محمد المعتصم **

 

لم تعد سلاسل الإمداد العالمية تسير وفق القواعد التقليدية التي حكمتها لعقود، بعد أن دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة بداية من عام 2020 عنوانها الأبرز "عدم اليقين"، تداخلت فيها الأزمات الصحية مع النزاعات الجيوسياسية، وتباطأ فيها النمو، وارتفعت تكاليف الشحن والطاقة، ليكتشف الجميع مدى هشاشة منظومة التجارة الدولية واعتمادها المفرط على ممرات محدودة ونقاط اختناق بعينها.

وفي خضم هذه التحولات، عادت الموانئ لتتصدر المشهد الاقتصادي، لا بوصفها- فقط- مرافق خدمية، بل كعناصر سيادية واستراتيجية تؤثر في الأمن الاقتصادي للدول وقدرتها على الصمود والتكيف. ومن بين التجارب اللافتة في هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كنموذج لدولة أحسنت قراءة المتغيرات مبكرًا، واستثمرت موقعها الجغرافي الفريد، لتقدّم موانئ الدقم وصحار وصلالة كبدائل استراتيجية موثوقة في زمن يبحث فيه العالم عن الاستقرار قبل السرعة.

اضطراب سلاسل الإمداد.. تحوّل هيكلي لا أزمة عابرة

تشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية إلى أن حجم التجارة العالمية تعرّض لانقطاعات متكررة خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع متوسط تكاليف الشحن البحري في بعض الفترات بأكثر من 300% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة. كما تسببت التوترات الجيوسياسية في مناطق حيوية في إعادة توجيه السفن، وإطالة زمن الرحلات، ورفع تكلفة التأمين.

هذه التطورات دفعت شركات الشحن العالمية والمستثمرين الصناعيين إلى إعادة تقييم مواقعهم، والبحث عن موانئ، أقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية، وقريبة من خطوط الملاحة الرئيسية، ومدعومة ببنية تشريعية واستثمارية مستقرة. وهو ما فتح نافذة فرص واسعة أمام الموانئ العُمانية.

الموقع الجغرافي لعُمان.. من ميزة نسبية إلى قيمة استراتيجية

تتمتع سلطنة عُمان بموقع استثنائي يربط بين المحيط الهندي وبحر العرب وبحر عُمان، ويمنحها إمكانية الوصول المباشر إلى طرق التجارة العالمية دون المرور عبر مضيق هرمز. وفي ظل تصاعد التوترات في بعض الممرات البحرية، تحوّل هذا العامل من مجرد ميزة جغرافية إلى قيمة استراتيجية مضافة.

هذا الموقع مكَّن عُمان من تقديم نفسها كـ"حل لوجستي" للشركات والدول الباحثة عن مسارات أكثر أمانًا، خاصة مع التوجه العالمي لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط محدودة.

ميناء الدقم: مشروع وطني برؤية عالمية

يُعد ميناء الدقم حجر الزاوية في الاستراتيجية اللوجستية العُمانية؛ فالميناء، الذي يقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، لا يُختزل في كونه رصيفًا بحريًا، بل يمثل منظومة متكاملة تجمع بين الميناء التجاري، والمنطقة الصناعية، والمنطقة اللوجستية، والبنية الأساسية للطاقة والصناعات الثقيلة ووفق بيانات رسمية، تجاوزت الاستثمارات المُعلنة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم 6.3 مليار ريال عُماني (أكثر من 15 مليار دولار)، موزعة على قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية. كما يتمتع الميناء بقدرة على استقبال السفن العملاقة، وموقع مفتوح مباشرة على المحيط الهندي وطرق الملاحة الدولية، ما يقلل زمن الرحلات وتكاليفها، ويمنحه ميزة تنافسية واضحة في زمن أصبحت فيه الكفاءة عاملًا حاسمًا.

اضطراب سلاسل الإمداد منح الدقم فرصة إضافية للتحول إلى مركز للتصنيع الوسيط وإعادة التصدير؛ حيث باتت الشركات تبحث عن مواقع قريبة من خطوط الشحن تتيح لها تخزين المواد الخام وتصنيعها جزئيًا قبل توزيعها على الأسواق.

صحار: نموذج التكامل بين الصناعة واللوجستيات

ميناء صحار يُمثل الوجه الآخر للتجربة العُمانية؛ حيث يرتكز نجاحه على التكامل بين الميناء والمنطقة الصناعية، وهو نموذج أثبت فعاليته عالميًا. ويُعد صحار اليوم أحد أكبر المراكز الصناعية في السلطنة، ويستضيف صناعات في مجالات الألمنيوم، والحديد، والبتروكيماويات، والمواد الغذائية.

ووفق أرقام رسمية، يساهم ميناء صحار والمنطقة الحرة التابعة له بنسبة معتبرة من الناتج الصناعي غير النفطي، كما أسهم في توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وفي ظل اضطراب الإمدادات العالمية، ازدادت أهمية هذا النموذج؛ حيث تسعى الشركات إلى تقليل المسافات بين الإنتاج والتصدير. وميناء صحار، بفضل بنيته الأساسية المتقدمة، وقدرته على الربط البري والبحري، أصبح نقطة جذب للشركات التي تبحث عن مرونة التشغيل وسرعة الوصول للأسواق الإقليمية.

صلالة: خبرة عالمية في إعادة الشحن

أما ميناء صلالة، فيُعد من أبرز موانئ إعادة الشحن في المنطقة، ويتمتع بخبرة تشغيلية طويلة، وارتباط مباشر مع أكبر خطوط الملاحة العالمية. وتشير البيانات إلى أن الميناء يتعامل سنويًا مع ملايين الحاويات القياسية، ما يجعله عنصرًا محوريًا في شبكات الشحن بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ومع تعرّض بعض الموانئ التقليدية لضغوط متزايدة نتيجة الازدحام أو التوترات، برزت صلالة كبديل قادر على استيعاب التحولات المفاجئة في حركة التجارة. وقد ساعدتها كفاءتها التشغيلية، واستقرار بيئة العمل، على الحفاظ على تنافسيتها في سوق شديد الحساسية للتكاليف والوقت.

وتُشير الإحصاءات الرسمية إلى أن قطاع النقل والتخزين في السلطنة شهد نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بتطور الموانئ والبنية الأساسية اللوجستية، كما ارتفع حجم المناولة في الموانئ العُمانية، بالتوازي مع زيادة عدد الخطوط الملاحية التي أضافت موانئ السلطنة إلى مساراتها.

وتُقدّر مساهمة القطاع اللوجستي في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6%، مع خطط لرفع هذه النسبة ضمن مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي تضع اللوجستيات ضمن القطاعات الداعمة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

 

الجغرافيا السياسية تخلق فرصًا غير تقليدية

غير أن اللافت في التجربة العُمانية أن الفرص لم تأتِ فقط من النمو الاقتصادي، بل من التحولات الجيوسياسية ذاتها، فمع اتجاه الدول والشركات إلى إعادة توزيع المخاطر، أصبحت الموانئ الواقعة في بيئات مستقرة سياسيًا ذات قيمة مضاعفة.

وسلطنة عُمان، بسياساتها المتوازنة وعلاقاتها الدولية المستقرة، استطاعت أن تقدم نفسها كشريك موثوق، لا يتأثر سريعًا بالاستقطابات الحادة. وهذا العامل غير المادي بات عنصرًا حاسمًا في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

ما بعد النقل البحري: أثر اقتصادي أوسع

ولا تقتصر مكاسب الموانئ العُمانية على زيادة حركة السفن، بل تمتد إلى أكثر من جانب من بينها تنشيط الصناعات المرتبطة بالنقل والخدمات، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل المعرفة والخبرات اللوجستية

وهو ما يؤدي بالطبع إلى خلق فرص عمل نوعية للشباب العُماني، كما تلعب الموانئ دورًا متزايدًا في دعم الأمن الغذائي، من خلال تسهيل استيراد وتخزين وتوزيع السلع الأساسية، خاصة في أوقات الأزمات.

من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل

ما يُميِّز النهج العُماني هو أنه لم يكتفِ برد الفعل، بل عمل على تحويل التحولات العالمية إلى فرصة استراتيجية؛ فالاستثمار المُبكِّر في الموانئ، وتطوير التشريعات، وتعزيز الشراكات الدولية، كلها عناصر مكّنت السلطنة من التكيف السريع مع واقع اقتصادي عالمي متغير.

ومع استمرار إعادة تشكيل خريطة التجارة الدولية، تبدو الموانئ العُمانية في موقع متقدم للاستفادة من هذا التحول، ليس فقط كمحطات عبور، بل كمراكز إنتاج وتوزيع متكاملة.

باختصار.. يمكننا القول إنه في عالم يتسم بتقلُّبات حادة واضطرابات متكررة؛ فالموانئ المستقرة والمرنة أصبحت عملة نادرة، وقد نجحت سلطنة عُمان، عبر الدقم وصحار وصلالة، في تقديم نموذج يوازن بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ويحوّل التحديات العالمية إلى فرص تنموية مستدامة.

والرهان على الموانئ لم يعد خيارًا لوجستيًا فحسب؛ بل خيارًا استراتيجيًا يعكس رؤية اقتصادية واعية، تضع عُمان في قلب التحولات الكبرى، لا على هامشها، وتحوّل الاضطراب العالمي إلى فرصة للنمو والاستدامة.

 

** كاتب صحفي مصري

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: أعدنا توجيه 122 سفينة منذ بدء حصار الموانئ الإيرانية

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل: “عطلنا 6 سفن تجارية وأعدنا توجيه 122 منذ بدء حصار المواني الإيرانية”، موضحة أنه تم تعطيل ناقلة نفط فارغة في الخليج العربي كانت متجهة نحو ميناء إيراني، وفقا للقاهرة الإخبارية.

وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر تاس: استئناف المفاوضات مع أوكرانيا مرتبط بنهاية الصراع حول إيران

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • وكالة مهر الإيرانية : دوي انفجارات في جزيرة قشم والأسباب غير معروفة
  • القيادة الأمريكية: أعدنا توجيه 122 سفينة منذ بدء حصار الموانئ الإيرانية
  • بعد رفض جوارديولا.. النصر يبحث عن بدائل ومستقبل المدرب الإسباني يثير التساؤلات
  • برلماني: العلمين الجديدة أعادت رسم خريطة التنمية في مصر
  • برلمانية: إنشاء المركز اللوجستي العالمي بقناة السويس يعزز قدرة مصر على قيادة حركة التجارة
  • التيار: نأسف لأنّ السلطة اللبنانية لم تنجح حتى اليوم في صياغة استراتيجية وطنية شاملة للأمن والدفاع
  • بعثة الحج العُمانية تعود إلى البلاد
  • إطلاق مبادرة "ساس للتميز" لتعزيز تنافسية الشركات التقنية العُمانية عالميًا
  • إعلام إيراني: طهران لديها 9 بدائل استراتيجية تقلل فعالية أي حصار بحري محتمل
  • كيف أعادت الفنادق تشكيل عيد الأضحى في المغرب؟