مسامير الخلود... آمال تبنى بالخشب والمسمار
تاريخ النشر: 3rd, January 2026 GMT
اتجهت جموع الجماهير مساء أمس نحو مدرجات مسرح كلية الدراسات المصرفية والمالية، لحضور ثاني عروض مهرجان الشفق التجريبي في نسخته الأولى، والذي تنظمه فرقة الشفق المسرحية بالتعاون مع عدة جهات، منها وزارة الثقافة والرياضة والشباب.
وكان الجمهور على موعد مع عرض فرقة السلام المسرحية الأهلية، بعنوان "مسامير الخلود"، التي تناولت قضية السلطة في رمزية "الكرسي"، إذ يجتمع مجموعة من النجارين نحو هدف واحد، وهو دخول مسابقة لصناعة كرسي الملك، في ظل أزمة بسيطة في الأخشاب، وأزمة خانقة في المسامير.
ينطلق العمل بمرور شخصيات المسرحية، بصوت خطوات أرجلهم، واحدًا واحدًا، بحركات بطيئة تميل إلى السرعة شيئًا فشيئًا، إيحاءً بسرعة الحياة التي تمضي دونما نشعر، إلى أن تحل لحظة الصفر وينتهي الوقت دون تحقيق كل الأهداف.
تبرز شخصيات المسرحية تدريجيًا، لتوضح أن الحكاية حدثت في مجتمع يمتهن النجارة، مجتمع فقير يعيش تحت قهر الحياة التي لا ترحم، الجميع يبحث عن لقمة يعيش بها في يومه، وما الحياة في هذا المجتمع إلا طبقية تحددها كمية الطعام، لكن الجميع يعمل لإنتاج الكراسي لأبناء المجتمع، ورغم توافر الخشب جزئيًا، إلا أن المسامير هي الأزمة الكبرى، ليستبدل النجارون قوة المسامير بهشاشة الغراء.
يتصل النجارون مع العالم الخارجي من خلال المذياع، الذي يعلن عن كل جديد وخبر يحدث في البلد، حتى تعلن مسابقة في كافة أرجاء البلدة لصناعة كرسي للملك، ومن يفوز بالمسابقة تفتح له أبواب الخير، بل ويكون من المقربين لدى السلطة.
وقد جسدت المذياع شخصيتان تراوحتا في مشاهد عديدة، معلنتين عن الزمن الباقي حتى آخر وقت، كاسرتين حدة السوداوية بإضفاء الكوميديا.
يشتعل روح الحماس لدى النجارين، في ظل أزمة الخشب والمسامير، فيجتمعون حتى يحددوا آلية العمل، يتفق الجميع على الاشتراك في صناعة الكرسي، ولكن كيف تحل المشكلة؟ فتتبادر أنواع الحلول التي لا يتفق عليها الجميع، فاقتراح استعمال الغراء مرفوض لهشاشته، واقتراح جمع كراسي الفقراء لإعادة صناعتها مرفوض كذلك خوفًا من الله ودعاء الفقراء، وفي كل بادرة نحو الحل تجد معارضًا، لينفض الاجتماع، وكل هدف إلى صناعة كرسيه لوحده حسب مقترحه وحسب إمكانياته.
لكن الحال يزداد صعوبة، والوقت يمضي بلا إنجاز، وساعة الصفر تقترب من النهاية، فتخطر ببال أحدهم أن له صديقًا قد يزودهم بالمسامير، ولكن صاحب المسامير غرته الحياة والأموال، في إشارة إلى الرأس مالية التي تستغل الضعف والندرة لرفع الأسعار ومساومة البسيط بالغالي، فأصبح ذا سلطة، فمقابل كل مسمار كيس دقيق، لكن التفاوض ينتهي بحصول النجارين على ثلاثة مسامير فقط، ومقابل كل مسمار تفاحة، فلا الدقيق متوفر لديهم، تلك التفاحة التي يعيش فيها النجارون يومهم الكامل بها، فما إن تصل المسامير حتى تحدث الخيانة بأخذ مسمار أحد النجارين وطرده من لعبة المشاركة، لتبقى نصف ساعة كانت كفيلة بإنجاز الكرسي، ولكن السلطة تقرر إحالة الصانعين إلى المحاكمة بتهمة الفساد!
مضى العمل في الكثير من السوداوية، سوداوية الحياة التي انعكست على مستوى إضاءة العمل، إذ غلب عليه الإظلام والإسقاطات الضوئية الخافتة في أحايين كثيرة، واستذكار رمزية الكرسي مع اختلاف المهن، فلكل كرسي سلطة، كرسي المعلم، وكرسي الحلاق، وكرسي الموظف، وهكذا.
قدم العمل برؤيته الإخراجية أحمد البطل، الذي تولى كذلك صناعة المشهد السينوغرافي، وحاول المخرج ان يخرج من التقليدية ليحقق هدف "التجريب"، محور المهرجان الرئيسي، ليخرج العمل بحلته النهائية، واضعا المشاهدين واللجنة في ملعب الحكام على نجاح التجريب أم لا، من محاولاته عبثية الإضاءة، وكذلك صناعة علبة على علبة المسرح، واقحام الغناء في سرد أنواع الكراسي وسلطة كل نوع، وفي دخول الممثلين، وفي الميكياج الذي لم يكن ذا دلالة واضحة ربما أراد المخرج ان يقول شيئا من خلاله، هذه تساؤلات طرأت على كثير من المشاهدين، فهل تشابهت الإجابات؟
العمل من تأليف أحمد الجابري، وبطولة كل من الفنانين سائد الحضرمي، ريان البلوشي، حمد الرزيقي، عائشة القرطوبية، المنذر السعدي، سارة الجديدية، مكتوب الشكيلي، وجود الحراصية، يوسف المعشري، ردينة الفارسية، محمد الحضرمي، هديل الفليتية، وحواء الشحية، وتولى الصوتيات أحمد الهلالي، والديكور والمكياج والأزياء سارة الشبلية، وتولى مهام مساعد المخرج كل من عبدالله النبهاني والمنذر السعدي.
الجلسة التعقيبية
وفي الجلسة التعقيبية التي أدارها الفنان المسرحي رامي المشيخي، وتحدث فيها معقّبًا المخرج والمؤلف المسرحي جلال عبدالكريم اللواتي، بمشاركة المخرج أحمد البطل، استمر الحديث عن جدلية التجريب، والفرق بين التجديد والتجريب، حيث قال المعقّب جلال إن الإشكالية لا تكمن في العرض بقدر ما تكمن في المصطلح ذاته، متسائلًا عن مدى وضوح مفهوم المسرح التجريبي، وحدوده، ومتى يمكن إطلاق هذا الوصف على عرض مسرحي. وأوضح أن التجريب – من وجهة نظره – لا يعني كسر القواعد من أجل الكسر فقط، بل يفترض وجود سياق مسرحي راسخ يتم الخروج عنه بوعي، مؤكدًا أن غياب هذا السياق يجعل الذهاب إلى "التجريب" إشكاليًا، ويفتح بابًا واسعًا للالتباس في القراءة النقدية.
وتوقف جلال عبدالكريم عند عدد من عناصر العرض، مشيرًا إلى فهمه للفكرة العامة ودلالاتها، لكنه طرح تساؤلات حول بعض الاختيارات الإخراجية، من بينها إضافة شخصية ثالثة مختلفة عن النجارين من حيث الشكل واللباس، ومدلول حضور المرأة داخل هذا السياق، وما إذا كانت هذه الإضافة تحمل دلالة محددة أم جاءت بوصفها عنصرًا بصريًا مغايرًا. كما تطرق إلى توظيف "المذياع" وتحويله من عنصر صوتي رتيب إلى حضور جسدي نابض بالحركة، متسائلًا عن المنطقة الدلالية التي أراد العرض الوصول إليها من خلال هذا التحول. ولم يغفل الإشارة إلى اللغة العربية في العرض، معتبرًا أن كثرة الأخطاء اللغوية تضعف التجربة، ومؤكدًا أن التجريب لا يبرر كسر اللغة ما لم يكن ذلك قائمًا على ضرورة فنية واضحة.
كما شهدت الجلسة عدة مداخلات من الحضور، تلخصت في التأكيد على أهمية التمييز بين مفهومي التجديد والتجريب، والتنبيه إلى أن التجريب من أجل التجريب قد يقود إلى فوضى فنية إذا لم يستند إلى فكرة فلسفية أو حاجة إنسانية واضحة. وأشاد عدد من المتداخلين بجهد الفريق، وبطاقة الممثلين الشباب، معتبرين إشراكهم خطوة إيجابية تسهم في رفد الحركة المسرحية بدماء جديدة، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى وجود هنّات على مستوى الأداء، والحركة، والإضاءة، تحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتطوير. كما دعا آخرون إلى أن تكون الجلسات النقدية أكثر تركيزًا على تحليل العرض ذاته، بدل الانشغال المطوّل بتعريف المصطلحات، بما يحقق فائدة أكبر للمخرج والجمهور على حد سواء.
وختامًا، قال مخرج العمل أحمد البطل إن تجربة "مسامير الخلود" جاءت بدافع البحث والمحاولة، مؤكدًا أن العمل مع الشباب كان خيارًا واعيًا يهدف إلى منحهم الفرصة للاحتكاك والخبرة، وأن الاختيارات الفنية في العرض انطلقت من رؤيته الخاصة للنص وللفكرة العامة. وأبدى تقديره لكل الملاحظات التي طُرحت، معتبرًا الجلسة التعقيبية مساحة حوار ضرورية لتطوير التجربة، ومؤكدًا أن الاختلاف في القراءة يظل جزءًا صحيًا من الفعل المسرحي، ومحفزًا لمزيد من العمل والتجريب الواعي في المحطات القادمة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.