غزة- يسابق جيش الاحتلال الزمن في عمليات نسف وتفجير المباني السكنية الواقعة داخل الخط الأصفر الذي يبتلع قرابة 60% من مساحة قطاع غزة، وذلك مع تزايد الحديث عن قرب الدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار التي تعرقلها إسرائيل منذ 3 أشهر.

وتذهب المؤشرات الميدانية إلى أن قوات الاحتلال تعمل على فرض واقع جغرافي جديد في الأراضي التي تسيطر عليها داخل القطاع، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية ترضي مطامع اليمين المتطرف بأنه صاحب اليد الطولى في غزة، وتسوية الأرض أمام الاحتلال لتوسيع المنطقة العازلة بزعم تحييد أي تهديد يشكل خطرا عليه.

ويركز جيش الاحتلال أعمال النسف في المناطق الغربية لمدينة رفح، والبلدات الشرقية من محافظة خان يونس، وحيي التفاح والشجاعية شرقي مدينة غزة، وشرق بلدة ومخيم جباليا شمالي القطاع.

 مواصلة العدوان

وتشهد هذه المناطق قصفا مدفعيا مكثفا مع عمليات تجريف واسعة، بعدما شهدت بعض المناطق إزاحة للخط الأصفر إلى داخل القطاع لا سيما في حي التفاح ومخيم جباليا، وذلك على خلاف الخرائط المرتبطة بالمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

وتكشف المعلومات الخاصة التي حصلت عليها الجزيرة نت من الجهات الحكومية في غزة، أن الاحتلال ارتكب خلال 85 يوما فقط منذ بدء التهدئة 1116 خرقا للاتفاق، توزعت على النحو التالي:

366 جريمة إطلاق نار مباشر على المواطنين والأحياء السكنية. 61 جريمة توغل لآليات الاحتلال داخل المناطق السكنية. 507 جرائم قصف واستهداف لمنازل المواطنين ومركباتهم وتجمعاتهم. 182 جريمة نسف منازل، نُفذت بوتيرة شبه يومية.

وقد أسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد 430 فلسطينيا، وإصابة 1184 آخرين، وتسجيل 45 حالة اعتقال، وهو ما يؤكد أن "إسرائيل تتعامل مع وقف إطلاق النار كغطاء سياسي لمواصلة العدوان، وليس كالتزام قانوني أو أخلاقي" كما يقول المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

إعلان

ولم تلتزم حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، بتنفيذ البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار والخاص بتسهيل مرور المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع، حيث تواصل سياسة التعطيل والتقييد وهندسة الحصار والتجويع.

وبحسب الإحصاءات الخاصة التي حصلت عليها الجزيرة نت، لم يسمح الاحتلال بسوى دخول 21 ألفا و668 شاحنة مساعدات من أصل 51 ألفا متفق عليها، أي ما يساوي 42% فقط، "ما يعكس تعمّد استخدام المساعدات كورقة ضغط، وتعميق الأزمة الإنسانية في القطاع". كما سمح بإدخال 487 شاحنة وقود فقط من أصل 4250 شاحنة متفق عليها، بنسبة التزام 11.6%.

سياسة متعمدة

في هذا السياق، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن ما يجري في القطاع يشكل انتهاكا صارخا لاتفاق وقف إطلاق النار، وخرقا فاضحا للقانون الدولي الإنساني، ويؤكد أن الاحتلال ماضٍ في سياسة القتل والتدمير والحصار، وتقويض مقومات الحياة والصمود، وعرقلة الإغاثة الإنسانية بشكل متعمد.

وحمّل الثوابتة في حديث للجزيرة نت الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم وتداعياتها الكارثية، ودعا المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة والوسطاء إلى تحمّل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية، والضغط الفوري لوقف الخروقات، وضمان إدخال المساعدات دون قيود، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

من جانبه، يرى مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية رامي خريس، أن ما تشهده غزة من ضربات إسرائيلية متواصلة، ليس مجرد خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، بل يمثل سلوكا إسرائيليا ممنهجا يهدف إلى إعادة تشكيل قواعد التهدئة نفسها، وممارسة ضغط استباقي على مسار تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.

وأوضح للجزيرة نت أن الاحتلال يعتمد سياسة الضربات المحدودة والمتقطعة التي لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت ذاته يمنع الانتقال إلى مرحلة الاستقرار، من خلال تبني ما يمكن وصفه بإستراتيجية "حافة الهاوية"، حيث يتم استخدام القوة العسكرية دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، بالتوازي مع تجفيف الأدوات الإنسانية ومنع إدخال المساعدات باعتبارها وسائل ضغط سياسية وأمنية.

وأضاف أن المساعدات التي يُسمح بدخولها تصل بشكل محدود و"بالقطّارة"، ولا تُترك مفتوحة أو كافية لتلبية الاحتياجات الإنسانية.

إدارة الصراع

وفيما يتعلق بطبيعة الأهداف، يشير خريس إلى أن إسرائيل تدّعي استهداف بنى تحتية أو تهديدات أمنية (من المقاومة)، إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن الضربات تطول مناطق مدنية وسكانا آمنين وبنى حيوية، في ظل غياب أي تهديد فوري يبرر هذا السلوك، ما يؤكد أن الهدف ليس أمنيا بحتا، وإنما يندرج في إطار إدارة الصراع لا إنهائه.

وأكد أن الأخطر في المشهد الحالي هو استخدام منع المساعدات وتقييد عمل المنظمات الإنسانية كأداة تفاوضية مباشرة حيث تحاول إسرائيل فرض معادلة جديدة تشترط الانتقال إلى المرحلة الثانية التي يفترض أن تشمل تهدئة مستدامة أوسع وإعادة الإعمار بتحقيق مكاسب أمنية وسياسية مسبقة، وفي مقدمتها فرض شروطها الكاملة المتعلقة بترتيبات ما بعد الحرب، وعلى رأسها ملف السلاح.

إعلان

وبحسب خريس، فإن إسرائيل تحاول إعادة تعريف المرحلة الثانية لا باعتبارها استحقاقا تلقائيا وفق ما تم الاتفاق عليه، بل كورقة ابتزاز إضافية يُعاد فتحها تحت النار وتحت الضغط الإنساني وفي ظل التهديد المستمر، مذكرا بأن نتنياهو لطالما تحدث عن مفاوضات تحت النار، وهو ما يتواصل حتى بعد توقيع اتفاق التهدئة.

وأشار مدير "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية" إلى أن سلوك الاحتلال يعكس أيضا أزمة داخلية إسرائيلية، حيث تخشى الحكومة الحالية أن يؤدي الوقف الدائم لإطلاق النار إلى انهيار سرديتها السياسية والعسكرية، وتفكك الائتلاف الحاكم.

ولفت إلى أن إطالة أمد الحرب شكلت هدفا سياسيا شخصيا لنتنياهو، لتجنب المساءلة عن إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وفتح ملفات داخلية قد تهدد مستقبله السياسي، ما يدفعه إلى الإبقاء على حالة "اللاحرب واللاسلم" كخيار مريح سياسيا، رغم كلفته الإنسانية الكارثية.

ويرى خريس أن الاحتلال لا ينتهك التهدئة فقط لأنه فشل في ضبط الميدان، بل لأنه يستخدمها نفسها كأداة حرب، ويوظف القصف والمساعدات والمرحلة الثانية من الاتفاق ضمن عملية تفاوضية مفتوحة قائمة على الضغط، بهدف فرض وقائع جديدة قبل أي تسوية سياسية حقيقية، سواء فيما يتعلق بملف ما بعد الحرب أو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار يحقق الاستقرار المطلوب لقطاع غزة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المرحلة الثانیة وقف إطلاق النار أن الاحتلال إلى أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

قاليباف يؤكد لبري عزم إيران على وقف إطلاق النار في لبنان

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، عزم طهران على الدفع باتجاه إقرار وقف إطلاق النار في لبنان وجنوبه، في ظل استمرار التصعيد الميداني في المنطقة.

وقال قاليباف إن استمرار ما وصفه بالجرائم سيؤدي إلى وقف المفاوضات، مشددًا على أن “الرابط بين إيران ولبنان لا ينفصم”، وأن أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة يجب أن يتضمن وقفًا شاملًا للعمليات في جميع الجبهات، وعلى رأسها الساحة اللبنانية.

وأضاف أنه في حال استمرار التصعيد، فإن إيران لن تكتفي بتجميد التفاوض، بل ستقف في مواجهة مباشرة مع حزب الله في إطار ما وصفه برد على التطورات.

من جانبه، أعرب نبيه بري عن تقديره للمواقف الإيرانية، مؤكدًا أن لبنان لن ينسى ما وصفه بالدعم الإيراني في هذه المرحلة الحرجة.

ويأتي ذلك في سياق متصل بما نقلته وكالة “تسنيم” بشأن تعليق فريق التفاوض الإيراني لتبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وسط استمرار التوتر بين طهران وواشنطن وتداعياته الإقليمية.

شهدت منطقة الشرق الأوسط تطورًا لافتًا مع تبادل هجمات بين الولايات المتحدة وإيران، في أول اختبار جدي لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه قبل نحو شهر، وسط مخاوف من انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري إلى مستويات أعلى.

وفيما تحدثت طهران عن عودة الأوضاع إلى الهدوء النسبي، أكدت واشنطن أنها لا تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة، مشيرة إلى أن ما جرى يندرج ضمن اشتباكات محدودة لا ترقى إلى مواجهة شاملة.

ووفق رواية الجيش الإيراني، فإن القوات الأمريكية نفذت ضربات استهدفت سفينتين في منطقة مضيق هرمز، إلى جانب هجمات داخل الأراضي الإيرانية، معتبرًا أن هذه التحركات جاءت ردًا على عمليات سابقة نُسبت إلى الجانب الإيراني. في المقابل، أوضح الجيش الأمريكي أن تحركاته جاءت في إطار الرد على استهدافات إيرانية سابقة لمصالحه في المنطقة.

وفي سياق متصل، نقلت وسائل إعلام تصريحات منسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد فيها أن اتفاق وقف إطلاق النار ما زال قائمًا، رغم الأحداث الأخيرة، واصفًا ما يجري بأنه “تبادل محدود للنيران” لا يشكل تصعيدًا واسع النطاق.

من جانب آخر، أفادت وكالة "مهر" الإيرانية بسماع دوي انفجارات في محيط مدينة بندر عباس جنوب إيران، دون أن تتضح طبيعة هذه الأصوات أو مصدرها، ما أثار حالة من الترقب في الأوساط المحلية.

وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق تعليق عملية عسكرية تُعرف باسم “مشروع الحرية” في مضيق هرمز، استجابة لوساطات إقليمية تقودها باكستان ودول أخرى، مع الإبقاء على بعض إجراءات الضغط، وعلى رأسها استمرار القيود البحرية المفروضة على الموانئ الإيرانية.

وتعود جذور هذه التطورات إلى العملية التي انطلقت في الرابع من مايو، والتي شهدت تبادلًا للهجمات بين الطرفين، شملت ضربات صاروخية وهجمات متبادلة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

كما سبق أن أعلنت واشنطن في أبريل عن وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين بوساطة دبلوماسية، في محاولة لفتح نافذة تفاوضية، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت المخاوف من هشاشة هذا المسار واحتمال انهياره في أي لحظة.

مقالات مشابهة

  • لبنان يشدد على وقف حقيقي لإطلاق النار في كل أراضيه
  • نواف سلام: المفاوضات هي الطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال وتثبيت وقف إطلاق النار
  • أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
  • عن وقف إطلاق النار.. هذا ما قاله قيادي في احزب الله
  • الأغذية العالمي: المساعدات الحالية للبنان لا تكفي لمواجهة الكارثة الإنسانية
  • "الأغذية العالمي": المساعدات الحالية للبنان لا تكفي في مواجهة الكارثة الإنسانية
  • في طرابلس.. أطلق النار عليه
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • قاليباف يؤكد لبري عزم إيران على وقف إطلاق النار في لبنان
  • نتنياهو: ننفذ الآن عمليات في عمق لبنان.. وسنواصل حتى استكمال المهمة