في ليلة كروية صاخبة حيث امتزجت أصوات الهتافات بنبضات القلوب على مدرجات ملعب مباراة الكونغو الديمقراطية وبوتسوانا ضمن كأس أمم إفريقيا، توقف الزمن فجأة عند زاوية واحدة في المدرجات.

فبينما كانت الكاميرات تتابع الكرة وهي تتهادى على العشب، انحرف التركيز فجأة نحو مشهد استثنائي أذهل الحاضرين والمشاهدين على حد سواء: مشجع كونغولي وقف طوال المباراة التي استمرت لأكثر من 90 دقيقة وكأنه منحوت من الحجر، لا يتزحزح، ولا يرف جفن.

وفي لحظات كان فيها المدرج من حوله يغلي بين فرح عارم بالأهداف وقلق متوتر على المرمى، بقي هو جامدا، كأنه من زمن آخر أو عالم منفصل عن ضجيج اللحظة. لم يهتف، لم يصفق، بل وحتى تعابير وجهه رفضت أن تنحني لسياق المباراة.

يده اليمنى مرفوعة في تحية صارمة لا تعرف التردد، وجسده مشدود كقوس لا يلين، بينما تثبت عيناه في أرض الملعب بتركيز يشبه الوفاء أكثر مما يشبه المتابعة وكأنه لا يشاهد مباراة، بل يؤدي واجبا قدسيا.

إنه “كوكا مبولادينغا”، الذي اختار أن يعيش المباراة ليس كمشاهد عابر، بل كرمز حي “تمثال من لحم ودم”، واقف على منصة متواضعة، يقدم خلال صمته صرخة وطنية لا تسمع بالصوت، بل تقرأ في الوقار والثبات.

لكن لماذا يفعل ذلك؟

لم تكن هذه الوقفة الصامتة وليدة لحظة عابرة، ولا مجرد أداء استعراضي يبحث عن الأضواء. بل كانت تصرفا واعيا ومدروسا، كرر في مباراتي الكونغو السابقتين أمام بنين والسنغال، ليغدو مع الوقت طقسا وطنيا متعمدا قي كل مباراة للكونغو الديمقراطية في بطولة كأس أمم إفريقيا المقامة حاليا في المغرب.

سر هذا التجمد المذهل كامن في الذاكرة الوطنية. فمبولادينغا، الذي يحمل ملامح تشبه إلى حد كبير الزعيم التاريخي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد استقلالها عن بلجيكا عام 1960، ارتدى بدلة صفراء، وبنطالا أحمر، وربطة عنق زرقاء، مستحضرا ألوان العلم الوطني، ومقلدا بدقة متناهية وضعية التمثال الشهير للومومبا في العاصمة كينشاسا.

لومومبا، الذي قاد الكونغو الديمقراطية إلى الاستقلال بخطاب ألهب القلوب، اغتيل بعد أقل من عام على توليه منصبه في ظروف مأساوية تحوم حولها شكوك سياسية دولية حتى اليوم. ومع مرور العقود، أصبح رمزا للكرامة، والمقاومة، والانتماء الحقيقي لوطن عانى من استعمار طويل وصراعات داخلية مريرة.

ففي عالم يرى في كرة القدم لعبة تلعب للفوز أو الخسارة، اختار مبولادينغا أن يذكر الجميع بأنها أيضا مرآة الهوية، ومنبر للانتماء، وجسر يربط الحاضر بوجع الماضي وعزته.

وسريعا، اجتاحت مقاطع الفيديو الخاصة بهذا المشجع “الفريد من نوعه” منصات التواصل الاجتماعي، محطمة حدود الجغرافيا والاهتمام الرياضي. وصفه المتابعون بـ”الأسطوري”، واعتبر كثيرون مشهده “أعمق من مجرد تشجيع”، بينما تساءل آخرون، مذهولين: كيف احتمل جسده الوقوف لأكثر من ساعة ونصف دون ارتعاش؟ وكيف صمد في ثباته بينما العالم من حوله يغلي بالمشاعر، بين فرح جارف وقلق مرهق؟

الإجابة، ربما، لا تكمن في العضلات، بل في الروح في قلب يحمل وطنه كراية لا تنكس أبدا.

ويتوقع أن يعاود كوكا مبولادينغا تجسيد “التمثال الحي” خلال المواجهة المرتقبة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية والجزائر المقررة غدا الثلاثاء في دور الـ16 من كأس أمم إفريقيا، ليضفي على الحدث الكروي بعدا وطنيا أعمق.

غير أن سؤالا مثيرا يفرض نفسه الآن: ماذا لو امتد اللقاء إلى شوطين إضافيين، تليهما سلسلة ماراثونية من ركلات الترجيح، هل سيصمد هذا المشجع الأسطوري ويحتفظ بثباته المذهل حتى النفس الأخير من المباراة، مهما طال الزمن واتقدت الأعصاب؟.

المصدر: .sportbible + RT

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/06 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة مواعيد مباريات اليوم الثلاثاء في كأس أمم أفريقيا والقنوات الناقلة2026/01/06 مصر تتجاوز بنين بصعوبة وتبلغ ربع نهائي كأس أمم إفريقيا2026/01/06 شاهد بالفيديو.. معلق قنوات “بي ان سبورت” يتغزل في السودان وأهله: (البلد الذي عُرف عنه الوفاء والفخر والعزة لا يستحق الآلم ويا بخت من لديه رفيق من السودان)2026/01/05 الكاميرون تهزم جنوب أفريقيا وتضرب موعداً نارياً مع المغرب2026/01/05 منتخب المغرب يهزم تنزانيا ويتأهل لربع نهائي كأس أمم إفريقيا2026/01/04 «هذا هو الحال بدونه».. أسطورة ليفربول يناشد محمد صلاح العودة بعد فشل سلوت2026/01/03شاهد أيضاً إغلاق رياضية الاتحاد السوداني لكرة القدم يعيد الإنارة لمنشآته بالطاقة الشمسية 2026/01/03

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: الکونغو الدیمقراطیة کأس أمم إفریقیا

إقرأ أيضاً:

الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق

وصف عبدالله الرفادي، رئيس حزب الجبهة الوطنية، إعلان حكومة جديدة من جنيف بـ”البلطجة السياسية”.

أضاف في تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك اليوم “بلغت الفوضى السياسية حدًا يدعو إلى الاستغراب؛ إذ يجتمع عدد من الأشخاص في دولة أجنبية، ثم يعلنون تشكيل حكومة، وبعد يومين فقط يخرج أحدهم ليعلن نفسه رئيسًا للبلاد”.

وتابع “يبقى السؤال المشروع: من جمع هؤلاء؟ ومن موّل هذا الاجتماع؟ ومن خطط له؟ وما هي الصفة القانونية أو الشعبية التي تخولهم الحديث باسم الليبيين أو ادعاء تمثيلهم؟”.

ورأى إن شرعية أي سلطة لا تُصنع في الفنادق، ولا تُمنح بالبيانات أو الادعاءات، وإنما تستمد من إرادة الشعب، ومن الأطر الدستورية والقانونية المتوافق عليها. أما القفز على هذه الحقائق فلا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الأزمة، وفق تعبيره.

مقالات مشابهة

  • ليكن بعلم الجميع.. ترامب يلجأ لخيار جديد ضد إيران لوقف الهجمات على السفن
  • وزير الخارجية الألماني ينتقد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماعات مجموعة العشرين
  • “لنقي”: الاستقرار في ليبيا قادم لا محالة
  • حكيم يحتفل بذكرى ثورة 23 يوليو : مستقبل مصر يُبنى بسواعد أبنائها
  • استهداف جديد لمنفذ “العبدلي” الحدودي بين العراق والكويت
  • الكتلة الديمقراطية: البرهان يتمسك بمسارين للحل ويؤكد استمرار العمليات العسكرية
  • إنفوجرافيك | معادلة “الحصار بالحصار”.. أبعاد ودلالات التصعيد الجديد في بيان القوات المسلحة اليمنية
  • الجنائية الدولية تُشكل الدائرة الابتدائية السابعة لمحاكمة “خالد الهيشري” بعد اعتماد جميع التهم بحقه
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • شركة “AJet” التركية تعلن خصومات تصل إلى 30% على الرحلات الدولية.