية بثقة وكفاءة».
ويأتي إطلاق «برنامج الجاهزية الوطنية - غطاريف» ليعكس التزام دولة الإمارات المستمر بالاستثمار في شبابها، وتمكينهم من الإسهام بفاعلية في مسيرة التنمية، وتعزيز جاهزيتهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة، فيما تنطلق المرحلة الأولى من البرنامج في سبتمبر 2026 بالتعاون مع مجموعة من الشركاء من الجهات الحكومية وشبه الحكومية، ومؤسسات التعليم العالي، والقطاع الخاص، ويتيح للمشاركين تجارب تعليمية وتطبيقية مرتبطة بالاحتياجات والأولويات الوطنية.
كما يقدم البرنامج حزمة من الحوافز والامتيازات، تشمل المكافأة الشهرية، وفرص التدريب العملي، والحصول على شهادات مهنية معتمدة، والاستفادة من الساعات الأكاديمية وفق الضوابط المعتمدة، إلى جانب فرص دعم المشاريع والمسارات المستقبلية للمشاركين المتميزين.
ودعت المؤسسة الاتحادية شباب وشابات الثانوية العامة حديثي التخرج إلى الاطلاع على تفاصيل البرنامج ومساراته ومتطلبات الالتحاق والتسجيل عبر المنصة الرسمية NRP.FYA.GOV.AE، حيث بدأ التسجيل في المرحلة التجريبية من البرنامج اعتباراً من يوم الخميس الموافق 23 يوليو 2026، على أن يستمر حتى يوم الخميس الموافق 30 يوليو 2026.

مقالات مشابهة

  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • «نيويورك أبوظبي»: طريقة جديدة لمكافحة الملاريا
  • صابر الرباعي عن اعتزاله: محبش أوصل لمرحلة إني أضعف فنيا وجسديا
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • الناشرين العرب : معرض مكتبة الإسكندرية يعد موسمًا ثقافيًا متكاملًا
  • ماجدة الرومي تفتتح حفلات المسرح الجنوبي في مهرجان جرش
  • أحمد جبارة مسرحي يمني يحمل رسالة لخدمة الأجيال
  • السجون المصرية تواصل حصد أرواح المعتقلين مع استمرار التنكيل والإهمال الطبي
  • ماجدة الرومي تفتتح حفلات مهرجان جرش على المسرح الجنوبي