«إخوان السودان».. محاولات ممنهجة للعودة إلى السلطة بالسلاح
تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT
أحمد شعبان (القاهرة)
أخبار ذات صلةأدان محللون وخبراء ممارسات جماعة الإخوان الرامية لإفشال جهود التسوية السلمية في السودان، مؤكدين أن الجماعة باتت أحد أبرز العوامل المغذية لاستمرار الحرب الأهلية، عبر توظيفها سياسياً وأيديولوجياً، بما يخدم مصالحها ويؤمّن لها فرصة العودة إلى المشهد السياسي من بوابة السلاح.
وأكد المحلل السياسي، صهيب المزريقي، أن جماعة الإخوان بالسودان لا تنظر إلى السلام باعتباره خياراً وطنياً ينقذ البلاد من الانهيار، بل تتعامل معه بوصفه تهديداً مباشراً لنفوذها ومصالحها، التي راكمتها على مدى عقود داخل مؤسسات الدولة.
وأوضح المزريقي، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن أي عملية سلام جادة تعني بالضرورة تفكيك شبكات الدولة العميقة، وإعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس مهنية غير مؤدلجة، إلى جانب فتح ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية، وهي خطوات تتعارض جذرياً مع مصالح الجماعة، وتكشف حجم تورطها التاريخي في إضعاف السودان.
وأشار إلى أن إقرار بعض قيادات الحركة بوجود نسبة كبيرة من المقاتلين المنتمين للجماعة داخل صفوف الجيش السوداني، لا يمكن فصله عن المحاولات الواضحة لتحويل الحرب إلى رصيد سياسي وأيديولوجي، واستخدامها ورقة ضغط لإجهاض أي مسار تفاوضي أو تسوية سياسية.
وقال المزريقي: إن استمرار القتال يخدم مشروع الجماعة، لأنه يُضعف القوى المدنية، ويُبقي المشهد مفتوحاً أمام منطق القوة والسلاح، بدلاً من السياسة والتوافق الوطني، وهو ما يمنح الإخوان هامشاً أوسع للمناورة والعودة التدريجية إلى مراكز النفوذ.
وأضاف أن دور الجماعة في الحرب الحالية لا يقتصر على التأثير غير المباشر، بل يتمثل أساساً في تغذية الصراع واستدامته، عبر أدوات متعددة، من بينها التعبئة الدينية، وشيطنة دعوات السلام، وتصوير أي حلّ سياسي على أنه خيانة أو استسلام.
وأفاد المزريقي بأن هذا النهج يسعى إلى تحويل الصراع من أزمة سياسية قابلة للحل إلى صراع معقّد، تُستخدم فيه الشعارات الدينية لإطالة أمد الحرب، وخلق حالة استقطاب حاد داخل المجتمع السوداني، مشدداً على أن مواجهة هذا الخطر تتطلب توحيد الصف المدني، وبناء مؤسسة عسكرية وطنية غير مؤدلجة، إلى جانب دعم خطاب ديني معتدل غير مسيّس، والسير في مسار عدالة انتقالية متوازن، مؤكداً أن السلام الحقيقي يبدأ بكشف من يستفيد من الحرب، ومن يعمل على إطالتها.
من جانبه، قال منير أديب، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب الدولي، إن انتهاء الحرب في السودان يمثل تهديداً وجودياً لجماعة الإخوان، لأن السلام يعني بالضرورة إعادة فتح ملفات القضاء والمحاكمات التي طالت قادتها عقب الثورة السودانية، التي توقفت قسراً مع اندلاع الصراع العسكري.
وأضاف أديب، في تصريح لـ«الاتحاد»، أن الجماعة كانت المستفيد الأكبر من اندلاع الحرب، حيث عملت على إعادة ترتيب أوراقها داخل المشهد السياسي والأمني، مشيراً إلى أن استراتيجية الإخوان الحالية تقوم على تقديم أنفسهم باعتبارهم ركيزة أساسية وميدانية للقوات المسلحة السودانية، وهو تحالف يمنحهم أملاً في العودة إلى صدارة المشهد السياسي، في حال حقق الجيش انتصاراً حاسماً.
وأشار إلى أن الجماعة تراهن على أن يتم مكافأتها سياسياً مقابل دورها في دعم العمليات العسكرية، وهو ما يفسر تمسكها بخيار الحرب ورفضها لأي مسار تهدئة أو تسوية، مؤكداً أن هذا الدور التكتيكي يفسر إصرار الإخوان على رفض جميع مقترحات الهدنة، بما فيها المبادرات التي طرحتها الرباعية الدولية، موضحاً أن كل دعوة لوقف إطلاق النار تُقابل بمقاومة من داخل الدوائر الداعمة للجيش السوداني والمتأثرة بقرار الجماعة.
وذكر الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن قناعة الإخوان تقوم على أن وقف الحرب يعني نهاية مشروعها السياسي إلى الأبد، في ظل غياب أي حاضنة شعبية حقيقية لها خارج منطق القوة والسلاح، موضحاً أنه رغم المطالبات الشعبية والدولية بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية، فإن الواقع الميداني وتحالفها الحالي مع القوات المسلحة السودانية يعقّدان هذا المسار، إذ تعتمد المؤسسة العسكرية في المرحلة الراهنة على الإخوان كوقود بشري في المعارك، مما يجعل التخلي عنهم أمراً بالغ الصعوبة.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: جماعة الإخوان الإخوان السودان الإخوان المسلمين جماعة الإخوان الإرهابية جماعة الإخوان المسلمين الإخوان المسلمون الحرب في السودان الصراع في السودان السلام في السودان أزمة السودان الأزمة السودانية الجيش السوداني القوات المسلحة السودانية فی السودان لـ الاتحاد على أن
إقرأ أيضاً:
مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
يعود الخلاف بين المؤسسة الدينية ونظام السيسي مع مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يود السيسي إقراره، ورَبْطُ السيسي بالمشروع ليس من قبيل الإقحام، فهو الذي قال خلال فترة ترشحه للرئاسة عام 2014: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والأخلاق والدين"، وهو الذي يريد فرض مسألة الطلاق الشفهي منذ عقد تقريبا، وهي مسألة دينية بحتة وشديدة الدقة يترتب عليها هدم منزل أو وضع شخصين في علاقة محرَّمة. ومعلوم أن السيسي لا يملك شيئا من المعرفة الدينية التي تؤهله للخوض في مسائل دينية بسيطة، فضلا عن مسألة بهذه الدقة وهذه الخطورة.
لكن الأهم من هذا الخلاف -الذي لن ينتهي ما بقي السيسي في الحكم- هو طريقة التعامل مع الأزهر من أركان النظام السياسي من جانب، والمعارضين للنظام من جانب آخر، إذ الأهم دائما وضع القواعد التي تنبني عليها المواقف الآنِيَّة واللاحقة، لا مجرد التفوق أو التراجع في المواقف الآنية، وللأسف يسعى نظام السيسي إلى تدمير أحد أهم مصادر القوة في مصر بالإصرار على بسط السيطرة على الأزهر، حتى في الجوانب التعبدية لا الإطار السياسي العام، وكذلك تسعى المعارضة إلى تحقيق مكسب بإظهار أن هناك معارضة داخلية للنظام السياسي، الأمر الذي يُضعف من موقف الشيخ الطيب، والمؤسسة في دولة قمعية ستستغل هذه الدعاية قطعا للضغط وتصوير الشيخ والمؤسسة في وضع يُحرج النظام السياسي.
دخل شيخ الأزهر في عدة معارك بعضها معلن والآخر في الأروقة المغلقة، لكن ضجيج الخلاف نَفَذَ إلى الجوار.
من الخلافات العلنية، رفْض شيخ الأزهر عمليات القمع والقتل منذ مذبحة الحرس الجمهوري في تموز/يوليو 2013، وما تبع ذلك من عمليات دموية وإجرامية، وفي الأروقة المغلقة طُولِب شيخ الأزهر بإخراج الراحل الشيخ يوسف القرضاوي من هيئة كبار العلماء، ومن جملة الذرائع المساقَة لتبرير الموقف، انتقاصه من شيخ الأزهر، لكن الشيخ "الطَّيِّب" رفض ذلك إلى أن استقال الشيخ القرضاوي بنفسه.
ثم وقف شيخ الأزهر موقفا صلبا في عدم وضع اسم جماعة الإخوان المسلمين في بيانات الأزهر الرسمية، كما رفض إصدار فتوى بتكفير المنتسبين إلى تنظيم داعش، وكان الشيخ عباس شومان -وكيل المشيخة حينها- يقول: "إنهم مجرمون ويجب قتالهم"، وهو موقف يفرِّق فيه الأزهر بين الجريمة والمعتَقَد، وأن باب التكفير يجب إغلاقه على الجميع، لا فتْحه للسلطة وإغلاقه أمام غيرها.
كذلك، طولِب الشيخ باستبعاد الراحل د. محمد عمارة من رئاسة تحرير مجلة الأزهر، ورفَضَ ذلك، إلى أن استقال د. عمارة لرفع الحرج عن الشيخ، وكذلك طولِب الشيخ باستبعاد الشيخ عباس شومان من منصبه، والشيخ حسن الشافعي من منصب كبير مستشاري شيخ الأزهر، والقاضي المستشار محمد عبد السلام الذي كان مستشارا للشيخ، وشارك في كتابة الدستور المصري في اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور المصري وتعديله عاميْ 2012 و2013 وشارك في صياغة عدد من وثائق الأزهر الشريف في الفترة ما بين 2011 و2018، وهي الوثائق التي أَعْلَتْ من شأن الحريات وتطلعات الشعوب نحو الحرية، ورغم الضغوط المتوالية رفض الشيخ الطيب هذه الطلبات كلها. ثم جاء الصدام العلني الأقوى والأبرز في مسألتيْ: الطلاق الشفهي، وتعديل مشروع قانون الأوقاف.
في مسألة الطلاق الشفهي، تحدث السيسي، في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة في 24 كانون الثاني/ يناير 2016، عن تزايد حالات الطلاق، فاقترح منع الطلاق الشفهي وحصْر الطلاق في الحالات الموثقة فقط، ثم توجَّه، باقتراحه ذلك إلى شيخ الأزهر على الهواء، ثم قال له: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وبعد أكثر من عام من صمت الأزهر العلني عن المسألة، ورَفْضِه لها في الغرف المغلقة، اضطُر الأزهر لإصدار بيان بعنوان "بيان للناس"، وهذا العنوان نادر الصدور عن المشيخة، ولا يصدر إلا في الأمور الكبرى، فـ"هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف هي المرجعية العلمية العليا المسؤولة عن البت في المسائل الدينية، والقضايا الاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي التي تواجه العالم والمجتمع المصري، وكذا البت في المسائل المستجدة في حياة الناس على أساس شرعي"، كما يقول أمينها العام الحالي الشيخ عباس شومان.
أصدر الأزهر بيانه القاسي يوم 8 من جمادى الأولى 1438هـ الموافق 5 من شباط/ فبراير 2017م، وجاء فيه: "وترى هيئة كبار العلماء أنَّ ظاهرةَ شيوع الطلاق لا يقضي عليها اشتراط الإشهاد أو التوثيق، لأن الزوجَ المستخفَّ بأمر الطلاق لا يُعيِيه أن يذهب للمأذون أو القاضي لتوثيق طلاقه (..) وأنَّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون في رعاية الشباب وحمايتهم من المخدرات بكلِّ أنواعها، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف".
وفي إشارة نبيهة، اختتُم البيان بقولهم: "وتتمنَّى هيئةُ كبار العلماء على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقرَّ عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكامِ الشريعةِ على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم". والجملة الأخيرة في غاية الأهمية.
انتهت هذه المرحلة بتربّص نظام السيسي بالمشيخة، فخرجت تسريبات تؤكد تغيير المواد المتعلقة بالأزهر في الدستور، قبيل التعديلات الدستورية عام 2019، وطُرحت المواد المقتَرَح تعديلها في الإعلام المصري، دون إعلان رسمي، لكن معلوم أن الإعلام المصري لا يتحرك إلا وفق تعليمات، وبانضباط شديد لا يتجاوز النصوص المرسَلَة من الجهات الأمنية. وفي النهاية لم تُدرَج مواد الأزهر في مشروع الدستور، ولم تكن هناك معلومة واضحة عن سبب سحب المواد من مشروع التعديل.
لم تتوقف محاولات تقييد الأزهر، فاقترح مجلس النواب عام 2020 تشريعا تصبح وفْقَهُ تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل المصرية لا الأزهر الشريف، ورغم رفض الأزهر للمشروع، قرر المجلس مناقشة التشريع، فأرسل الشيخ الطيب ليلة المناقشة خطابا إلى المجلس يطلب فيه حضور المناقشة، ليضطر المجلس إلى سحب المشروع.
ثم أعاد السيسي قضية الطلاق الشفهي إلى الواجهة في احتفالية الأسرة المصرية آذار/ مارس 2023، فأعلن بنفسه عن إفتاء ديني، ولم يُرضِه قول "هيئة كبار العلماء"، أي أكبر وأنبه علماء الديار المصرية من مختلف المذاهب الفقهية، ثم انبرى في جرأة فاجعة بقوله: "إن كان في المسألة [عدم الاعتداد إلَّا بالطلاق الموثَّق] إثم فأنا من يتحمله". وكتب صاحب هذه السطور -وقتها- أن كلامه "يُشبه في حُمقه قول المشركين للنبي "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". والتشبيه هنا في الحماقة فقط لا في الإيمان والكفر؛ فهم إن كانوا ذوي عقل لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك "فاهدنا"، لكنهم طلبوا العذاب فنالوه، ومثلهم هذا الذي يُعارض قول كبار العلماء ثم يقول بجرأة: "أنا أحمل الإثم"، فلْيَنَلْه بجرأته وذهاب عقله".
الآن تتجدد محاولات النظام السياسي تجاهل الأزهر، أو تحجيم دوره القانوني والدستوري والديني أيضا، على خلفية مقترح مشروع الأحوال الشخصية. ومعلوم أن مسألة الأحوال الشخصية تخضع للتشريعات الدينية، وهو ما فعله النظام المصري في مسألة الأحوال الشخصية للمسيحيين، فعَرَضَ المشروع على الكنائس، وهذا حق طبيعي وليس منَّة من أي طرف، أما أحوال المسلمين الشخصية، فلم يعرض النظام على الأزهر مشروع القانون، وفق بيان الأزهر الرسمي 18 أيار/ مايو الجاري!
في مقابل هذا السلوك، نجد المعارضة المصرية منشغلة بنفخ النيران الإعلامية، ووضْعِ الأزهر في موقع المعادي للنظام السياسي، والحقيقة أن الأزهر لا يريد أن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي ولا المؤيِّد له، بل كل ما يريده ويتغيَّاه أن يحفظ على المسلمين دينهم وعبادتهم، لكن للأسف تنشغل المعارضة بتحقيق مكسب "إعلامي" على حساب المكسب الحقيقي المتعلق بمصلحة المجتمع في أن تحفظ المؤسسة عليه دينه. ويجدر التأكيد بأنه مكسب إعلامي، إذ إن تبعات الخلاف لن تُسقط النظام السياسي، بل ربما تُسقط المؤسسة وشيخها أمام ضربات النظام القمعية، وآنَ للمعارضة أن تتوقف عن دور لا يُستبعَد وصفُه بالمشبوه، والرغبةِ في تصفية الحسابات نتيجة حضور الشيخ الطيب بيان الانقلاب في تموز/ يوليو 2013، ورغم ما يمكن قوله في الواقعة وما ارتبط بها وما لحقها من مواقف أخرى، فإن المحصِّلة أن الشيخ جانبَه الصواب في هذا الموقف، لكن ما يعني المهتمِّين بالمسألة الدينية ألا ينهدم دور الأزهر نتيجة الرغبة في تصفية الحسابات، أو تحقيق مكسب لن يكون له أثر في الواقع المصري إلا بالسَّلْب فقط.
من هنا يتجدد النداء لجميع الأطراف بأن ترفع أيديها عن الأزهر، وتتركه مؤسسة جامعة للأمة كلها، لا للمصريين فقط، بل للأمة كلها بجميع طوائفها المذهبية والدينية أيضا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.