أعادت تطورات الأحداث في محافظة حضرموت تشكيل خريطة السيطرة العسكرية في اليمن، بعد تقدم القوات الحكومية في هذه المحافظة الإستراتيجية الغنية بالثروات الطبيعية، التي تشكل نحو ثلث المساحة الجغرافية للبلاد.

وأعلن محافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي، اليوم السبت، نجاح عملية تأمين المعسكرات في مديريات الوادي والصحراء بشكل كامل، مؤكدا استكمال انتشار القوات الحكومية في كافة المواقع الحيوية، بما في ذلك تأمين مطار سيئون الدولي وعدد من المرافق السيادية والخدمية.

وأوضح الخنبشي أن قوات "درع الوطن" بدأت تحركها باتجاه ساحل حضرموت، في إطار تنفيذ مهامها الوطنية الرامية إلى بسط الأمن والاستقرار وتأمين المنشآت الحيوية والسيادية وحماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان سلامة المواطنين ومقدراتهم.

طرد عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي

بدورها، أعلنت قوات حماية حضرموت -التابعة لحلف القبائل- سيطرتها على مقر قيادة المنطقة العسكرية الثانية في مدينة المكلا، بعد طرد عناصر المجلس الانتقالي الجنوبي منه.

وأضافت هذه القوات، التي تقاتل دعما للقوات الحكومية، أنها تمكنت أيضا من تأمين فرع البنك المركزي اليمني في المكلا. وحسب مراقبين، فإن هذه التطورات الميدانية تشير إلى اقتراب الحكومة اليمنية من بسط سيطرتها الكاملة على محافظة حضرموت.

وفي هذا السياق، تعرض الجزيرة نت خريطة السيطرة الجغرافية في عموم اليمن الذي بات تحت سيطرة 4 أطراف:

الحكومة الشرعية جماعة الحوثي المجلس الانتقالي الجنوبي قوات المقاومة الوطنية مناطق نفوذ الحكومة الشرعية

تسيطر الحكومة اليمنية على معظم محافظة حضرموت، بما في ذلك مطار سيئون الدولي والقصر الرئاسي في المدينة، فضلا عن المنطقة العسكرية الثانية في المكلا، التي تعد من أهم المقرات العسكرية في المحافظة، إلى جانب فرع البنك المركزي. ومن المتوقع استمرار تقدمها حتى السيطرة الكاملة على حضرموت.

كما تسيطر على مساحات واسعة من محافظة تعز، بما في ذلك مركز المحافظة (مدينة تعز)، وعلى معظم محافظة مأرب بما يشمل مركزها وحقول النفط والغاز، التي تضم أكبر تجمع للنازحين في البلاد ويزيد عددهم على مليوني شخص.

إعلان

وتمتد سيطرتها كذلك إلى أجزاء من محافظات الجوف وصعدة وحجة.

مناطق تحت سيطرة الحوثيين

تواصل جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيين) إحكام سيطرتها الكاملة على عدد من المحافظات اليمنية ذات الأهمية السياسية والجغرافية، والتي تشكل عمق نفوذها الرئيسي منذ اندلاع الحرب في البلاد.

وتعد العاصمة صنعاء أبرز هذه المناطق، إذ تسيطر عليها الجماعة منذ سبتمبر/أيلول 2014، وتُعد المركز السياسي والإداري الأهم في اليمن، ومنطلق القرارات والقيادة الحوثية.

كما تسيطر الجماعة بشكل كامل على محافظة عمران، التي دخلتها قوات الحوثي في يوليو/تموز 2014، وكانت بوابة التمدد العسكري نحو العاصمة صنعاء، نظرا لموقعها الإستراتيجي شمال غرب العاصمة، حيث تبعد عنها نحو 50 كيلومترا فقط.

وتندرج ضمن مناطق السيطرة الكاملة أيضا محافظة إب، إحدى كبرى المحافظات اليمنية من حيث الكثافة السكانية، وتوصف بأنها العاصمة السياحية للبلاد لما تتمتع به من طبيعة خضراء وموقع متوسط يربط بين عدد من المحافظات.

وتفرض الجماعة نفوذها كذلك على محافظة البيضاء، التي تُعرف بأنها "قلب اليمن" نظرا لارتباطها الجغرافي بحدود 4 محافظات شمالية و4 محافظات جنوبية، مما يمنحها أهمية إستراتيجية في حركة التنقل والإمداد.

كما تشمل مناطق السيطرة الحوثية الكاملة محافظة ريمة الجبلية الواقعة غرب البلاد، ومحافظة المحويت التي تتميز بتضاريسها الوعرة وموقعها القريب من العاصمة، مما يجعلها ذات أهمية عسكرية وأمنية في خريطة النفوذ شمالي اليمن.

مناطق يغلب عليها نفوذ الحوثيين

وتبسط جماعة الحوثيين نفوذها على معظم المساحة الجغرافية لعدد من المحافظات اليمنية ذات الأهمية العسكرية والاقتصادية، مما يجعلها تُصنّف ضمن المناطق التي يغلب عليها نفوذ الجماعة.

وتأتي في مقدمة هذه المناطق محافظة حجة، الواقعة شمال غربي اليمن والمحاذية للحدود السعودية، والتي تمثل موقعا إستراتيجيا مهما من الناحية العسكرية، نظرا لقربها من الشريط الحدودي وتنوع تضاريسها بين الجبال والسهول الساحلية.

كما تُعد محافظة صعدة المعقل الرئيسي والأبرز لجماعة الحوثي، إذ انطلقت منها الحركة في بداياتها، ولا تزال تمثل مركز الثقل الفكري والعسكري للجماعة، وتخضع غالبية مديرياتها لسيطرة الحوثيين بشكل شبه كامل.

ويشمل النفوذ الحوثي الواسع أيضا محافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، التي تُعد من أهم المحافظات اليمنية اقتصاديا، لاحتضانها 3 موانئ بحرية رئيسية: ميناء الحديدة وميناء الصليف وميناء رأس عيسى، وجميعها تحت سيطرة الجماعة.

وتندرج كذلك محافظة الجوف ضمن المناطق التي يهيمن الحوثيون على معظم مساحتها، وهي محافظة ذات طبيعة صحراوية واسعة وتقع شمال شرقي البلاد.

أجزاء من محافظات تحت سيطرة الحوثيين

إلى جانب المحافظات التي يفرضون عليها سيطرة كاملة أو شبه كاملة، تحتفظ جماعة الحوثي بنفوذها أيضا في أجزاء من عدد من المحافظات اليمنية، مما يعكس تعقيد خريطة السيطرة وتداخل مناطق النفوذ بين الأطراف المتصارعة.

ففي محافظة تعز، تسيطر الجماعة على أجزاء من المحافظة، أبرزها منطقة الحوبان ذات الأهمية الاقتصادية، التي تضم عددا من مصانع القطاع الخاص، وتُعد من أهم المراكز الصناعية والتجارية في اليمن.

إعلان

كما يمتد نفوذ الحوثيين إلى أجزاء من محافظة الضالع، بما في ذلك مدينة دمت المعروفة بطابعها السياحي، إضافة إلى سيطرتهم على مناطق متفرقة من محافظة لحج.

مناطق سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي

في المقابل، يفرض المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على عدد من المحافظات الجنوبية ذات الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية. وتأتي في مقدمتها محافظة عدن، إحدى أهم المدن اليمنية، لاحتضانها ميناء بحريا إستراتيجيا ومطارا دوليا حيويا، وتعد العاصمة المؤقتة للبلاد.

كما يسيطر المجلس الانتقالي على محافظة شبوة الغنية بالموارد النفطية، إلى جانب محافظة أبين.

ويمتد نفوذ المجلس كذلك إلى جزيرة سقطرى، أكبر جزيرة عربية، والتي تتمتع بمكانة بيئية وجغرافية متميزة على المستويين الإقليمي والدولي. وبسط المجلس سيطرته عليها منتصف عام 2020.

ويسيطر المجلس أيضا على محافظة المهرة، التي تُعد البوابة الشرقية لليمن، إلى جانب أغلب محافظتي الضالع ولحج، وأجزاء من محافظة حضرموت.

مناطق سيطرة المقاومة الوطنية

تتمركز قوات المقاومة الوطنية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، بشكل رئيسي في الساحل الغربي لليمن، حيث تفرض سيطرتها على مدينة المخا الساحلية، الواقعة بالقرب من مضيق باب المندب جنوبي البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية الدولية. وتتبع مدينة المخا إداريا محافظة تعز.

كما تمتد سيطرة المقاومة الوطنية إلى مناطق أخرى في غرب تعز، بينها مديرية ذوباب، التي تتمتع بموقع جغرافي مهم على الشريط الساحلي.

إلى جانب ذلك، تمتلك هذه القوات نفوذا في مديريتي الخوخة وحيس جنوبي محافظة الحديدة الساحلية، وهو ما يعزز حضورها على طول أجزاء من الساحل الغربي للبلاد.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المحافظات الیمنیة المجلس الانتقالی المقاومة الوطنیة عدد من المحافظات محافظة حضرموت خریطة السیطرة جماعة الحوثی ذات الأهمیة على محافظة بما فی ذلک من محافظة تحت سیطرة أجزاء من فی الیمن إلى جانب على معظم التی ت

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • إقالة مسؤول أمني وإحالته للتحقيق إثر وفاة مواطن تحت التعذيب في أبين جنوبي اليمن
  • نجاح ولادة نادرة لـ4 أطفال توائم في محافظة مأرب شرقي اليمن
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • منع نفط حضرموت يُعيق تحسن الكهرباء بعدن.. ودعوات للتظاهر بالمدينة
  • عيد الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • إنفوجرافيك | الغدير في اليمن .. تجليات الولاء وتجذر الارتباط الإيماني في وجدان القبيلة اليمنية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • السيطرة على حريق في كافيه على شاطئ محافظة بورسعيد
  • نقيب الفلاحين: الشرقية تتصدر المحافظات في توريد القمح بـ650 ألف طن