لجريدة عمان:
2026-06-03@00:18:38 GMT

مشروع مانهاتن الجديد وتخطيط الاقتصاد

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

يرى المراقبون أن سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية، وفي مقدمتها التعريفات الجمركية ونقده الدائم للمؤسسات الأمريكية مثل الاحتياطي الفيدرالي، التي «يُفترض» أن تحمي من ارتفاع التضخم وتحفظ حقوق الدائنين وتحافظ على الوصول إلى أسواق رأس المال؛ توجّه «صدمة جديدة» للاقتصاد العالمي، لمحاولته إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي عبر الارتداد عن العولمة إلى نموذج أكثر حماية وتخطيطًا تحت عنوان زيادة تنافسية الصادرات الأمريكية.

لقد كرر الرئيس ترامب عدم رضائه عن سياسة جيروم باول، رئيس الفيدرالي الأمريكي، إذ أراد تخفيضًا أكبر للفائدة، بينما يرى المراقبون أن الدولار سيفقد 10% من قيمته الحالية مع نهاية عام 2026.

هناك شبه إجماع في الأسواق حاليًا على اقتراب تعيين كيفين هاست رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، خاصة بعد توليه رئاسة المجلس الاقتصادي في البيت الأبيض، ويؤكد البعض أن هاست صرّح بأن أسعار الفائدة يمكن أن تنخفض إلى ما دون 3%.

لقد دفعت دول الجنوب العالمي ثمن الوضعية الاستثنائية للدولار بعد فك ارتباطه مع الذهب، فقد اضطرت منذ الثمانينيات إلى تحرير اقتصاداتها من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وجلب العملة الصعبة من خلال الصادرات أو الديون. بعض الدول نجحت في القيام بقفزات اقتصادية من خلال بناء نموذج اقتصادي قائم على التصدير، ولكن جلّ دول العالم لم تستطع أن تنجز ما أنجزته دول مثل الصين، وظل اندماجها في السوق العالمية مقصورًا على أسواق الديون الدولية.

والجدير بالذكر أن الأجانب يمتلكون حاليًا أصولًا أمريكية تتجاوز قيمتها 30 تريليون دولار، منها 8 تريليونات دولار من السندات والأسهم الأمريكية يمتلكها المستثمرون الأوروبيون وحدهم.

يرى المراقبون أن هذا التدخل من الرئيس الأمريكي يأتي لأجل ما أطلق عليه «مشروع مانهاتن الجديد»، وهو مصطلح يُطلق على مبادرات تكنولوجية ضخمة تهدف إلى تحقيق اختراقات علمية واقتصادية كبرى، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بنفس روح التعاون السري والسرعة لمشروع مانهاتن الأصلي الذي أنتج القنبلة الذرية في الولايات المتحدة عشية الحرب العالمية الثانية.

ويقولون إن اليوم نحو 50% من نمو الاقتصاد الأمريكي يأتي من إنفاق 7 شركات فقط على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. هذه الشركات تمثل قرابة 40% من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية. تنمو بسرعة، لكن دون مسار واضح للربحية خلال السنوات الخمس المقبلة، وسقوطها يعني سقوط الاقتصاد معها. فالذكاء الاصطناعي يحتاج طاقة، وشبكات كهرباء، وبنية تحتية، ولوجستيات بعشرات التريليونات من الدولارات. وتمويل ذلك لن يكون إلا عبر نموذج شبيه بالحرب العالمية الثانية: تناغم كامل بين الخزانة والفيدرالي، وضبط منحنى العائد، وتمويل نقدي واسع، وسيُموَّل عبر آلة طباعة الدولار.

يكتب بعض العسكريين الأمريكيين أنه في المستقبل القريب يمكن للجيش الأمريكي أن يعود ليصبح المساهم الرئيسي في دمج العلوم والابتكار الدفاعي في البلاد، تمامًا كما فعل مع مشروع مانهاتن الأصلي لإنتاج القنبلة الذرية. فبينما قدّم العلماء الإنجازات العلمية، لعب الجيش دورًا محوريًا في تهيئة وتأمين البيئة التي مكّنت الكفاءات العلمية من بناء القنبلة الذرية. إن القوة البرية تتجاوز مجرد السيطرة على الأرض، فهي تتعلق بتهيئة الظروف اللازمة لاتخاذ إجراءات لاحقة، بدءًا من الإنجازات العلمية وصولًا إلى الحملات الهجومية المشتركة الكبرى التي تغيّر العالم. فهل ما حصل مؤخرًا في فنزويلا هو البداية؟ وقد أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت على ضرورة إحياء الطاقة النووية لدعم هذا المشروع.

ويكمل المراقبون أن الفيدرالي يمتلك اليوم نحو 10% من الدين الحكومي الأمريكي، وخلال 10 إلى 15 عامًا قد يمتلك 30%.

سنرى نموًا في الأرقام وارتفاعًا في الأسهم والكريبتو، لكن القوة الشرائية ستتآكل، فقد تصبح فاتورة البقالة الأسبوعية 1000 دولار. فاليوم واحد من كل عشرة أمريكيين مليونير، وقريبًا قد يصبح تسعة من كل عشرة «مليونيرات» اسميًا.

وكأننا في الخليج جالسون على صفيح ساخن، لا ندري هل هي الجولة الأخيرة للدولار التي ستنتهي بإنهائه واللجوء إلى بديل آخر كما يقول البعض، أم سيبقى منه شيء، فعملات دول الخليج مرتبطة بالدولار، وتمتلك دول الخليج كمًا هائلًا من سندات الدين الأمريكية.

كل ما نستطيع أن نقوله هو أن نعود إلى تخطيط الاقتصاد في الخليج، وأن نحتاط بأكثر من خطة احتياط لحماية أرصدتنا الوطنية، وأن نقلل البطالة، وأن نقلل الاستدانة الدولية، وأن نعمل معًا على ازدهار المواطن والوطن. ولنا درس بما حصل في سوريا وفنزويلا، فقد سقطتا بفعل الداخل وليس الخارج.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !

جاءت الحرب أولا، ثم جاء الحصار، والآن يأتي نقص الإمدادات؛ فالناقلات المملوءة بالسلع الأساسية كالنفط والغاز الطبيعي المسال واليوريا والمنتجات البترولية المكررة والهيدروجين والهليوم وغير ذلك لم تبحر عبر مضيق هرمز منذ نهاية فبراير. وتلك التي غادرت قبل الإغلاق وصلت في معظمها إلى مقاصدها.

من الآن فصاعدا ستتزايد الحاجة إلى الشحنات التي لم تغادر. ومع السحب من المخزونات كذلك سننتقل إلى مرحلة نقص مادِّي في السلع.

قبل الآن كان نقص هذه السلع متخيَّلا في معظمه، لكنه سيصبح حقيقيا الآن، وستجب إدارته في نهاية المطاف بكبح الطلب. وسيتطلب هذا الأخير بدوره نوعا من الاقتران بين الترشيد والركود. ويمكن أن يحققهما كليهما مزيج من ارتفاع الأسعار وتشديد السياسة النقدية. وكلما طال إغلاق المضيق وازداد الضرر المادي طال النقص وتفاقم أثره.

هذا باختصار ما جادل بشأنه نك بتلر نائب الرئيس السابق للاستراتيجية وتطوير السياسات بمجموعة برتيش بتروليوم والباحث بجامعة كينجز كوليدج لندن في تدوينة على منصة سابستاك بعنوان «نهاية البداية». أدناه إذن بعض العناصر الرئيسية لهذه الحكاية المثيرة للقلق.

أولا: المشكلات التي يواجهها العالم ليست نتيجة للإغلاق الفعلي للمضيق فقط . فاستهداف البنية التحتية بواسطة إيران أساسا والذي كان متوقعا، كما الإغلاق نفسه، تسبب في ضرر كبير. حسب بتلر «خرجت على الأقل ثماني مصافي خليجية رئيسية عن الخدمة جزئيا أو كليا. وأيضا منشأة رأس لفان في قطر». وليس معلوما حتى الآن المدة التي سيستغرقها إصلاح الدمار.

ثانيا: وكما توضح نشرة «كراك ذِ ماركت» على منصة سابستاك يجب عدم اعتبار النقص مقتصرا على النفط الخام وحده؛ فهو سيؤثر بشكل متفاوت على توافر منتجات نفطية محددة؛ لأن المصافي مصممة للتعامل مع أنواع معينة من الخام.

لا تقتصر منطقة الخليج على إنتاج أنواع محددة من النفط؛ فهي أيضا وكما جاء في النشرة المذكورة «كانت تصدر 3.3 مليون برميل في اليوم من المنتجات المكررة و1.5 مليون برميل في اليوم من الغاز البترولي السائل. هذه أنواع وقود جاهز للاستهلاك كالديزل ووقود الطائرات والنافتا والبنزين، وكانت تنساب مباشرة في سلاسل توريد المستهلكين الآسيويين والأوروبيين».خسارة صادرات أنواع معينة من النفط والمنتجات المكررة يعني أن استبدالها ليس يسيرا. وكما ذكر بتلر في تدوينته النقص الرئيسي يتركز الآن في وقود الطائرات والديزل. وبالنظر إلى هذه الحقائق المرتبطة بالمنتجات المحددة لا تبدو الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا في النفط. نعم هي مصدِّر صافٍ له، لكنها -كما يجادل خبير السوق شارلي جارسيا- مستورد كبير للنفط أيضا؛ فمصافيها تحتاج إلى أنواع الخام التي تستطيع تكريرها.

ثالثا: يقلل السحبُ السريع من المخزونات النفطية تأثيرَ ذلك حتى الآن، لكنها بالضرورة قابلة للنفاد. ومن الصعب التوسع في الإنتاج خارج الخليج أو تغيير مسار نقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز حتى في الأجل المتوسط.

وهكذا فإن معظم السعة الاحتياطية لإنتاج النفط في العالم توجد في منطقة الخليج نفسه. وتأتي روسيا في المرتبة التالية، لكن بخلاف المصاعب السياسية الواضحة؛ قدرة روسيا الإنتاجية محدودة. أيضا سعة خطوط الأنابيب السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر والعمانية إلى رأس مركز محدودة، ويحتاج توسيعها إلى وقت طويل. أيضا سيستغرق إحلال طاقة التكرير المفقودة وقتا ويكلف الكثير؛ ففي أوروبا تدهورت طاقة التكرير على مدى سنوات. ولا يمكن تغيير ذلك بسرعة؛ فمثل هذه الاستثمارات ستكون باهظة التكلفة ومخاطرها مرتفعة.

أخيرا: لا يقتصر النقص على الطاقة؛ فإمدادات الهليوم والنافتا والميثانول والفوسفات واليوريا والأمونيا والكبريت متأثرة أيضا، ويُلحق انخفاض إمدادات الهليوم ضررا بإنتاج الرقائق الدقيقة. كما سيقلل الانخفاض في إمدادات السلع الضرورية لإنتاج المخصبات الصناعية الإنتاجَ العالمي للغذاء.

هنالك أيضا أثر سلبي على الشحن البحري في العالم؛ لأن الممرات البحرية الأطول أكثر تكلفة. إلى ذلك يوجد أكثر من 20 ألف بحار عالق في الخليج.

ويبدو أن الأسواق أقنعت نفسها بأن هذا الواقع سيقود قريبا وليس لاحقا إلى وقف مستقر لإطلاق النار وإعادة فتح المضيق. قد يحدث ذلك، لكن ليس من الصعب تصور لماذا قد لا يحدث؛ فدونالد ترامب يصر على أنه لا يبالي بالوضع المالي للأمريكيين، بل حسبما يقول: «الشيء الوحيد المهم عندما أتحدث عن إيران هو أنها لا يمكنها الحصول على سلاح نووي».

هل تقبل إيران بذلك ولو حتى من حيث المبدأ؟ لماذا تثق بأن ترامب سَيَفِي بما يلزمه في أي اتفاق؟ وكيف يمكن مراقبة مثل هذا الاتفاق وتنفيذه؟ ولماذا تتخلى إيران عن السيطرة على حركة السفن في الخليج بعد فرضها؟ ألا يتمسك قادتها على الأقل بحقهم في فرض رسوم عبور؟ وهل سيكون ترامب على استعداد للقبول بمثل هذا الإذلال؟

نعم؛ تشير أسواق العقود الآجلة للنفط إلى أن الأسعار ستهبط؛ وبالتالي سيكون كل شيء على ما يرام، لكن منحنى عقود النفط الآجلة ليس «كرة بلورية» كما ذكر زميلاي جوناثان فينسنت ومالكولم مور. (يمثل هذا المنحنى أسعار التداول الحالية لعقود تسليم النفط في المستقبل، ولا يتنبأ بمستوى الأسعار في تواريخ تسليمها اللاحقة – المترجم.)

في الواقع التوقعات كثيرا ما تخيب. أنا لا أجد سببا وجيها في ألا تكون تلك هي الحال. وإذا حدث الأسوأ سيلزم أن ترتفع الأسعار بما يكفي لموازنة العرض المقيَّد مع الطلب. وبما أن هذه سلعٌ ضرورية تواجه طلبا غير مرن إزاء الأسعار يمكن أن ترتفع تكلفة المنتجات والنفط بشدة.

إلى ذلك من المرجح أن يتحقق جزء من هذا التوازن عبر توقعات ارتفاع التضخم (والتي يترتب عنها تقليل الاستهلاك)، وارتفاع معدلات الفائدة (بقرار من البنك المركزي للحد من التضخم)؛ وبالتالي عبر أثر ركودي قوي على اقتصاد العالم.

حذر فاتح بيرول المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية من أننا ندخل في أزمة الطاقة الأكبر في التاريخ. وإذا لم تتغير الأمور قريبا فسيتضح أن هذا التحذير صحيح كما لن تكون مثل هذه النتيجة مفاجئة.

لقد أطلقت الولايات المتحدة على حربها اسم «عملية الغضب الملحمي»، لكن «عملية الحماقة الملحمية» سيكون اسما أكثر واقعية.

مقالات مشابهة

  • القيادة الوسطى الأمريكية تنفي استهداف مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أمريكية
  • القيادة الأمريكية: تعطيل ناقلة نفط فارغة في الخليج العربي
  • ‏القيادة الوسطى الأمريكية: عطلنا ناقلة نفط فارغة حاولت الإبحار باتجاه ميناء إيراني في الخليج العربي
  • نواب البرلمان : إحياء قلب القاهرة مشروع وطني يعزز السياحة ويدعم الاقتصاد
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • أزمة الخليج ربما في بدايتها فقط !
  • 100 جنيه عند مغادرة مصر .. تعرف على المستثنين في مشروع القانون الجديد
  • مقعدان للعراق في دوري أبطال الخليج للأندية
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟