تشهد الساحة الدولية حالة من الجدل الواسع بعد التطورات الأخيرة في فنزويلا، حيث يرى عدد من المراقبين أن ما جرى قد يعكس تغييرًا في أسلوب وطبيعة التدخل الأمريكي داخل المنطقة. 

وجاءت هذه التطورات في وقت حساس تشهد فيه فنزويلا أزمات سياسية واقتصادية ممتدة، ما جعل تأثيرها لا يقتصر على الداخل فقط، بل يمتد إلى محيطها الإقليمي وعلاقاتها مع القوى الدولية.

وتطرح هذه المستجدات أسئلة عديدة حول أبعاد الدور الأمريكي في المشهد الحالي، ومدى ارتباطه بصراع النفوذ داخل أمريكا اللاتينية، فضلًا عن انعكاسات ما يحدث على توازنات القوة والعلاقات بين الدول.

سعيد الزغبي: واشنطن ربطت العملية بالمخدرات والإرهاب… لكن الخلفية الحقيقية سياسية وجيو-اقتصادية

قال الخبير السياسي سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن ما حدث في فنزويلا يمثل تصعيدًا غير مسبوق في طبيعة التدخل الأمريكي، موضحًا أن الخطوة الحالية تقفز فوق أدوات الضغط التقليدية مثل العقوبات الاقتصادية والتدخلات غير المباشرة، لتتحول إلى عمل عسكري علني يحمل رسالة قوة بأن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على فرض إرادتها داخل نصف الكرة الغربي. 

سعيد الزغبي: ربط العملية بالمخدرات والإرهاب “ذريعة سياسية”… والخلفية الحقيقية جيوسياسية واقتصادية

وأضاف أن إدارة ترامب تربط اعتقال مادورو بملفات تتعلق بالمخدرات والإرهاب، وهي رؤية يعتبرها الزغبي مجرد ذريعة سياسية لتبرير التدخل العسكري، بينما تكمن الخلفية الحقيقية حسب تقديره في اعتبارات سياسية وجيو اقتصادية أوسع، تشبه إلى حد كبير ما حدث في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي.

وأشار الزغبي إلى أن فنزويلا كانت تمثل حليفًا استراتيجيًا مهمًا لكل من روسيا والصين، وأن التدخل الأمريكي الحالي يقتطع جزءًا من نفوذ هذين القطبين داخل المنطقة، لا سيما في ظل سياق تنافسي متصاعد على المستوى الجيوسياسي العالمي. 

ويرى أن التصريحات الصادرة عن واشنطن تعكس احتمال إدارة أمريكية مؤقتة لبعض شؤون الدولة خلال مرحلة انتقالية، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية بين القوى السياسية، ومقاومة شعبية وعسكرية من أنصار مادورو، إلى جانب تراجع فرص إجراء انتخابات حقيقية تمتلك شرعية داخلية.

كما لفت الزغبي إلى احتمال الدفع بنظام بديل من داخل البنية الحالية للسلطة مقابل تقديم تنازلات سياسية للولايات المتحدة، وهو سيناريو قد ينتج عنه استقرار نسبي لكنه يظل ضعيف الشرعية، مع بقاء شبكات المقاومة والفوضى السياسية قائمة. 

الزغبي: مخاوف من فوضى أوسع حال تصاعد المقاومة المسلحة داخل فنزويلا

وفي مقابل ذلك، لا يستبعد الزغبي تطور الأوضاع نحو حالة من الاضطراب الأوسع، في حال اتسعت المقاومة المسلحة للوجود الأمريكي أو تفجرت صراعات داخلية بين تكتلات النفوذ السياسي داخل فنزويلا، وهي تطورات قد تمتد آثارها إلى دول مجاورة في الإقليم.

وأوضح الزغبي أن روسيا والصين أعلنتا موقفًا رافضًا للتدخل العسكري دفاعًا عن سيادة فنزويلا، إلا أن احتمالات التدخل العسكري المباشر تظل محدودة لتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. 

كما أشار إلى أن كوبا اتخذت موقفًا حادًا ووصفت العملية بأنها شكل من أشكال “إرهاب الدولة”، غير أن أدوات تأثيرها تبقى أقرب إلى الحضور السياسي والدبلوماسي منها إلى التدخل العسكري.

 أما دول أمريكا اللاتينية، فقد اتجه بعضها إلى إدانة العملية بوصفها انتهاكًا للسيادة، فيما فضلت دول أخرى الدعوة إلى ضبط النفس دون مواجهة مباشرة، بما يعكس حالة من الاستياء الدبلوماسي الواسع دون تشكيل جبهة عسكرية مضادة.

ويرى الزغبي أن ما حدث يفتح الباب أمام مخاطر جيوسياسية كبرى، أبرزها خلق سابقة في النظام الدولي قد تدفع قوى أخرى إلى تبني نماذج تدخل مشابهة داخل أقاليمها، إلى جانب احتمالات تصعيد دبلوماسي واقتصادي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فضلًا عن تأثيرات محتملة على أسواق الطاقة وأسعار النفط في ظل إعادة توزيع السيطرة على موارد فنزويلا النفطية.

 وختم الزغبي تحليله مؤكداً أن الهدف الأمريكي لا يقتصر على إزاحة مادورو، بل يتجاوز ذلك إلى فرض نفوذ استراتيجي واقتصادي جديد داخل المنطقة، وإعادة تثبيت الهيمنة على موارد حيوية، مشيرًا إلى أن المشهد ما يزال مفتوحًا على تطورات غير متوقعة خلال الفترة المقبلة.

طباعة شارك فنزويلا اعتقال رئيس فانزويلا اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو الولايات المتحدة ترامب

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: فنزويلا اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو الولايات المتحدة ترامب الولایات المتحدة

إقرأ أيضاً:

عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية

تناولت الصحف الروسية في قراءتين مختلفتين، مجريات التصعيد في الشرق الأوسط تداعياته على الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويرى كاتبا القراءتين أن استمرار المواجهة مع إيران يضع واشنطن أمام تحديات إستراتيجية متزايدة، في وقت تواجه فيه إسرائيل أزمة متنامية في شرعيتها الدولية، رغم استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟list 2 of 2بعد 5 أشهر من القصف.. لماذا لا تزال صواريخ إيران تشكل تهديدا؟end of listالمأزق الأمريكي في مواجهة إيران

يرى الكاتب ديميتري سيدوف أن إسرائيل تنظر إلى الضربات الأمريكية ضد إيران باعتبارها وسيلة لإضعاف القيادة الإيرانية واستهداف قيادات الحرس بهدف تقليص قدرة طهران على إدارة الصراع، إلا أن هذا النهج -حسب رأيه- قد يدفع إيران إلى مزيد من التصعيد بدلا من إضعافها، عبر توسيع دائرة الرد واستهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

ويشير سيدوف -في مقال على موقع "فوينويه أبوزرينيه"- إلى أن أي تصعيد جديد قد يمنح إيران مبررا لتفعيل أدوات الضغط الإقليمية، بما في ذلك تهديد الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مستفيدة من حلفائها الإقليميين، مما قد ينعكس سلبا على حركة التجارة العالمية.

وحسب الكاتب، فإن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية يكشف عن غياب خطة متماسكة لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الأزمة.

ويرى أن واشنطن تواجه ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية، وتفاقم تداعيات اضطراب أسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج.

كما يعتقد أن فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية تبدو محدودة في ظل استمرار التصعيد العسكري، مما ينعكس على مكانة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط.

إيران واستراتيجية استنزاف الخصوم

ويرى سيدوف أن إيران استطاعت تحويل موقعها من طرف يتعرض للهجوم إلى طرف يمتلك زمام المبادرة في بعض جوانب الصراع، مستفيدة من اتساع أراضيها، وقدراتها الصاروخية، وشبكة حلفائها الإقليميين، وهو ما يجعل أي تدخل بري أمريكي خيارا شديد الكلفة من الناحية العسكرية والسياسية.

إعلان

كما يعتبر أن الضربات الجوية، رغم تأثيرها، لم تنجح في إضعاف البنية العسكرية الإيرانية أو الحد من قدرة طهران على مواصلة المواجهة، مشيرا إلى أن الهدف الإيراني المعلن يتمثل في تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

إيران تستهدف مواقع مدنية بالكويت (الفرنسية)

يرى الكاتب أن عامل الزمن بات يعمل لمصلحة إيران، بينما تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا متزايدة لإظهار نتائج ملموسة، مشيرا إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب تعقيد الملف النووي الإيراني، قد يضع واشنطن أمام أزمة إستراتيجية يصعب احتواؤها.

ويخلص سيدوف إلى أن الحل العسكري وحده لن يكون كافيا لإنهاء الأزمة، وأن أي مخرج مستدام يتطلب العودة إلى مسار التفاوض، رغم إدراكه لصعوبة التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين في ظل تباعد مواقفهما.

ويختم بأن إيران لا تملك أوراقا رابحة كبيرة في اللعبة، لكنها تستخدمها بمهارة فائقة، فيما يذكرنا بحرب فيتنام وحرب أفغانستان، حيث بذل الأمريكيون جهودا مضنية لإقناع العالم بأن اللعبة لا تستحق العناء، وفي النهاية انسحبوا.

إسرائيل.. التفوق العسكري وأزمة الشرعية

وفي قراءة أخرى نشرها موقع "موسكوفسكايا غازيتا"، يرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط ديميتري بريدزه أن إسرائيل تدخل مرحلة دقيقة من تاريخها، تجمع بين استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي، وبين تصاعد أزمة شرعيتها على المستوى الدولي.

التحول في الرأي العام العالمي بعد حرب غزة انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة

ويؤكد أن إسرائيل ما زالت تستند إلى عناصر قوة رئيسية، تشمل الاقتصاد المتقدم، والصناعة الدفاعية، والقدرات العسكرية والاستخباراتية، والدعم الأمريكي، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع التحديات الأمنية.

غير أن الخطاب الدولي -حسب بريدزه- شهد تحولا ملحوظا منذ اندلاع الحرب في غزة، إذ بات يركز بصورة أكبر على الأوضاع الإنسانية، وحقوق الفلسطينيين، واحترام القانون الدولي، بدلا من التركيز التقليدي على الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.

ويرى الكاتب أن هذا التحول انعكس في ازدياد مظاهر العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية، من خلال تغير مواقف عدد من الدول داخل الأمم المتحدة، وتراجع مستوى الدعم الذي كانت تحظى به في بعض المحافل الدولية.

كما يشير إلى أن محدودية العمق الإستراتيجي لإسرائيل تجعلها أكثر تأثرا بأي تصعيد إقليمي، بحيث تتحول الأزمات المحيطة بها سريعا إلى تحديات داخلية مباشرة.

وجود تغيرات في اتجاهات الرأي العام الأمريكي تؤثر في دعم إسرائيل (رويترز)تحولات الرأي العام الدولي

ويعتبر الخبير أن إسرائيل قد تحقق مكاسب عسكرية، إلا أن استمرار غياب تسوية سياسية للقضية الفلسطينية يزيد من الضغوط الدولية عليها، ويؤثر في صورتها باعتبارها دولة ديمقراطية وفق المفهوم الغربي.

كما يشير إلى وجود تغيرات في اتجاهات الرأي العام الأمريكي، خاصة بين فئة الشباب، إلى جانب تنامي التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، وهو ما قد يؤثر مستقبلا في طبيعة الدعم السياسي الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة.

إعلان

ويرى الكاتب أيضا أن استمرار الخطابات الداعية إلى التوسع أو التمييز العنصري من قبل بعض التيارات داخل إسرائيل من شأنه أن يزيد من صعوبة تحسين صورتها على الساحة الدولية.

ويختم بأن الديمقراطيون إذا وصلوا إلى السلطة في الولايات المتحدة، فمن غير المرجح أن يدعموا إسرائيل دعما غير مشروط، كما أن نفوذ اللوبي الإسرائيلي قد يتقلص في الولايات المتحدة بشكل ملموس.

وتخلص القراءتان إلى أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في إدارة الصراع مع إيران، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة تجمع بين استمرار التفوق العسكري وتراجع رصيدها السياسي والدبلوماسي.

ويذهب الكاتبان إلى أن استمرار التصعيد العسكري، في غياب مسار سياسي فعال، قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق تداعياتها الإقليمية والدولية.

مقالات مشابهة

  • الجيش الأمريكي يعلن بدء موجة جديدة من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية
  • قوات الاحتلال تنفذ عملية تفجير في بلدة مركبا جنوب لبنان
  • بإيقاعات مرحة ولمسة مصرية.. نوال الزغبي تشعل صيف 2026 بأغنية كيوت
  • مترو الجزائر يعلن عن تمرين لتقييم جاهزية فرق التدخل بمحطة عيسات إدير
  • سمير فرج يكشف تطورات التصعيد الإيراني: ضربات دقيقة ورسائل عسكرية لواشنطن وحلفائها
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • في خطوة رمزية.. مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف حرب إيران
  • تحرك مفاجئ داخل الجيش الأمريكي يشعل التساؤلات حول دور فرقة النخبة في التصعيد مع إيران
  • "ترامب": أدرس شنّ أوسع هجوم ضد إيران وعواقب محتملة لانخراط "إسرائيل"
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل