الكتاب: الأديان الإبراهيمية: قضايا الرّاهن
الكاتب: عز الدين عناية
الناشر: GLD للنشر، ط1 تونس 2023.
عدد الصفحات: 158 صفحة

الفصل الأول: الأديان الإبراهيمية ومفاهيم التعايش

تعريف الديانات الإبراهيمية


تُعرف الديانات الإبراهيمية بأنها مجموعة الديانات التوحيدية التي تنتسب رمزيًا وتاريخيًا إلى النبي إبراهيم، وتمثل أساسًا اليهودية والمسيحية والإسلام.

تشترك هذه الديانات في الإيمان بإله واحد، وتستند إلى مرجعيات سردية وأخلاقية متقاطعة، وتشكل نصوصها المؤسسة التنظيمية والرمزية داخل الجماعات المؤمنة. ولا يلغي هذا الاشتراكُ التبايناتِ العقدية والفقهية والتاريخية، التي أسهمت في صياغة مسارات مختلفة لكل دين، وهو ما يجعل دراسة علاقاتها بالآخر معقدة ومتشابكة.

1 ـ السياق المعاصر والعوامل الجيوسياسية

تعود أهمية دراسة العلاقة بين هذه الديانات إلى التحولات الجيوسياسية المتسارعة، ولا سيما في الشرق الأوسط أين تداخل الهويات الدينية مع الصراعات السياسية والحدودية، وتسهم في إعادة رسم ملامح النقاش الديني والسياسي.  فسياسات بعض القوى الكبرى، وخصوصًا الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتهيئة الأوضاع لصالحها على حساب بقية الأطراف، أعادت تديين الصراع في المنطقة، وعززت خطابًا دينيًا مؤدلجًا. وساعدت هذه المعطيات على توظيف مفهوم الديانات الإبراهيمية في سياق سياسي تطبيعي، يعيد ترتيب التحالفات وتبرير اختلالات القوة في المنطقة، بعيدًا عن كونه إطارًا للتعايش.

2 ـ غياب أفق مشترك للتعايش

لم يتمكن أتباع هذه الديانات من بلورة أفق مشترك للتعايش والاحتضان المتبادل، رغم بعض المعالجات الجزئية التي ظهرت عبر التاريخ. فلم تتشكل خطة جامعة تقبل حضور أتباع الديانات الأخرى ضمن الفضاء الاجتماعي والديني قبولًا حقيقيًا، بعيدًا عن الإقصاء والأذى. ظل هذا الوضع قائمًا حتى الوقت الراهن، مما يجعل الديانات الثلاث أمام اختبارات تتجاوز طاقتها التأويلية التقليدية. فتعجز المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية على احتواء التحولات العميقة، خاصة في ظل الحاجة إلى ضمان الأمن والكرامة للمجتمعات الدينية المهاجرة في أوروبا.

3 ـ الإسلام الأوروبي والاندماج

برزت ظاهرة الإسلام المهاجر في أوروبا، وارتبطت بمفارقة صارخة. فهو يبحث عن الأمان. فلا يجده داخل الفضاء الديني نفسه. ويضطر إلى الاحتماء بالدولة المدنية وقوانينها العلمانية. وهذا ما يعكس التحديات التاريخية والاجتماعية القائمة. وهذا ما جعل بعض علماء الاجتماع يحذرون من كون الفضاء الديني الغربي بات يخضع لمنطق احتكاري تسيطر فيه جهة محددة على شروط الحضور وحدوده، بما يخدم مصالحها الخاصة. فتنظر إلى الدين المهاجر باعتباره خصما أو تهديدا محتملا. وهذا ما يجعل دعاة الحوار بين الديانات أمام سؤال جوهري: هل يمكن للأمة الإبراهيمية تجاوز منطق الإقصاء والصراع، وإقامة تراث جامع قادر على التعايش؟

4 ـ شروط التعايش

يفتقر مفهوم "الأديان الإبراهيمية" إلى دلالة إجرائية واضحة، رغم القواسم المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام على المستويات العقدية والرمزية والتاريخية. يكمن الإشكال الحقيقي في صيغ التعايش والشراكة داخل الأوطان، بحيث لا يغدو حضور دين عاملًا لطرد أو الآخرين إقصائهم. ويؤكد الباحث عز الدين عناية أنه لا يسعى عبر هذا الطرح إلى المقارنة بين الأديان أو تصنيف أيها أكثر رحابة صدر، وإنما يركز على جدلية اجتماعية مركبة تتداخل فيها العوامل التاريخية والسياسية والثقافية، وتتحدد نتائجها خارج الأحكام المسبقة والتصنيفات الجاهزة.

5 ـ علاقة الإسلام بالآخر

تتسم العلاقة بين الإسلام وأتباع الديانات الإبراهيمية الأخرى تاريخيا بالتقلب، مع تباين الواقع الاجتماعي بين الجماعات والثقافات. فاليوم، على سبيل المثال، يتراجع الحضور اليهودي في العالم العربي والإسلامي ويكاد يقتصر على آلاف قليلة في المغرب وتونس خاصّة، وذلك نتيجة لقضايا الشرق الأوسط وانعكاس الصراع على مواقعهم الاجتماعية والثقافية.

واجه المسلمون في أوروبا صعوبات في التمثيل الديني الرسمي. ويمثل جامع روما الأكبر مركزًا دينيًا مهمًا، إلا أن تسييره يتسم بالتعقيد. فهو يستورد الأئمة والفقهاء من الدول العربية، ويتشكل مجلسه من سفراء الدول الإسلامية، ما يجعلهم غير ممثلين فعليًا لمصالح المسلمين المحليين. نتيجة لذلك، ينأى كثير من المهاجرين عن المجلس والجامع، ويلجؤون إلى مصليات محلية بديلة، بينما يظل الوعي المشترك بين رسالتي عيسى ومحمد محدودًا. فتسدّ التشريعات العلمانية في إيطاليا هذا الفراغ. وتوفر منبراً أرحب لضمان الهوية الإسلامية وحمايتها، بعكس دور الكنيسة الذي يقيّد اندماج المسلمين الكامل في المجتمع.يطرح الباحث سؤالًا جوهريًا: كيف صوّر العقل المسلم الآخر، وما هي المحددات المعرفية والثقافية التي تشكلت على أساسها صورة هذا الآخر في الفكر الإسلامي؟ تشير المعطيات إلى أن تعامل المسلمين مع الآخر، إلى جانب الانغلاق اللاهوتي في المسيحية، اعتمد ترتيبات للحكم تكفل حقوق الأفراد والجماعات. رغم بعض الممارسات التمييزية، كانت الضوابط غالبًا رمزية أكثر من كونها عملية، شأن عدم السماح لبناءاتهم السكنية أو العبادية بأن تعلو بناءات المسلمين. ويمكن بالتالي اختزال التمييز على الذميين في العبء المالي. وليس هذا الأجراء وفق الباحث، من جوهر الدين الإسلامي ذاته. فقد استوردته الدول الناشئة وقتها من إمبراطوريات سابقة، مثل فارس وبيزنطة.

6 ـ الانغلاق الإبراهيمي

يمثل الانغلاق في السياق الإبراهيمي تحديًا واضحًا. في اليهودية، تسود رؤية استبعادية تخرج بني إسماعيل من رمزية ميراث إبراهيم، ما يضعهم في موقع النفي الرمزي. أما المسيحية التقليدية فتميل إلى إدراج الإسلام ضمن نطاق الهرطقة، دون اعتراف به بصفته امتدادا طبيعيا للديانات الإبراهيمية. بالمقابل، يبدو الإسلام أكثر انفتاحًا وانخراطًا في التجربة التاريخية، وهذا ما يخوّل له أن يتكيف مع تحولات التاريخ والمجتمع.

ويبدو اللاهوت المسيحي المعاصر واعيا بهذا الإشكال. وقد حاول بالفعل معالجة بعض جوانب الانغلاق، عبر لاهوت الأديان، الذي يسعى إلى توسيع صدر المسيحية نحو الآخر والاعتراف بشرعيته، لكن الانفتاح يظل متأرجحًا بسبب تمركز الغرب الحضاري، الناتج عن سيطرة مادية ومعنوية طويلة.

7 ـ الوجود المسلم في أوروبا

كان الغرب يتوقع أن يذوب المهاجرون في الثقافة الغربية، ويتلاشى تأثيرهم. وقد تحقق ذلك بالفعل جزئيًا، فانصهرت بعض الأجيال اللاحقة من المهاجرين المسلمين في المجتمع المضيف، متأثرة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية للجيل الأول. مع ذلك، بقي حضور المسلمين ظاهرة لافتة، إذ بلغ عددهم في أوروبا نحو 43 مليون نسمة عام 2010، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو عشرة بالمئة من السكان، وفي حال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، قد يتجاوز عددهم 110 ملايين نسمة، أي ربع سكان القارة.

لقد أدى توتر سياسات الهجرة إلى ظهور نوع من الإسلام الاحتجاجي، أو ما يمكن تسميته "إسلام الآخر الغربي"، الذي يحافظ على البعد الإيماني داخل الثقافة الغربية ويظهره بما يتوافق مع التصورات السائدة.

8 ـ التمثيل الديني الرسمي

واجه المسلمون في أوروبا صعوبات في التمثيل الديني الرسمي. ويمثل جامع روما الأكبر مركزًا دينيًا مهمًا، إلا أن تسييره يتسم بالتعقيد. فهو يستورد الأئمة والفقهاء من الدول العربية، ويتشكل مجلسه من سفراء الدول الإسلامية، ما يجعلهم غير ممثلين فعليًا لمصالح المسلمين المحليين. نتيجة لذلك، ينأى كثير من المهاجرين عن المجلس والجامع، ويلجؤون إلى مصليات محلية بديلة، بينما يظل الوعي المشترك بين رسالتي عيسى ومحمد محدودًا. فتسدّ التشريعات العلمانية في إيطاليا هذا الفراغ. وتوفر منبراً أرحب لضمان الهوية الإسلامية وحمايتها، بعكس دور الكنيسة الذي يقيّد اندماج المسلمين الكامل في المجتمع.

والمفارقة هنا أنّ هذه الديانات لا تفعّل القيم المشتركة بينها لتكون أكثر تقاربا. فهي تتقاطع في قيم أساسية، أبرزها الإيمان بخدمة الإنسان وحماية البيئة. يرتبط الإيمان بالعمل الصالح والإحسان، ويقترن بالخير لذاته ضمن إطار اجتماعي يسعى إلى المنفعة العامة. يُنظر إلى العمل الصالح باعتباره فعلاً نبيلاً يعكس القيم الإنسانية العليا. تشمل الأولويات البيئية حماية الأرض والموارد، وحفظ الإنسان والكوكب من المخاطر المعاصرة.

9 ـ نقد هامس كونغ للكاثوليكية

يمثل هامس كونغ صوت النقد الجذري للمؤسسة الدينية الكاثوليكية. يعد عمله دراسة متعمقة للكاثوليكية ونقدًا للجانب التقليدي المحافظ، من أجل تعزيز الحرية في الكنيسة واللاهوت والحياة الشخصية. حافظ كونغ على أفكاره النقدية رغم العزلة التي تعرّض لها، مؤكّدًا أن الكنيسة تستمد مشروعيتها من احتكار «وراثة السر الإلهي»، وهو ما يميز اللاهوت المحافظ المرتاب، وأنها باتت تفتقد للمعنى، بسبب انغماسها في رموز وأعراف اجتماعية مثل دونية المرأة، وعزوبية الإكليروس، وعصمة البابا، التي نشأت في القرون الوسطى ولا تزال سائدة. ورغم تبجح المؤسسة بالانفتاح على العلمانية، ظلت خصومتها مع المجتمع المدني واضحة. فهي لا تصادق على حقوق الإنسان الأوروبية، وتبقى فصول القانون الكنسي متأثرة بالقرون الوسطى. لذلك تراجع أعداد الرهبان والراهبات وانعكس على حضور الكنيسة في حياة الناس.

دعا كونغ بالمقابل إلى الابتعاد عن قيود القرون الوسطى، والانفتاح على قضايا الحاضر، مشيرا إلى ضرورة تجاوز الطابع البطريركي الذكوري، وجعل المرأة عنصرًا فاعلًا، وإلغاء أشكال الحرمان ضد المخالفين. أكد أن الكنيسة يجب أن تتجاوز الطابع الأوروبي الضيق لتكتسب طابعًا كونيًا.

10 ـ موقف كونغ من الإسلام

ينفتح كونغ على الحوار مع الأديان الأخرى، خاصة اليهودية والإسلام، متجاوزًا الرؤى المسيحية التقليدية الجامدة. فيتساءل: كيف يمكن للكنيسة أن تدعي الحوار مع الإسلام إذا لم تعترف بنبوة محمد؟ ويطالب باعتراف الإسلام بصفته دينا عالميا يشمل أكثر من مليار ومئتي مليون مؤمن، داعيًا إلى تجاوز الخطاب الكسول والانفتاح على قراءة جادة لمظاهر ضعف الإسلام وتحدياته وبناء حوار حقيقي يحافظ على الاحترام المتبادل ويعيد لم شمل العائلة الدينية المتنوعة. ويعيب على المسيحية الأوروبية أنها تبدو متسامحة مع أديان شعوب آسيا مثل الصين والهند، بينما تبدي عداوة للإسلام الذي يشترك معهم في الأرض والتاريخ والسياسة والقيم. ويبرر ذلك بنزعة المسيحية النفعية لا للقيم التي تؤمن بها. فهي تنظر إلى الإسلام باعتباره تهديدا محتملا. فبعض المفكرين والسياسيين الغربيين، مثل هنتنغتون، يصورون الإسلام باعتباره "حدودًا ملطخة بالدماء".

من منطلق هذه النزعة النفعية تعتبر المسيحية الإسلام عدواً. وتصفه بكونه شموليا يولّد التعصب والهستيريا، ويضطهد الأقليات، ويسعى إلى الغزو. وهذا الادعاء مهم لوحدة الخلف الأطلسي اليوم. فهو يصهر التكتلات والتحالفات الغربية في كلّ متضامن ضد هذا العدو المشترك.

يوضح كونغ أن هذه الصورة التاريخية للإسلام لم تعد صالحة، رغم أنّ التجديد الديني في العالم الإسلامي لم يواكب التجديد الثقافي والفني، بفعل دفع بعض الحكومات العربية للشكل التقليدي للإسلام لكونه يخدم مصالحها ويحافظ على إمساكها بزمام السلطة.

وفي تقديره ستتواصل هجرة الشباب الذين يمثلون نسبة كبيرة من عدد السكان، إلى أوروبا بأعداد كبيرة وستكون عاملًا مؤثرًا في ضبط طبيعة العلاقة بين المسيحية والإسلام في المجتمعات الأوروبية. وعندها يطرح التساؤل: كيف ستكون علاقتهم بدينهم هناك، وما الصلات التي ستكون لهم بالمسيحية خاصّة. فيقرّ بعجزه عن الاستشراف ليرى ما سيكون عليه المستقبل. فهوية هذه الفئة الفكرية لم تتشكل بعد.

بول تليش والدعوة إلى تجديد اللاهوت

يحظى بول تليش بمكانة بارزة في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي الحديث، ويمثّل لحظة متوترة من الانفتاح على التحولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ومردّ ذلك إلى طرحه لتساؤلات حول علاقة اللاهوت بالثقافة والمجتمع، وسعيه إلى إعادة تشكيل نسق الحقائق الوجودية بطريقة تراعي الجماعة البشرية، لتصبح أكثر منطقية وواقعية، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الدينية.

ومن هذا المنطلق ينقد البعد الطقوسي الجامد للدين. ويخرص على أن تنخرط المسيحية الانخراط الواعي في قضايا العصر، وأن يتساكن جوهرها مع منطق التطوّر. فيعاد بعثه داخل الحقل الثقافي، بعد مراجعة المفاهيم القديمة وإفراغها من الجمود.

وما يميّز تليش رفضه اقتصار الدين على الفعل الطقوسي والشعائري، الذي يقسم العالم إلى عالم القيصر وعالم الله، فاصلا بين الدين والحياة اليومية. ويريد له أن يكون عنصرا فاعلا داخل الثقافة، بعيدًا عن العلمنة الجامدة التي أخرجته عن التجربة الإنسانية. فيصبح بذلك عنصرًا حيًا يضيف للبشرية بدل أن يكون ممارسة جامدة تؤدي إلى التدين الزائف.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب الذاكرة السياسية تقارير كتب الكتاب تونس تونس كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الأدیان الإبراهیمیة هذه الدیانات فی المجتمع فی أوروبا وهذا ما

إقرأ أيضاً:

حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تخوض الساحة الثقافية المصرية اليوم معركة صامتة لا تقل ضراوة عن مواجهاتها الميدانية؛ فهي معركة على "العقل الجمعي" و"الهوية المدنية" للدولة. في قلب هذا الصراع، تقف نقابة اتحاد كُتّاب مصر كرهينة لمحاولات مستمرة من تيارات الإسلام السياسي لإعادة التموضع داخل مؤسسات المجتمع المدني. لم يعد الأمر مقتصرًا على ندوات فكرية تقليدية، بل أصبحنا أمام استراتيجية دقيقة وممنهجة تهدف إلى "أدلجة" الفضاء الثقافي، حيث يتم استبدال البحث العلمي الرصين بالخطاب الدعوي، وتغليف المشاريع السياسية الإقصائية بغطاء من الحرية الفكرية، في تكرارٍ لمشاهد تاريخية سعت فيها هذه التيارات للهيمنة على النقابات المهنية باعتبارها "جسرًا" نحو السلطة المجتمعية والسياسية.

إن التوسع في إقامة ندوات تحت عناوين براقة –تنتقل بسلاسة من "مواجهة الإلحاد" إلى "أدلة وجود الله بين الفلسفة والعلم"– يكشف عن وعيٍ تكتيكيٍ بالقدرة على المناورة داخل المؤسسات العريقة. إن هذه المحاولات ليست مجرد ممارسات لحرية الرأي، بل هي محاولات استباقية لفرض "وصاية معرفية" تهدف إلى تحويل الاتحاد من منارة للتنوير والإبداع الحر إلى منبرٍ لترسيخ الفكر التقليدي الجامد. ومن هنا، تأتي أهمية هذا التحليل لرصد خيوط التغلغل، وكشف "الخلايا النائمة" التي لا تزال تُدار عبر أجندات حركية، تراهن على الوقت والقدرة على التمدد في غفلة من قيم الحداثة التي قامت عليها الدولة المصرية، مستغلةً غطاء المؤسسة لتحقيق أهداف لا تمت للثقافة بصلة.

استراتيجية "التسلل" وتغيير الواجهات

تعتمد حركات الإسلام السياسي في استراتيجيتها للسيطرة على الفضاء العام على "التسلل الناعم" بدلًا من المواجهة المباشرة التي قد تجلب عليها الرفض المجتمعي أو الرقابة القانونية. وتعمل هذه الجماعات عبر ما يمكن تسميته بـ "الخلايا النائمة" داخل المؤسسات الثقافية والنقابية، حيث لا يظهر هؤلاء كعناصر تنظيمية معلنة، بل كـ "مثقفين" أو "أكاديميين" يمارسون نفوذهم تحت غطاء الشرعية النقابية. إنهم يستغلون الثقة الممنوحة لهم في هذه الأطر المهنية لضخ أجنداتهم الأيديولوجية، مستخدمين خطابات تجمع ببراعة بين "المرجعية الدينية" التي تجد صدى في وجدان الجمهور العام، و"الشرعية المؤسسية" التي تمنحهم حصانة ضد النقد؛ مما يجعل من إقامة ندوات مثيرة للجدل داخل نقابة عريقة مثل اتحاد الكُتّاب أداةً مقصودة لإعادة تطبيع هذا الفكر في النسيج الثقافي الوطني.

لم يعد الهدف من هذه الندوات مجرد "نقاش ثقافي" كما يُروج لها، بل تحولت إلى محاولات منهجية لفرض رؤية أحادية تحت مسمى "أسلمة العلم". إن هذه التوجهات لا تهدف إلى البحث العلمي الرصين، بل تسعى لإخضاع العقل والمعرفة للمرجعية العقائدية الجامدة، مما يؤدي إلى تآكل دور الثقافة التنويري. فعندما تُطرح قضايا العلم والفلسفة في إطار يرفض التشكيك والنقد ويستند إلى "الوصاية المعرفية"، فإننا نشهد تغولًا فكريًا يفرغ الفضاءات الثقافية من محتواها المدني، ويحولها من منصات للحوار الحر إلى منابر للدعوة الحركية، وهو ما يمثل تراجعًا خطيرًا عن قيم الحداثة التي بُنيت عليها الدولة المصرية الحديثة.

إن المشهد الحالي يعيد للأذهان بوضوح استراتيجيات تيار الإخوان في تسعينيات القرن الماضي، حين استُخدمت الآليات الديمقراطية والعمل النقابي كـ "مطية" للوصول إلى مراكز التأثير وصناعة القرار. لقد عبّر قادة هذا التيار في أدبياتهم وممارساتهم التاريخية عن رؤيتهم للديمقراطية كـ "وسيلة مرحلية" أو "جسر" للعبور نحو الهيمنة الكاملة على مفاصل المجتمع، وليس كقيمة إنسانية أو سياسية في حد ذاتها. وبناءً عليه، فإن استغلال هذه الجماعات لمبدأ "حرية الرأي والتعبير" اليوم داخل أروقة اتحاد الكُتّاب ما هو إلا تكتيك لإعادة التموضع والانتشار، مستغلين مناخ الانفتاح لتقويض أسس الدولة المدنية من داخل مؤسساتها، وهو ما يتطلب يقظة شديدة وفصلًا حاسمًا بين ممارسة الحق النقابي وبين السماح بتحويل هذه النقابات إلى أدوات لخدمة مشاريع سياسية تتبنى فكرًا إقصائيًا يناهض أسس المواطنة.

حسام الحداد يكتب: من سيد قطب إلى خالد فهمي: تحولات الخطاب الحركي في "كأن القرآن يتنزل من جديد"

الثقافة كساحة للمعركة الأيديولوجية

إن التحذيرات التي أطلقها الكاتب سامح فايز وغيره من المثقفين حول ظاهرة "ذيول التنظيم" داخل المؤسسات الثقافية لا ينبغي قراءتها كحالة من التوجس العابر أو المبالغة في تقدير المخاطر، بل هي قراءة فاحصة لمسار تراكمي طويل. فالمشهد الثقافي شهد تكريمات متوالية لشخصيات اتضح لاحقًا أنها جزء لا يتجزأ من النسيج الفكري أو التنظيمي لجماعة الإخوان، أو أنها تتبنى "السرورية" – ذلك الخليط المزيج بين الفكر الحركي المتطرف والأيديولوجيا التكفيرية – مما يؤكد أن وجود هذه العناصر داخل أروقة اتحاد الكُتّاب لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج خطة مدروسة لترسيخ نفوذهم داخل أعرق المؤسسات التنويرية، وتحويلها تدريجيًا إلى منصات تعيد إنتاج خطابهم الخاص تحت غطاء التكريم أو التبادل الثقافي.

عندما يتخلى اتحاد الكُتّاب عن دوره كمنارة للإبداع والنقد الحر، فإنه يفقد بوصلته التنويرية التي تأسس من أجلها. إن تحويل قاعات الاتحاد إلى ساحات لتمرير أطروحات عقائدية جامدة لا تقبل النقد ولا تعترف بالتعددية، هو إفراغ متعمد لجوهر الثقافة من معناها الإنساني. فهذا التحول يُحيل الاتحاد إلى "مقر ديني" مغلف بغطاء ثقافي براق؛ حيث تصبح الندوات مجرد "أدوات دعوية" تهدف إلى فرض وصاية فكرية على العقل المصري، بدلًا من الارتقاء به عبر الفلسفة والأدب والعلوم، مما يحول الفضاء الثقافي من ساحة للتنوير إلى مقصلة لكل فكرٍ حر أو صوتٍ يطالب بالتحرر من القيود الأيديولوجية.

إن هذا التغول الأيديولوجي يضرب في مقتل مفهوم "المواطنة" التي تُعد الركيزة الأساسية للدولة الحديثة. فالمواطنة تستوجب بالضرورة الاحتكام للعقل العلمي، والبحث النقدي، وقبول الآخر في إطار من المساواة، بينما يقوم الفكر الإقصائي الذي تُروجه هذه الجماعات على تكريس "عقلية القطيع" وتصنيف المجتمع وفق معايير الولاء والبراء. إن تغليب هذا الطابع على أنشطة نقابة الكُتّاب يعني تحويل الولاء من الوطن والمؤسسة إلى التنظيم والحزبية الضيقة، وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويخلق صراعًا بين الهوية المصرية التعددية وبين أيديولوجيات أحادية تحاول فرض سلطتها على وعي المواطن، مما يتطلب استنهاضًا وطنيًا لحماية هذه المؤسسات من التآكل الأخلاقي والفكري.

حسام الحداد يكتب: صناعة "العدو الكوني" لتعويض الفشل الميداني.. داعش نموذجا

المخاطر المستقبيلة: هل يتحول الاتحاد إلى مسجد كبير؟

إن التحذير من تحويل مقر اتحاد الكُتّاب إلى ما يشبه "المسجد الكبير" ليس عدائًا للدين، بل هو وقفة دفاعية ضرورية لحماية "مدنية الدولة" من محاولات الاختطاف الفكري. إن جوهر الخطر لا يكمن في مناقشة قضايا الإيمان، بل في استغلال هيبة المؤسسات الثقافية لفرض "وصاية دينية" على الفضاء العام، حيث يُستخدم الأكاديميون وواجهاتهم العلمية كغطاء لشرعنة أطروحات إقصائية تهدف في نهايتها إلى إخضاع العقل المصري وتنميط تفكيره.

تمثل المحاولات الرامية لإخضاع الفلسفة والعلوم التجريبية لمرجعية دينية أيديولوجية ضربةً قاصمة لمسيرة التحديث في مصر. فبدلًا من أن تكون نقابة الكُتّاب حاضنةً للبحث العلمي الحر الذي يواكب تطورات العصر، تسعى هذه التيارات لإعادة إنتاج "الوعي التقليدي" الجامد الذي يرفض المساءلة. إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى محاصرة قدرة العقل المصري على التفكير النقدي، وحصره في قوالب معرفية قديمة لا تساير ديناميكيات الحداثة، مما يؤدي بالضرورة إلى انغلاق ثقافي يعزل المجتمع عن آفاق التقدم المعرفي العالمي.

تعد استضافة شخصيات ذات خلفيات أيديولوجية متطرفة داخل منابر نقابية رسمية جزءًا من "عملية غسيل فكري" منظمة. إن منح هؤلاء مساحة للظهور بمظهر "المفكرين المستنيرين" يهدف إلى إضفاء شرعية زائفة على أفكار تناهض في جوهرها الهوية المصرية التعددية وتتجاوز العقيدة الأزهرية الوسطية. هذه "المظلة النقابية" تمنحهم حصانة ضد النقد التاريخي والفكري، وتسمح لهم بالانتشار في أروقة الثقافة دون مواجهة حقيقية، مما يمهد الطريق لتوغلهم في مفاصل الدولة الثقافية تحت ستار الشرعية الرسمية.

تعتمد هذه التيارات الحركية على تكتيك "الإرهاب الفكري" كأداة لإسكات أي صوت مخالف؛ حيث يتم وصم كل من يعترض على تحويل النقابة إلى منبر أيديولوجي بـ "العلماني المعادي للدين" أو "المتعصب". هذه الدائرة المفرغة من التخوين والاتهام تخلق مناخًا من الترهيب يُجبر المثقفين على الصمت أو التراجع. إن الغاية النهائية من هذا التكتيك هي غلق باب الحوار الحر بالكامل، وتحويل النقابة من "بيت للكُتّاب" يجمع مختلف التيارات، إلى ساحة أحادية الصوت تفرض أجندتها عبر التخويف، مما يُفقد المؤسسة قيمتها الديمقراطية ويُنهي دورها كفضاء للحوار الإنساني الراقي.

ختامًا، إن الدفاع عن اتحاد الكُتّاب ليس مجرد دفاع عن مبنى أو كيان نقابي، بل هو دفاع عن "جوهر الدولة المصرية" في مواجهة محاولات انكماشها الثقافي. إن استعادة الدور التنويري للاتحاد تبدأ بوقفة شجاعة تفصل بين ممارسة الحقوق الديمقراطية وبين السماح للجماعات الحركية باستغلال هذه الحقوق لتقويض أسس المواطنة. على قيادة الاتحاد أن تدرك أن صمتها أمام اختراق "الذيول الأيديولوجية" لأروقتها ليس حيادًا، بل هو تواطؤ يضع المؤسسة في مواجهة تاريخها كمنارة للفكر الحر. إن المطلوب اليوم ليس إغلاق الأبواب، بل تحصينها بالعقل النقدي، واليقظة تجاه كل من يحاول تحويل "الأمانة" الثقافية إلى "غنيمة" حزبية، فالثقافة التي لا تعلي من شأن العلم والحرية كمعايير وحيدة للحقيقة، ليست سوى قشرة زائفة تخفي خلفها مشروعًا انغلاقيًا لن يورث المجتمع إلا المزيد من التخلف والتشظي.

مقالات مشابهة

  • مدير عام الإرشاد الديني بالأوقاف يتابع الأنشطة الدعوية مع أئمة وخطباء بني سويف
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • أمسية روحانية لفرقة الإنشاد الديني على مسرح الجمهورية
  • دولة قطر تؤكد التزامها المستمر بمواصلة جهودها في مجال الوساطة والحوار والدبلوماسية الوقائية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّاب