نواب الطشّة والواقعية السياسية-السقوط حين يُسمّى سياسة
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
آخر تحديث: 4 يناير 2026 - 9:39 ص بقلم: د. نوري حسين الهاشمي قراءة نقدية في خطاب نائب يبرّر الصفقات، ويعيد تعريف الانكسار بوصفه فنًّا سياسيًا
في لحظةٍ ينقلب فيها البرلمان من ساحة تمثيل إلى مسرح اعترافات، يخرج بعض النواب لا ليحاسبوا الفساد، بل ليشرحوا لنا كيف يُدار، ولماذا يجب أن نتقبّله. اعترافات صريحة بصفقاتٍ محسومة، وتبريرات وقحة لانكساراتٍ مُسبقة، وخطابٌ يُعاد فيه تعريف الخضوع بوصفه “واقعية سياسية”.
هذا المقال لا يناقش زلّة نائب، بل يفضح منطقًا كاملًا حوّل التمثيل النيابي إلى شهادة زور، وجعل من السقوط ممارسةً عادية تُسوَّق للناس على أنها سياسة.
وأنا أتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، وقع بصري على أحد أولئك النواب الذين استقرّ لهم في الوعي الشعبي لقبٌ صار أدقّ توصيفًا من أي صفة رسمية: نواب الطشّة. نوابٌ لا يُعرف لهم موقف، ولا يُرجى منهم اتجاه، وإن قيل إن لهم توجّهًا سياسيًا، فذلك افتراضٌ كريم؛ لأن أقرب توصيف لحالتهم أنهم تابعون، قلبًا وقالبًا، لجهة سياسية بعينها، وإن أنكروا ذلك على الشاشات. غير أن الإنكار لا يبدّل من الواقع شيئًا؛ فالجميع يعرف تبعيتهم، سوى هم، أو لعلّهم يعرفون ويتجاهلون، أو يتجاهلون ويظنّون أن الآخرين لا يعرفون.
هذا النائب، الذي يتبرّع في كل ظهور إعلامي بدور “كاشف كواليس” البرلمان، لا يخرج علينا إلا بعد كل فضيحة جديدة يرتكبها الحزب الذي ينتمي إليه. يطلّ بلهجة الواثق ليشرح لماذا صوّتوا لهذا المرشّح، ولماذا امتنعوا عن ذاك، ولماذا عارضوا هذا القانون أو مرّروه. تبريرات مصقولة بعناية، لا لتفسير الموقف، بل لتجميله، وكأن العلّة في سوء الفهم لا في سوء الفعل. وهو، في كل مرة، يبدو مقتنعًا — أو يريدنا أن نقتنع — بأن ما يقوله كافٍ لإغلاق الملف، وأن العقل العام سيصفّق لمنطقٍ أُعدّ سلفًا في غرف الحزب، لا في ضمير الدولة.
لكن الحقيقة التي يعرفها كل من يستمع إليه، أن ما يتردّد في داخل المستمع ليس اقتناعًا، بل دعاءٌ مكبوت: لعنة الله على الظالمين، وعلى الزمن الذي أوصل مثل هؤلاء الأَمَعات إلى قيادة دولة مثل العراق.
في آخر فيديو له، تجاوز هذا النائب مرحلة التبرير إلى مرحلة الاعتراف. اعترف، بلا مواربة، بوجود تدخلٍ دولي في الآلية التي أفضت إلى انتخاب هيئة رئاسة البرلمان. قالها صراحة: العملية كانت “توافقية بامتياز”، ولا سيما في ما يخص انتخاب رئيس البرلمان ونائبه الأول. لم تكن هناك مفاجآت، ولم يكن هناك تصويتٌ حر؛ فالمسألة — على حدّ وصفه — كانت محسومة قبل الدخول إلى قاعة البرلمان. هناك من دفع الثمن، وهناك من قبض.
ولم يكتفِ بالاعتراف، بل مضى يمنح “الشرعية السياسية” لمطالبة جهةٍ بعينها بمنصب رئاسة البرلمان، وشرح أسباب تخليهم عن مرشّحهم لصالح جهة أخرى، وكأن البرلمان سوق تسويات لا مؤسسة تمثيلية، وكأن المناصب استحقاقات تفاوضية لا تكليفات وطنية.
ثم انتقل إلى استعراض ما سمّاه بطولاته في عرقلة انتخاب النائب الثاني لرئيس البرلمان. حدّثنا عن تحركاتهم داخل القاعة، وعن جولات الصراع التي خاضوها لقطع الطريق أمام رغبة جهة سياسية أخرى في إيصال مرشّحها. نفخ في بالون “الانتصارات المؤقتة”، وروى كيف انتصروا هنا وخذلوا هناك، إلى أن وصل إلى الخاتمة الحقيقية للقصة: الركوع.
نعم، الركوع الكامل أمام الجهة نفسها التي قال إنه واجهها. ففي لحظة واحدة، ضُرب التصويت الأول عرض الحائط، وصوّتوا للشخص ذاته الذي خاضوا جولاتٍ طويلة لمنع وصوله. هكذا تُدار “المعارك” في برلماننا: صخبٌ للإعلام، وصلابةٌ أمام الكاميرا، ثم انكسارٌ كامل عند أول إشارة من مركز القرار.
بعد كل ذلك، لم يجد هذا النائب حرجًا في أن يعلّمنا “السياسة”. والسياسة، وفق فهمه، هي هذا الخليط من التنازل، والتبرير، والانصياع، وتقديم المصالح الحزبية على إرادة الشارع. سياسةٌ تسمح بأن يتصدّر رئاسة البرلمان شخصٌ تشير تقارير كثيرة إلى عدم أهليته للمنصب، لكن لا بأس بذلك؛ فـ“كل شيء ممكن في السياسة”، حتى لو تطلّب الأمر مخالفة إرادة من انتخبوك، وخيانة الثقة التي أوصلتك إلى هذا الكرسي.
ثم مضى يبرّر التقاط “السلفيات” مع هذا أو ذاك، رغم مواقفه السابقة منهم، معتبرًا أن هذا السلوك يندرج ضمن “الممارسة السياسية” لا الشؤون الشخصية. وهنا يبلغ الانحدار مداه: تبريرات لا تقنع إلا من تمرّس على سرقة وطنه، وخيانته، ورهنه لجهاتٍ أجنبية قذرة. لا يجد هذا النائب حرجًا في التصوير والابتسام، لكنه بهذا السلوك يوجّه رسالةً مستقبلية خطيرة مفادها أن السياسة قد “تُرغمه” غدًا على المصافحة لا على الموقف؛ وأن اللقاء مع مجرمٍ أو إرهابي يمكن تبريره بالذريعة نفسها التي بُرِّرت بها لقاءاتٌ سابقة. أمّا الشعب — في نظره — فعليه أن يميّز بين “المواقف” و“اللقاءات”، لأن السياسة، كما يدّعي، لا يفهمها الشعب. وهكذا يتبرّع هذا النائب بإعطاء دروسٍ في سياسةٍ لا يفقه ألفها من بائها.
وهنا لا يكون السؤال: ماذا قال هذا النائب؟ بل: ماذا بقي من معنى التمثيل النيابي، حين يتحوّل النائب إلى شاهد زور على صفقاتٍ يعترف بها، ثم يبرّرها، ثم يطالبنا باحترامها باسم الواقعية السياسية؟ في مثل هذه اللحظة، لا يكون البرلمان مرآةً للشعب، بل مرآةً لانكساره.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: هذا النائب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..