الجزيرة:
2026-06-03@03:50:32 GMT

الأمطار التي حركت الأرض.. ما الذي يحدث في إثيوبيا؟

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

الأمطار التي حركت الأرض.. ما الذي يحدث في إثيوبيا؟

لطالما اعتقد كثيرون أن القشرة الأرضية صلبة لا تتأثر بما يجري فوقها، غير أن ما يحدث في إثيوبيا يضيف دليلا علميا جديدا على أنها كيان مرن يتنفس صعودا وهبوطا مع تغير الأحمال الواقعة على سطحه، سواء كانت جليدا أو محيطات أو أمطارا موسمية.

ورصدت هذه الظاهرة سابقا في مناطق ذوبان الجليد بكندا وإسكندنافيا، وفي أحواض أنهار كبرى مثل الأمازون، إلا أن رصدها في إثيوبيا شكل تحديا علميا كبيرا، نظرا لوقوع البلاد في منطقة نشطة تكتونيا، هي الأخدود الأفريقي العظيم، حيث تتداخل الإشارات الناتجة عن المياه مع تأثيرات الزلازل والصدوع والبراكين.

ولهذا، كان فصل أثر الأمطار عن هذه الأنشطة التكتونية المعقدة مهمة بالغة الصعوبة، نجح في إنجازها فريق بحثي من كلية العلوم الطبيعية والحاسوبية بجامعة مادا والابو في إثيوبيا، بقيادة الأستاذ المساعد بالكلية الدكتور عبديسا كاو كوجي، وأعلن عن نتائج هذا الإنجاز في دراسة نشرتها دورية "جورنال أوف أفريكان إيرث ساينس".

ويشرح كاو كوجي الظاهرة بتشبيه مبسط، قائلا في تصريحات خاصة للجزيرة نت: "إذا تخيلنا القشرة الأرضية كمرتبة إسفنجية، والمياه الموسمية شخصا يجلس أو ينهض عنها، ففي موسم الأمطار الغزيرة تمتلئ الأنهار والبحيرات والتربة والمياه الجوفية، فتزداد الكتلة المائية فوق القشرة، مما يؤدي إلى انخفاضها قليلا (هبوط أرضي)، وبعد انتهاء موسم الأمطار، تبدأ المياه في التسرب أو التبخر أو الجريان بعيدا، فيخف الوزن فوق القشرة، فترتد إلى أعلى من جديد (ارتفاع مرن)".

وتعرف هذه العملية علميا باسم "التحميل المرن لكتلة السطح"، حيث يتصرف الغلاف الصخري للأرض كصفيحة مرنة تعلو وشاحا لزجا ومرنا، ووفقا لهذا المفهوم، فإن أي تغير زمني في الكتلة الموجودة على سطح الأرض، مثل الأمطار، وتراكم المياه السطحية، ورطوبة التربة، وإعادة تغذية المياه الجوفية، ينتج استجابات مرنة مقابلة في القشرة الأرضية.

وفرت بيانات "جي بي إس" رصدا شبه فوري لاستجابة القشرة الأرضية بعد هطل الأمطار (الأوروبية)متى تحدث الظاهرة؟

تحدث هذه التغيرات في إثيوبيا خلال موسم الأمطار، إذ يسيطر نظام مطري موسمي قوي، لا سيما خلال موسمي كيريمت (يونيو-سبتمبر) وبلغ (فبراير-مايو).

إعلان

وخلال هاتين الفترتين، تؤدي الهطولات المطرية الغزيرة إلى زيادات موسمية كبيرة في مخزون المياه، فتملأ البحيرات والخزانات، ويزداد تصريف الأنهار، وتتراكم رطوبة التربة، ويعاد شحن المياه الجوفية.

وتمثل هذه الكتلة المائية الإضافية حملا متزايدا على القشرة الأرضية، مما يؤدي إلى إزاحة رأسية هابطة، وإن كانت محدودة.

وتشير الدراسة إلى أن تأكيد كون هذا الهبوط -الذي لا يتجاوز بضعة مليمترات- ناتج بالفعل عن الأمطار الموسمية لم يكن أمرا سهلا، غير أن المنهجية التي استخدمها كاو كوجي وفريقه، والتي اعتمدت على تحليل مشترك لبيانات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) وبيانات أقمار جريس، وهو مشروع فضائي مشترك بين الولايات المتحدة وألمانيا لرصد تغيرات الجاذبية الأرضية، قدمت دليلا قاطعا على ذلك.

ويقول كاو كوجي: "وفرت بيانات (جي بي إس) رصدا شبه فوري لاستجابة القشرة الأرضية بعد هطل الأمطار، لأنها تقيس حركة الأرض مباشرة عند نقاط ثابتة، وتسجل أي هبوط أو ارتفاع يحدث نتيجة الوزن الإضافي للمياه في وقت قريب جدا من سقوطها".

ويضيف: "في المقابل، تعمل أقمار جريس بطريقة مختلفة، فهي لا تقيس حركة القشرة نفسها، بل ترصد تغيرات الجاذبية المرتبطة بزيادة أو نقصان كتلة المياه على نطاق واسع، وبما أن جزءا كبيرا من مياه الأمطار يحتاج إلى وقت للتغلغل في التربة، وإعادة تغذية الخزانات الجوفية، والتجمع في الأحواض المائية، فإن الإشارة التي رصدتها هذه الأقمار تظهر عادة بعد انتهاء الموسم المطري، وتحديدا في أكتوبر ونوفمبر، عندما تكتمل عملية التخزين المائي".

ثلاثة أسباب لخصوصية الحالة الإثيوبية

ورغم أن الظاهرة معروفة جيولوجيا، فإن تأثير المياه في إثيوبيا يبدو أقوى وأكثر وضوحا مقارنة بمناطق أخرى من العالم، لثلاثة أسباب رئيسية، يعددها كاو كوجي في شدة الأمطار الموسمية وطابعها المنتظم، ووجود أحواض تصريف كبرى قادرة على تخزين كميات هائلة من المياه، والاستجابة السريعة للمياه الجوفية الضحلة لهطل الأمطار.

ولفصل تأثير الأمطار الموسمية الطبيعية عن تأثير الأنشطة البشرية على حركة القشرة الأرضية، مثل بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، يعتمد العلماء على مزيج متكامل من الرصد طويل الأمد والنمذجة العلمية.

ويقول كاو كوجي إن هذه العملية "تبدأ بدراسة سلوك القشرة الأرضية خلال مواسم الأمطار في السنوات التي سبقت أي تدخل بشري، بهدف تحديد النمط الطبيعي لحركة الأرض".

ويوضح أنه "باستخدام سجلات الأمطار وبيانات الأقمار الصناعية، وعلى رأسها قمر جريس، يتم رسم ما يعرف بـ(الخط الأساسي) للحركة الموسمية الطبيعية، الذي يعكس الاستجابة المتوقعة للقشرة الأرضية لزيادة المياه الناتجة عن الأمطار فقط.

وبعد ذلك، تقارن هذه القيم المرجعية بالقياسات الفعلية التي تسجلها محطات (جي بي إس)، حيث تشير أي تغيرات غير معتادة -مثل هبوط مفاجئ أو ارتفاع يفوق المعدلات الطبيعية- إلى تأثيرات ناتجة عن النشاط البشري".

ولا يقتصر التحليل، بحسب كاو كوجي، على الرصد المباشر، بل يشمل أيضا استخدام نماذج هيدرولوجية تحاكي حركة المياه في التربة والأنهار اعتمادا على العوامل المناخية وحدها، فإذا أظهرت القياسات الواقعية زيادات في تخزين المياه أو في تشوه القشرة لا تتوافق مع ما تتوقعه هذه النماذج، فإن ذلك يعد مؤشرا واضحا على تدخل بشري، مثل إنشاء السدود أو ضخ المياه الجوفية على نطاق واسع.

إعلان

كما يعتمد الباحثون على ما يعرف بـ"البصمة المكانية" للحركة الأرضية، إذ تحدث الأمطار الطبيعية تشوهات واسعة النطاق وموزعة جغرافيا، في حين تتسم تأثيرات الأنشطة البشرية بأنها محلية ومركزة، كما هو الحال في المناطق المحيطة بسد النهضة.

وفي المرحلة الأخيرة، يجري حساب التأثير المتوقع لهذه الأنشطة البشرية وطرحه من قياسات (جي بي إس)، لتبقى الإشارة المرتبطة بالأمطار الطبيعية فقط.

ويختتم كاو كوجي قائلا: "بهذه المنهجية المتكاملة، يتمكن العلماء من التمييز بدقة بين حركة القشرة الأرضية الناتجة عن العمليات الطبيعية وتلك المرتبطة بتدخل الإنسان، وهو ما يوفر أساسا علميا مهما لفهم النشاط التكتوني، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتقييم المخاطر الجيولوجية في المنطقة".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المیاه الجوفیة القشرة الأرضیة فی إثیوبیا جی بی إس

إقرأ أيضاً:

جمعية كتاب البيئة: التعاون بين الكيانات البيئية ضرورة لتعزيز جهود حماية الموارد الطبيعية

أكد الدكتور محمود بكر، رئيس جمعية كتاب البيئة والتنمية، أهمية تعزيز التنسيق والتعاون بين مختلف الكيانات والجمعيات البيئية العاملة في مصر، بما يسهم في توحيد الجهود وتبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات بيئية ذات أثر ملموس على أرض الواقع، مشيراً إلى أن التحديات البيئية الراهنة تتطلب العمل المشترك وتكامل الأدوار بين جميع الأطراف المعنية.

البيئة: تكثف حملاتها لمواجهة الذبح بالشوارع حفاظًا على الصحة العامة للمواطنين بالشرقية استغاثة لوزيرة البيئة

جاء ذلك خلال مشاركته في ورشة العمل التي نُظمت حول مشروع استزراع أشجار المانجروف على سواحل البحر الأحمر، بالتنسيق بين جمعية كتاب البيئة والتنمية وجمعية بيئة بلا حدود، وبمشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين والمهتمين بقضايا البيئة والتغيرات المناخية.

وأوضح بكر أن مشروع استزراع المانجروف يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالبيئة، نظراً لما تتمتع به هذه الأشجار من أهمية كبيرة في حماية السواحل، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والمساهمة في امتصاص وتخزين الكربون، بما يدعم جهود مواجهة التغيرات المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وأضاف أن التنسيق المستمر بين الجمعيات البيئية يساهم في رفع الوعي المجتمعي بالقضايا البيئية، وتوسيع نطاق المبادرات والمشروعات الهادفة إلى حماية الموارد الطبيعية، مؤكداً أن العمل البيئي لم يعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والخبراء والإعلام البيئي.

وأشار رئيس جمعية كتاب البيئة والتنمية إلى أن الورشة تأتي في إطار دعم المبادرات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاقتصاد الأزرق والحفاظ على النظم البيئية الساحلية، لافتاً إلى أن نجاح مشروعات استزراع المانجروف يفتح المجال أمام تنفيذ المزيد من المشروعات البيئية التي تسهم في تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.

وثمّن الدكتور محمود بكر جهود جمعية بيئة بلا حدود برئاسة الدكتور عادل عبدالله سليمان في تبني المبادرات البيئية النوعية، مؤكداً أن استمرار التعاون والتنسيق بين الجمعيتين يمثل خطوة مهمة نحو تعظيم الاستفادة من الخبرات المتخصصة وتوسيع دائرة العمل البيئي لخدمة المجتمع والحفاظ على الثروات الطبيعية للأجيال القادمة.

مقالات مشابهة

  • ضغوط متزايدة على الأمن الغذائي وموارد المياه.. ضرورة الاستعداد لحدث مناخي قوي محتمل.. الأمم المتحدة تحذر من "إل نينيو" قوية قد ترفع حرارة الأرض وتفاقم الظواهر المناخية المتطرفة
  • في الاحتفال بيوم البيئة العالمي.. جهود وطنية لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز التنمية المستدامة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • وصفات تكثيف الشعر بالزيوت الطبيعية.. حلول منزلية تمنح الشعر قوة وكثافة ولمعانًا
  • قرار جديد من مانشستر سيتي بشأن عمر مرموش .. ماذا يحدث؟
  • جمعية كتاب البيئة: التعاون بين الكيانات البيئية ضرورة لتعزيز جهود حماية الموارد الطبيعية
  • غات.. اجتماع حكومي عاجل لبحث تداعيات «الأمطار الغزيرة»
  • انتخابات إثيوبيا تنطلق في ظل تمردات مسلحة وغياب التصويت في إقليم تيغراي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • ماذا يحدث عند شرب الشاي الأخضر يوميا لمدة أسبوعين؟