لندن – منذ مغادرة الاتحاد الأوروبي، تبحث الحكومات البريطانية المتعاقبة عن مخارج من المأزق الاقتصادي الخانق الذي خلفه انفصالها عن السوق الأوروبية الموحدة، ولا يجد عدد من مسؤولي الحكومة البريطانية حرجا في الدعوة للتخلي عن السيطرة على السياسات التجارية المستقلة لبريطانيا، والعودة للاتحاد الجمركي الأوروبي لتدارك تأثير "بريكست".

ويتعامل رئيس الوزراء كير ستارمر بحذر مع الدعوات التي تتواتر على لسان نواب من حزب العمال وقادة نقابيين ووزراء في الحكومة، والتي تحثه على إعادة تأهيل أوسع للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي تصل حد العودة للاتحاد الجمركي مع التكتل، باعتباره المدخل للسوق الأوروبية الموحدة والحل الأنسب للأزمة الاقتصادية.

رسائل حذرة

في حديثه لهيئة الإذاعة البريطانية، بدا ستارمر حريصا على توجيه رسائل في أكثر من اتجاه، سواء للمتحمسين للقفز على نتائج "بريكست"، ورأب الصدع الاقتصادي مع الأوروبيين، أو للمتمسكين باستقلال القرار الاقتصادي عن بروكسل، الذي ينظر إليه أنصار بريكست أنه مكسب لا يمكن التنازل عنه.

أبدى رئيس الوزراء البريطاني اهتمامه بالدفع بما وصفها علاقة أوثق مع السوق الموحدة، بدلا من العمل على توقيع اتفاق للاتحاد الجمركي، بينما أصر على منح فسحة للاتفاقيات التجارية الموقّعة مع دول أخرى كالولايات المتحدة والهند، لتستكمل وتثبت فعاليتها في تحريك الاقتصاد البريطاني المتعثر منذ سنوات.

ومثلت إعادة مراجعة العلاقة مع بروكسل شعارا انتخابيا رفعه ستارمر وتعهد بتحقيقه، في ظل تعثر الاقتصاد البريطاني المزمن في تجاوز صدمة الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ بادر لعقد قمة في مايو/أيار الماضي مع مسؤولي الاتحاد في لندن، هي الأولى من نوعها منذ خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي قبل 5 سنوات.

وبعد تشدد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون خلال إبرام اتفاق بريكست عام 2020 على التحرر من قواعد الاتحاد الأوروبي بدلا من قبول التوافق معه لضمان تجارة سلسة من دون عوائق بين المصدرين البريطانيين والاتحاد، تقوم فكرة "إعادة ضبط بريكست" التي يطرحها ستارمر على إعادة التوافق مع تلك القواعد، خاصة بشأن صادرات المنتجات الزراعية والغذائية والكهرباء وتجارة الانبعاثات.

إعلان تصلب أوروبي

لكنّ الحماسة البريطانية لتدارك اختلالات بريكست سرعان ما اصطدمت بمفاوضات شاقة مع التكتل الأوروبي، وتعثر المحادثات الدفاعية بين لندن وبروكسل بشأن مشاركة بريطانيا في برنامج التسلّح الأوروبي SAFE، بسبب تصلب الموقف الأوروبي في اشتراط مساهمة مالية بريطانية مقابل الاستفادة من هذا المشروع الضخم.

وبعد توقيع اتفاق تجاري ودفاعي بين بروكسل ولندن في مايو/أيار الماضي، تواصل الحكومة البريطانية المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن معايير الغذاء والمنتجات الزراعية والكهرباء وبرنامج لفرص عمل الشباب بين الجانبين.

لكنّ هذه المحادثات أظهرت للبريطانيين أن استئناف العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لتجاوز الأزمة الاقتصادية سيكون مهمة شاقة، وهو ما يذهب إليه مدير المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي (ECIPE) ديفيد هينغ في حديث مع الجزيرة نت، إذ يرى أن طموح البعض لإبرام اتفاق جمركي شامل بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي صفقة صعبة أيضا لا يمكن إنجازها بلا تنازلات.

ويشير الخبير التجاري البريطاني إلى أن الأوروبيين لا يمكنهم القبول بمطلب لندن بتسهيل حركة السلع على النحو الذي تطمح إليه، من دون أن يشمل ذلك أيضا حرية حركة العمالة والخدمات، إلى جانب اشتراط مساهمة مالية بريطانية معتبرة مقابل هذه التسهيلات، وهي شروط تقوض مبدأ بريكست القائم على استعادة لندن استقلالية قرارها الاقتصادي، ووقف تدفق العمالة الأجنبية.

وتمثل المغامرة بالاستقلال التجاري مخاطرة سياسية لحكومة حزب العمال الحالية، في وقت تستعد فيه لاستحقاقات انتخابية محلية من دون رصيد إنجازات اقتصادية يجعلها تطمئن لنتائجها، في ظل صعود غير مسبوق لحزب الإصلاح اليميني الشعبوي.

الضغوط الأميركية

لكن الجهد الذي بذله رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر منذ وصوله للسلطة والرغبة في استثمار هامش الاستقلال التجاري الذي وفره اتفاق بريكست للدفع بالعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، اصطدم أيضا بالخلافات التجارية مع الإدارة الأميركية التي مارست ضغوطا بلغت حد تعليق استثماراتها في قطاع التكنولوجيا البريطاني، المقدرة بـ31 مليار جنيه إسترليني (41.83 مليار دولار).

ولا تقل قساوة المفاوضات مع الأوروبيين عن تلك التي تخوضها حكومة ستارمر مع الأميركيين، إذ تقاوم لندن ضغوط إدارة ترامب لإلغاء الضريبة الرقمية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية، في وقت سعت فيه إلى إبرام اتفاق تجاري مبكر مع واشنطن يجنّب الصادرات البريطانية فرض رسوم جمركية أميركية عقابية.

وبعد أن سخّرت بريطانيا القوة الدبلوماسية الناعمة لمؤسستها الملكية لاستمالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال استقباله للمرة الثانية بالقصر الملكي في زيارة وُصفت بالتاريخية، كشفت صحيفة التايمز أن الملك تشارلز الثالث سيضطر هذه المرة إلى زيارة واشنطن بنفسه في أبريل المقبل، في محاولة لضخ دماء جديدة في الاتفاقات التجارية الثنائية المتعثرة.

ويشير مدير المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي (ECIPE) ديفيد هينغ إلى أن الحكومة البريطانية تحاول الموازنة بين إعادة تأهيل علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، بما يحقق للاقتصاد البريطاني مكاسب مباشرة يُعول عليها في تحريك عجلة النمو، وبين حرصها في الوقت نفسه على عدم تقييد نفسها بشروط الاتحاد الأوروبي الصارمة، وهو ما قد يفرض عليها الانسحاب من بعض الاتفاقيات أو مراجعتها، أو يؤدي إلى تعثر المفاوضات بشأنها.

إعلان

بدورها، تؤكد مديرة برنامج التعاون الأوروبي في المركز الأوروبي للسياسات الخارجية (ECFR) سوزي دانيسون، في حديث مع الجزيرة نت، وجود رغبة مشتركة بين بريطانيا وأوروبا لإصلاح العلاقات المتوترة، التي ميزت مرحلة ما بعد بريكست، في ظل التحديات الجيوسياسية التي تواجه القارة، لكنها تشير إلى أن الطرفين يبدو عالقين في التفاصيل والحسابات الدقيقة التي يصعب تجاوزها.

وترى الخبيرة الاقتصادية أن البريطانيين يعانون من معضلة المواءمة بين الرغبة الأميركية في إبرام اتفاقيات تجارية أكثر تحررا من الضوابط في القطاع الصحي والرقمي والغذائي، بينما يفرض الاتحاد الأوروبي قواعد صارمة، وأي انضمام للاتحاد الجمركي سيقيّد حرية الحكومة البريطانية في إبرام اتفاقيات تجارية ثنائية ويدفعها لحل بعضها أو مراجعتها.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مع الاتحاد الأوروبی الحکومة البریطانیة رئیس الوزراء إبرام اتفاق

إقرأ أيضاً:

الخارجية البريطانية تدعو لاحترام وقف إطلاق النار في لبنان والعودة للمفاوضات

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دعت وزارة الخارجية البريطانية جميع الأطراف المعنية بالتصعيد في لبنان إلى الالتزام بوقف إطلاق النار القائم، والامتناع عن أي خطوات من شأنها زيادة التوتر في المنطقة.

وشهد جنوب وشرق لبنان موجة تصعيد عسكري واسعة بعد سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة استهدفت مناطق عدة في الجنوب والبقاع، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ودمار كبير في الأحياء السكنية، وسط تحذيرات من انزلاق الأوضاع نحو مرحلة أكثر خطورة.

وامتدت الهجمات الجوية إلى مناطق متعددة في صور والنبطية والبقاع الغربي، حيث نفذت الطائرات الحربية الإسرائيلية عشرات الغارات المتتالية، ترافقت مع قصف مدفعي وأحزمة نارية طالت بلدات ومناطق مأهولة بالسكان.

واستهدفت الضربات بلدات الرشيدية والمعشوق وبرج الشمالي وصديقين والسلطانية والغندورية والحوش ورشكنانية، ما أدى إلى تدمير منازل وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية، في وقت تحدثت مصادر محلية عن سقوط عدد من الضحايا بين المدنيين.

وفي النبطية ومحيطها، تواصل القصف على بلدات ميفدون وحبوش وعربصاليم وتول وحاروف وقعقعية الجسر والدوير، فيما أشارت تقارير ميدانية إلى مقتل سيدتين إثر استهداف منزل بشكل مباشر.

أما في البقاع الغربي، فقد تعرضت بلدة مشغرة لغارات متلاحقة وعنيفة، رافقتها أحزمة نارية استهدفت أحياء سكنية، ما أدى إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة آخرين بينهم أطفال، بينما واصلت فرق الإنقاذ عمليات البحث بين الأنقاض وانتشال العالقين.

وشملت الاعتداءات أيضًا بلدات ياطر وزبقين والريحان وسجد واللويزة، بالتزامن مع قصف مدفعي طال محيط شوكين وجبشيت وشحور، وسط تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي فوق مناطق لبنانية واسعة امتدت من الجنوب إلى بيروت والبقاع.

وأفادت مصادر محلية بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية حلقت على علو منخفض فوق العاصمة بيروت وجبل لبنان، مع تسجيل خروقات متكررة لجدار الصوت، ما تسبب بحالة من الذعر بين السكان ودفع العديد من العائلات إلى مغادرة الضاحية الجنوبية لبيروت خشية اتساع رقعة الاستهداف.

وفي الجانب الإنساني، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة ضحايا الهجمات الإسرائيلية منذ مطلع مارس الماضي إلى أكثر من 3 آلاف قتيل وآلاف الجرحى، في ظل استمرار التصعيد العسكري واتساع نطاق العمليات.

سياسيًا، تتزامن التطورات الميدانية مع حراك دبلوماسي متواصل، إذ يترقب لبنان وإسرائيل جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة برعاية أمريكية خلال الأسابيع المقبلة، وسط محاولات لتثبيت التهدئة ومنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.

في المقابل، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لهجته تجاه حزب الله، مؤكدًا أن العمليات العسكرية ستستمر بوتيرة أكبر، ومشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل استهداف عناصر الحزب ومواقعه في الجنوب اللبناني.

من جهته، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة يمثل مطلبًا أساسيًا لا يمكن التراجع عنه، مؤكدًا أن أي مسار تفاوضي يجب ألا يمس الثوابت الوطنية اللبنانية.

وكانت اتصالات سياسية جرت خلال الأسابيع الماضية قد أفضت إلى تفاهمات أولية لتمديد وقف إطلاق النار لفترة مؤقتة، إلى جانب إطلاق مسار أمني برعاية أمريكية، في محاولة لاحتواء التصعيد المتواصل على الحدود الجنوبية.

مقالات مشابهة

  • الاتحاد الأوروبي يقترب من تصويت حاسم لفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين
  • وزيرة الإسكان تشارك غدًا في مؤتمر مصر المستقبل: فرص الاستثمار والإصلاح الاقتصادي المستدام بالعاصمة البريطانية لندن
  • السفير البريطاني يشيد بحجم إنجازات ومشروعات الجهاز الوطني للتنمية
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • يورونيوز : الاتحاد الأوروبي يشترط وقف إطلاق النار لتعزيز دوره في المحادثات الأوكرانية الروسية
  • مخرج مسرحي يكشف عن أزمة جديدة في جامعة طنطا ..تفاصيل
  • أميركا أولاً في بغداد.. ماذا يخطط توم باراك لعراق الأزمات المترابطة؟
  • اتفاق مؤقت بين البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي يمهد لإنشاء مراكز ترحيل خارج التكتل
  • الخارجية البريطانية تدعو لاحترام وقف إطلاق النار في لبنان والعودة للمفاوضات
  • فيتسو يدعو إلى الامتناع عن التصريحات حول خطر الحرب بين الاتحاد الأوروبي وروسيا