الكتابة التي لا تعد بالنجاة هي الأكثر صدقًا
تاريخ النشر: 4th, January 2026 GMT
فى باب "أقلام على الطريق" نقترب اليوم من تجربة الكاتب حسن غريب أحمد من الداخل، لا بوصفها مسارًا مهنيًا، بل بوصفها تحوّلًا بطيئًا فى العلاقة مع الذات. هنا لا تُقدَّم الكتابة كمهارة تُتقن، بل كاختبار لا يمنح صاحبه يقينًا، يطالبه فى كل مرة بأن يكون أكثر صدقًا.
لقد تشكّل الصوت الإبداعى لدى حسن غريب فى زمن الصمت، حين ضاق بترديد الأصوات الجاهزة، وبدأ يسمع نبرة تخصّه وحده.
غيّرت الكتابة حسن غريب لأنها أزاحت الزوائد عنه ، وقلّصت المسافة بين ما يُكتب وما يُعاش. فتعلّم أن يكتب ببطء، وأن يتخلّى عن البلاغة التى لا ضرورة لها، وأن ينظر إلى هشاشته لا بوصفها ضعفًا، بل بوصفها مادة للصدق. لذلك، تبدو الأعمال التى يراها ممثّلة له اليوم مختلفة عن نصوص البدايات؛ تلك التى كتبعا بعد أن هدأ الصخب داخله، وبعد أن صار قادرًا على البقاء مع الأسئلة دون استعجال إجابة. أما البدايات، فيتذكرها “غريب” كمحاولات صادقة للتماسك، أكثر منها كتابة ناضجة.
وعندما تُطرح عليه مسألة الصعوبة، يعود بالإجابة دائمًا إلى لحظة الكتابة نفسها. تلك المواجهة الصامتة مع الصفحة البيضاء، حيث لا حماية سوى ما يؤمن به هو. فالنشر لاحق، ومواجهة القارئ احتمال وارد، أما الكتابة فهى الامتحان الحقيقى.
بعد النشر، لا يكتب حسن غريب لقارئ بعينه، بل لقارئ مجهول يشبهه فى القلق والرغبة فى الفهم، قارئ لا يبحث عن الطمأنينة بقدر ما يبحث عن الصدق. ويظل الخوف ملازمًا له؛ خوفًا من أن تفقد كتاباته دهشتها الأولى، أو يتحول صوته إلى عادة، أو أن يُقال ما يُنتظر منه لا ما ينبغي قوله.
لقد تشكّلت ذائقته الأدبية من كتب تركت أثرًا عميقًا وباقيًا، ومن أصوات لم تخشَ العزلة. أما الدرس الذى استقر مع الزمن لديه، فهو أن قيمة النص لا تُقاس بما يثيره لحظة صدوره، بل بما يبقى منه بعد انقضاء الضجيج. وهو يعدنا بأن مشروعه القادم يكون كتابة أكثر صفاءً، أقل ادّعاء، وأقرب إلى تلك المساحة التي يلتقى فيها التفكير بالتجربة الإنسانية العارية.
وتضم إصدارات الكاتب حسن غريب أحمد عدة كتب منها؛ امرأة تعزف على الأسلاك الشائكة، الحب الأول وقصص أخرى، الانحدار إلى أعلى، ديوان لا وقت للآه، رواية تجاعيد على حجر من ذهب، هذه الجثة لى، لتشكل لوحة متكاملة من الإبداع القصصي والشعرى.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: حسن غریب
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..