صحيفة التغيير السودانية:
2026-06-02@22:05:09 GMT

هذا بلاغٌ للبرهان

تاريخ النشر: 6th, January 2026 GMT

هذا بلاغٌ للبرهان

 

هذا بلاغٌ للبرهان

أحمد عثمان جبريل

في السياسة الدولية، لا تُقاس الأخطار بما يُقال، بل بما ثبت أنه ممكن.. وحين تُمارس القوة بلا مقدمات، ثم تُشرح لاحقًا بتغريدة من موقع قرار، فذلك يعني أن العالم دخل طورًا جديدًا لا تُجدي فيه البلاغة ولا تنفع فيه المناورات القديمة.. من هنا، لا يُقرأ تصريح مسعد بولس في (منصة إكس) امس بوصفه موقفًا، بل بوصفه “إعلان قواعد مرحلة” وعلى من يعنيهم الأمر أن يستعدوا لنتائجها لا لتفسيرها.

يقول عبد الرحمن بن خلدون:
❝ من عجز عن قراءة التحوّل، ظنّ الثبات أمانًا، فإذا به أول الهالكين. ❞

(1)
التغريدة التي كتبها مسعد بولس جاءت بعد واقعة لا تحتمل الجدل: “رئيس دولة يُؤخذ من غرفة نومه، دون حصار لغوي أو تفاوض دبلوماسي.. من هذه الزاوية، لا تكون كلمات بولس تهديدًا، بل (تعليقًا توضيحيًا على ما بات مقبولًا في سلوك القوة العظمى). الفعل أولًا، ثم الشرح لمن لم يفهم.

(2)
الخطأ القاتل الذي يرتكبه بعض القادة هو الاعتقاد بأن رفضهم لهذا النمط من السياسة يعفيهم من آثاره.. وأنا هنا من الإنصاف أن أؤكد بأنني لا أتفق لا أخلاقيًا ولا سياسيًا مع ( البلطجة الترامبية) ولا أرى فيها نموذجًا عادلًا أو مشروعًا، لكن (المهنية تفرض الاعتراف بأنها واقعٌ فاعل، لا رأيًا قابلًا للتجاهل).

(3)
في هذا الواقع، يقف البرهان عند مفترق مصيري.. ليس لأنه مستهدف بذاته، بل لأنه اختار أن يبقى في محطة واحدة، يرفض مغادرتها، ويصرّ على إدارة الدولة بعقلية التحالف الموارب مع الإسلاميين، تحت وهم أن الواجهة العسكرية كافية لإعادة تدوير مشروع سقط شعبيًا و سياسيًا وأُدين دوليًا.

(4)
الإسلاميون، من جهتهم، يخطئون إن ظنّوا أن الاختباء خلف الجيش يمنحهم حصانة زمنية. فالتجربة الدولية تقول إن “من يُصنَّف خطرًا بنيويًا لا يُستهدف بشعاراته، بل بتفكيك مظلته”.. وحين تُرفع المظلة، لا ينجو من تحتها أحد، مهما اختلفت الأدوار.

(5)
التنبؤ هنا ليس قفزًا في الهواء، بل قراءة لمسار واضح: طالما أصرّ البرهان على البقاء في محطته، وطالما أصرّ الإسلاميون على استخدامه جسرًا للعودة، فإن المصير سيكون (مشتركًا لا منفصلًا).. لن تُفرّق القوة الخارجية بين واجهة ومن يقف خلفها، بل ستتعامل مع الكتلة بوصفها خطرًا واحدًا متعدد الوجوه.

(6)
قد يظن البرهان أن الوقت يعمل لصالحه، وأن تعقيد المشهد السوداني يردع التدخل الحاسم. لكن رسالة فنزويلا تقول العكس تماما :”التعقيد لم يعد عائقًا، بل مبررًا للتجاوز”.. وكلما طال التردد، ارتفع ثمن القرار حين يأتي من الخارج.

(7)
لذلك؛ النتيجة المتوقعة، إن استمر هذا المسار، ليست تسوية ولا شراكة، بل:( بل بس على الطريقة الترامبية – كسرًا سياسيًا حادًا: عزلة، ثم تضييق، ثم لحظة يُفرض فيها الحل من خارج الحسابات المحلية).. عندها، لن يكون السؤال من المخطئ، بل من الذي رفض النزول من القطار حين أُعطي الفرصة.

في خاتمة القول حري بنا أن نقول: هذا بلاغٌ للبرهان.. لا يصدر عن شماتة، ولا عن تماهٍ مع منطق القوة الغاشمة، بل عن قراءة متأنية لواقع قاسٍ.
من يرفض مغادرة محطته، سيصل إلى وجهته حتمًا..لكن ليس بالمسار الذي اختاره، ولا بالثمن الذي ظنّ أنه قادر على دفعه. إنا لله ياخ.. الله غالب.

الوسومأحمد عثمان جبريل السياسة الدولية رئيس دولة يُؤخذ من غرفة نومه سلوك القوة العظمى مسعد بولس هذا بلاغٌ للبرهان

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: السياسة الدولية مسعد بولس

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • حرضت على البلطجة.. بلاغ للنائب العام يتهم محامية مشهورة بإهانة القضاء
  • رئيس الجمهورية نزار أميدي يزور البطريرك مار بولس الثالث نونا في البطريركية الكلدانية
  • بلاغ حول اللحوم المستوردة والمذبوحة محلياً
  • الرئيس أردوغان يستقبل البرهان في أنقرة
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • حوار الوجعة: البرهان يرفض مشاركة البرهان..!
  • إنفوجرافيك | لماذا الغدير؟  قراءة في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • من النول إلى الخشبة: قراءة في العرض الهندي رقصة النسيج
  • لماذا الغدير؟  قراءة تحليلية في أبعاد الاحتفاء بيوم الولاية ودلالاته في الوعي الإيماني اليمني
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟