صراحة نيوز:
2026-06-02@17:12:09 GMT

القرن الأفريقي والبحر الأحمر: ساحة جديدة للصراع

تاريخ النشر: 5th, January 2026 GMT

القرن الأفريقي والبحر الأحمر: ساحة جديدة للصراع

صراحة نيوز- د. منذر الحوارات

رسّخت قناة السويس الأهمية الجيوسياسية للقرن الأفريقي ومضيق باب المندب، وحوّلتهما من مجرد ممرٍّ بحري إلى مرآة للتوازنات العالمية، وقد ازداد هذا الوزن خلال الحرب الباردة حين أصبح القرن الأفريقي ساحة تنافس بين القوى العظمى، ومع انتهاء تلك المرحلة، وتراجع الاهتمام الدولي المباشر، تزامن ذلك مع انهيار الدول وضعفها، خصوصاً في الصومال والسودان واليمن، ما حوّل المضيق إلى منطقة غير منضبطة أمنياً، وفتح الباب أمام القراصنة وصيّادي الفرص، غير أن حرب غزة أعادت تعريف باب المندب، وحوّلته من «ممرٍّ خطر» إلى أداة ضغط إستراتيجية، وأثبتت أن قوة عسكرية واحدة قادرة على تعطيل التجارة العالمية، وأن هذا المضيق أخطر وأكثر هشاشة مما كان يُتصوَّر.

 ترافق ذلك مع ما يمكن تسميته بـ«إعادة اكتشاف أفريقيا»، فبعد أن أُشبِعت القارات الأخرى استثماراً وإنتاجاً، وتراجعت فيها هوامش الربح، برزت أفريقيا باعتبارها أرضاً بكراً لا تزال بحاجة إلى استثمارات وبنى تحتية تبدأ من نقطة الصفر، هذا الواقع فتح شهية القوى الاقتصادية العالمية، وكان العامل الثاني الذي حوّل باب المندب والقرن الأفريقي من نقطة عبور بحري إلى مدخل رئيسي لعمق القارة الصاعدة، وباعتباره يربط قناة السويس بالمحيط الهندي، ويصل آسيا بأوروبا، بات هذا المضيق عصباً أساسياً للتجارة والاستقرار العالمي، ليصبح القرب منه أو التحكم به أداة قوة أو ضعف لا تقل تأثيراً عن الجيوش.
كل ذلك حوّل القرن الأفريقي ومضيق باب المندب إلى ساحة تجاذب دولي وإقليمي، تقاطعت فيه مصالح القوى الكبرى مع القوى الصاعدة والطامحة، وتحول القرن إلى نقطة مزدحمة بالمتنافسين، ويعكس ذلك عدد القواعد العسكرية في جيبوتي، كما تنطق به النيران المشتعلة على الضفة اليمنية والضفة الأفريقية للبحر الأحمر، فلا نرى اليوم سوى دول أنهكتها الحروب، كما في اليمن والسودان والصومال، إلى جانب أثيوبيا الباحثة عن منفذ بحري، وأريتريا ذات الموقع الحساس، ما يحوّل هذه الدول إلى ساحات صراع بالوكالة، هذا التداخل بين التنافس الدولي، والصراعات الإقليمية، وهشاشة الدولة الوطنية، يجعل القرن الأفريقي وباب المندب والبحر الأحمر نقطة اختناق جيوسياسية شديدة الخطورة، حيث يمكن لأي اضطراب محدود أن يتحول إلى أزمة كبرى.
في هذا السياق، يبرز التواجد الإسرائيلي في القرن الأفريقي، ويُفهم الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بوصفه خطوة تتجاوز الرمزية السياسية إلى إعادة تموضع جيوسياسي مدروس، فإسرائيل تسعى إلى كسب موطئ قدم في القرن الأفريقي وباب المندب وخليج عدن، بما يمنحها عمقاً أمنياً وبحرياً إضافياً، ويعزز قدرتها على التأثير في واحد من أخطر ممرات التجارة العالمية، غير أن هذا التواجد يحمل مخاطر جسيمة، في مقدمتها تكريس منطق الاعترافات الانتقائية بالكيانات، دون احترام القانون الدولي أو سيادة الدول، بما يسهم في تدويل النزاعات وفتح الباب أمام سباق نفوذ إقليمي ودولي، ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة ذات انعكاسات خطيرة على ضفتيه العربيتين.
وبالتالي، فإن تداعيات التموضع الإسرائيلي في القرن الأفريقي والاعتراف بـ«صوماليلاند» لم تعد محصورة في المصالح الإسرائيلية المباشرة، بل باتت تمسّ أمن ومشاريع دول عربية محورية هي مصر والسعودية والأردن، ففي مصر، ينعكس أي اضطراب في البحر الأحمر مباشرة على قناة السويس، بما يعنيه ذلك من تهديد لأحد أهم مصادر الدخل القومي والاستقرار الاقتصادي، وفي السعودية، يشكّل هذا التموضع تهديداً لضفتها الغربية المشاطئة للبحر الأحمر، ويضيف عامل عدم يقين إلى مشاريعها الإستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع ربط مياه الخليج العربي بالبحر الأحمر، فضلًا عن تعريض منطقة نيوم لمخاطر أمنية متزايدة، تتضاعف مع التطورات في اليمن وسيطرة قوات المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة وما تحمله من ارتدادات على الأمن السعودي، أما الأردن، فإن إطلالته البحرية الوحيدة عبر العقبة تصبح عرضة للاختناق، ما يرفع كلفة الشحن وأسعار السلع، ويغذّي الضغوط التضخمية، بما قد ينعكس تراجعاً اقتصادياً وارتفاعاً في معدلات البطالة، وهكذا، تتحول اضطرابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى عامل ضغط مباشر يضع مستقبل هذه الدول رهينة لمسار الصراع في هذا الحوض الحيوي.
في الختام، لم يعد ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب اضطراباً عابراً، بل خطراً إستراتيجياً يهدد أمن واستقرار الإقليم بأكمله، وقد تصاعد هذا الخطر مع التواجد الإسرائيلي المتنامي، وتفاقم بفعل تفكك الدول الأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، إضافة إلى اليمن، من هنا، تبرز ضرورة تحرك جماعي عاجل عبر إنشاء منتدى إقليمي خاص بالبحر الأحمر، يتضمن قوات مشتركة ذات طابع أممي، تشارك فيها جميع الدول المشاطئة دون هيمنة أي طرف، لضمان أمن الملاحة والاستقرار، فبدون ذلك، قد يغدو البحر الأحمر بؤرة صراع جديدة تُفتّت دول المنطقة وتدفعها نحو مستقبل سياسي واقتصادي بالغ الخطورة.

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام القرن الأفریقی البحر الأحمر باب المندب

إقرأ أيضاً:

أوكرانيا تضع الملاحة البحرية الدولية في البحر الأسود تحت التهديد

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال مصدر في شركة الأمن البحري البريطانية "أمبري"، لوكالة "تاس"، إن تجدد الهجمات الأوكرانية المتكررة على السفن المدنية في البحر الأسود يهدد الشحن التجاري الدولي في المنطقة.

وأشار المصدر إلى أنه في الفترة ما بين 28 و29 مايو، تعرضت ثلاث ناقلات تستخدم لنقل النفط الخام الروسي لهجوم من قبل مركبات سطحية أوكرانية غير مأهولة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا.

وأضاف: "استأنفت أوكرانيا ضرباتها في المياه الإقليمية التركية بعد توقف بفضل جهود دبلوماسية، مما يشير إلى نيتها المستمرة في العمل خارج منطقة النزاع المعترف بها".

ووصف المصدر مستوى التهديد الذي يواجه الملاحة في البحر الأسود بأنه مرتفع على خلفية الهجمات الأوكرانية.

وأكد ممثل الشركة: "يُقيّم مستوى التهديد الذي يواجه الملاحة التجارية في مياه البحر الأسود خارج منطقة النزاع المباشر - في المناطق الاقتصادية الخالصة لرومانيا وبلغاريا وتركيا وجورجيا - بأنه مرتفع. ومن المرجح أن يستمر هذا التهديد طوال موسم التشغيل الصيفي".

وتابع المصدر القول: "من المرجح جدا أن تستمر الهجمات على السفن التجارية في مياه البحر الأسود، حيث أصبحت الهجمات المستهدفة سمة من سمات الصراع. ويشير تحسن الأحوال الجوية وهدوء البحر (وهما عاملان يؤديان تاريخيا إلى زيادة نشاط الأنظمة غير المأهولة) إلى أن وتيرة العمليات ستظل مرتفعة طوال فصل الصيف".

 

مقالات مشابهة

  • كيف بدأ الاحتلال سياسة التهجير والتطهير العرقي قبل قرن من الزمان؟
  • نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
  •   من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
  • الإسكندرية تستضيف بطولة البحر المتوسط في الـ17 من الشهر الجاري
  • «الشارقة للفنون» تُطلق السلسلة الصوتية القصيرة «تواريخ ممتدة»
  • متحف الغردقة يعرض قطعاً أثرية تُبرز تقديس الفراعنة لنهر النيل
  • القاهرة تستضيف الاجتماع الأفريقي التحضيري لمؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة التصحر
  • أوكرانيا تضع الملاحة البحرية الدولية في البحر الأسود تحت التهديد
  • التشديد على الالتزام بتطبيق ضوابط تشغيل ساحة الكوبري الحضاري بدمياط
  • وزير الخارجية يلتقي نظيره الجزائري على هامش الاجتماع الوزاري الكوري الأفريقي لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي